يجادلون في القرآن، {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} (1)، {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}» (2).
5 - وعن أبي جعفر قال: «لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله» (3).
ومن معاني الخوض في آيات الله تعالى تحريفها ووضعها في غير موضعها، وردها والتكذيب بها إذا كان معناها يخالف هواه (4)، وجاء في القرآن ذمه والأمر بالإعراض عن أصحابه وترك مجالستهم في قول الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (5).
6 - وقال عون بن عبد الله: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تخاصموهم، فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض» (6).--------------------------------------------
(1) سورة غافر من الآية (4).
(2) سورة البقرة من الآية (176)، والأثر أخرجه ابن بطة في الإبانة "الإيمان" (2/ 494).
(3) تقدم تخريجه (ص 295).
(4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/ 272).
(5) سورة الأنعام آية (68).
(6) الإبانة لابن بطة "الإيمان" (2/ 466).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
ونهيُ الصحابة والتابعين عن الجدال في القرآن داخل في النهي عن مناظرة أهل البدع ومجادلتهم بعامة في القرآن وغيره، والتحذير من مجالسة أهل الأهواء ومحادثتهم والاستماع إليهم؛ حتى لو تعلق الأمر بسماع آية أو حديث، ومن أقوالهم في ذلك:
1 - قول أبي قلابة: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون» (1).
2 - وقول الحسن وابن سيرين: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم» (2).
3 - وقال رجل للحسن: «تعال أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه» (3).--------------------------------------------
(1) سنن الدارمي (1/ 114)، والسنة لعبد الله بن أحمد (1/ 137)، وكتاب ما جاء في البدع لابن وضاح (ص 106)، والقدر للفريابي (ص 213)، والشريعة للآجري (ص 67)، والإبانة لابن بطة "الإيمان" (2/ 518)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 134).
(2) سنن الدارمي (1/ 116)، والإبانة "الإيمان" (2/ 464).
(3) القدرللفريابي (ص 216)، والشريعة (ص 62)، والإبانة "الإيمان" (2/ 509). وانظر آثاراً أخرى في: الشريعة (ص 63)، والإبانة "الإيمان" (2/ 433 - 543)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 114 - 150)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 93 - 99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
وقد يبدو هذا متعارضاً مع ما جاء عن الصحابة والتابعين - وتقدم بعضه - أنهم جادلوا غيرهم في القرآن وغيره، فلا بد من معرفة الحد الفاصل بين ما انتقدوه وذموه وبين ما فعلوه، فهم حين ينتقدون الجدال في القرآن، أو يسوغونه ويفعلونه ينطلقون من مبررات وأهداف صحيحة، فينبغي حمل كل حالة على ما يليق بها:
الجدال المذموم:
جنس المناظرة والمجادلة من حيث الأصل فيها المحمود والمذموم، والحق والباطل، ولذا فهي تمدح وتذم بحسب مقاصدها وأهدافها (1).
وتنقسم الأهداف والمقاصد التي من أجلها انتقد الصحابة والتابعون الجدال في القرآن إلى قسمين:
القسم الأول: أهداف ومقاصد تعود إلى الموافقين، كالخشية من إفساد عامتهم، فإن الحق إذا كان ظاهراً يعرفه كل أحد، فأتى بعض من في قلبه مرض ليصرفهم عنه ويدعوهم إلى بدعته، فالواجب حينئذٍ منعه من تحقيق غرضه ورده وزجره عن ذلك، وعدم إفساح المجال له، وتمكينه من التأثير في الناس، وعرض شبهه في القرآن على عامتهم عن طريق المناظرة والمجادلة، وقد يكون فيهم من لم يكن سمع بها من قبل، وليس لديه من العلم والإيمان ما يدفع بها تلك الشبه، ويزداد الخطر على العامة إذا رأوا من المناظر ضعفاً في الحجة، أو انقطاعاً في--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (7/ 174).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
المناظرة، وعلى هذا يحمل ما جاء من النهي عن المناظرة والمجالسة والمحادثة.
ولهذا السبب الأخير فقد يعود الضرر على المناظِر نفسه، فإنه إذا كان ضعيف العلم بالحجة لم يؤمن إفساد المبطل له، وتقدم قول أبي قلابة لما نهى عن مجالستهم ومناظرتهم: «فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون».
القسم الثاني: مقاصد تعود إلى المخالفين، كأن لا يكون هناك فائدة مرجوة من مجادلتهم، بأن يظهر منهم العناد والمكابرة، وعدم قبول الحق بسبب اتباع الهوى أو فساد الإدراك، ولذلك يقيد السلف النهي عن المناظرة بمناظرة أهل الأهواء وجدال المنافق كما سلف، وهذان الصنفان ليس دافعهما في المجادلة الرغبة في الوصول إلى الحق، والفهم الصحيح لكتاب الله، وإنما الهوى والرغبة في التأثير في الخصم (1).
وقد يقع بين أهل الحق في مناظراتهم شيء مما يقع من أهل الباطل، حين يخرج الجدل عن إطاره الشرعي، فيقع بعض المتجادلين تحت تأثير حب الظهور على خصومه ومغالبتهم، ومحبة انقطاعهم في المناظرة، وقد يدعوه انتصاره لنفسه إلى الإصرار على فهمه والمنافحة عن رأيه، وقد يقع فيما هو أعظم من ذلك، فيرد الحق--------------------------------------------
(1) انظر فيما سبق: الإبانة "الإيمان" (2/ 470)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 17) وما بعدها، والفقيه والمتفقه (1/ 556)، ودرء تعارض العقل والنقل (7/ 172، 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
الذي يأتي به مناظره، وحينئذٍ يصبح من المراء المنهي عنه في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مراء في القرآن كفر» (1).
وقد أوجز ابن تيمية ما سبق بقوله: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال» (2).
ومن المقاصد التي تعود إلى المخالفين أن الحد من مناظرتهم والتقليل منها قدر الإمكان يؤدي إلى قلة من يستمع إليهم ويناقشهم، وهذا له أثر في غيظهم وقهرهم وكمدهم، ولذلك قال أيوب رحمه الله: «لست براد عليهم بشيء أشد من السكوت» (3).
الجدال المحمود:
وقد يحيط بالموقف ظروف وملابسات تجعل مناظرة المبطلين وجدالهم في القرآن أمراً محموداً؛ يصل في بعض المواقف إلى درجة الوجوب، ومن الأهداف والمقاصد المشروعة للجدال:--------------------------------------------
(1) انظر: الإبانة "الإيمان" (2/ 546 - 548)، والشريعة (ص 71)، والحديث سبق تخريجه (ص 45).
(2) درء تعارض العقل والنقل (7/ 174).
(3) الشريعة (ص 67)، والإبانة "الإيمان" (2/ 471)، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 19).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
1 - أن يرى المناظر الحاجة ماسة إلى المناظرة، لعدم وجود من يقوم بها غيره، ويرى في نفسه الأهلية لكونه من أصحاب الحجة والبيان، ويرجو بمناظرته أن يهدي الله خصمه بمناظرته، وكان ابن سيرين ينهى عن الجدال إلا رجلاً إن كلمته طمعت في رجوعه (1)، وتقدم جدال ابن عباس للخوارج ورجوع كثير منهم بسبب ذلك (2).
2 - أن يكون المرء في مجلس فيتكلم أحد الناس بكلام فيه بلية وفتنة، وليس في المجلس من لديه حجة على مقابلته، وقد يخفى على الحاضرين ما يرمي إليه، فيخشى إن سكت أن يؤثر فيهم بما يلقيه من شبه حول الكتاب العزيز، فيرجو بمجادلة الخصم وإفحامه تثبيت من في المجلس، وكشف شبهاته لهم (3).
3 - أن يقصد بمناظرته إقامة الحجة على بعض الناس، وقد لا يتأتى ذلك إلا بالمجادلة والمناظرة ونقض الأدلة التي يستدل بها، كما فعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله مع الخوارج والقدرية (4)، وقد عقد ابن عبد البر باباً في "جامع بيان العلم وفضله" في إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وساق نصوصاً كثيرة لإثباتها في إظهار الحق--------------------------------------------
(1) الإبانة "الإيمان" (2/ 541).
(2) وانظر: جامع بيان العلم وفضله (2/ 106)، والجامع لأحكام القرآن (2/ 1094، 7/ 5736).
(3) انظر الإبانة "الإيمان" (2/ 542).
(4) تقدم نقل بعض مناظراته للقدرية، وانظر في مناظرته الخوارج جامع بيان العلم وفضله (2/ 105).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
وإزهاق الباطل (1).
وقد وقع بين الصحابة والتابعين جدال حول دلالة بعض الآيات، ولم يرد عنهم ذم من فعله، ومن شواهده أن زر بن حبيش (2)
قال: «قلت لحذيفة بن اليمان: أصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس؟ ، قال: لا، قلت: بلى، قال: أنت تقول ذاك يا أصلع! بم تقول ذلك؟ ، قلت: بالقرآن، بيني وبينك القرآن، فقال حذيفة: من احتج بالقرآن فقد أفلح، فقال زر: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} (3)، قال: أفتراه صلى فيه؟ ، فقلت: لا، قال: لو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه، كما كتبت الصلاة في المسجد الحرام. قال حذيفة: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدابة طويلة الظهر ممدودة هكذا، خطوه مد--------------------------------------------
(1) (2/ 99 - 108).
(2) هو أبو مريم زر بن حبيش بن حباشة الأسدي الكوفي، أدرك الجاهلية، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن عمر وعثمان وعلي، وعنه إبراهيم النخعي وعاصم، عُمر فبلغ مائة وعشرين، وتوفي سنة (81 أو 82).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 71)، والتاريخ الكبير (2/ 1/447)، وتهذيب التهذيب (1/ 627).
(3) سورة الإسراء من الآية (1).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
بصره، فما زايلا ظهر البراق (1) حتى رأيا الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم رجعا عودهما على بدئهما» (2).
ومما سبق يتبين أن السلف وعلى رأسهم الصحابة والتابعون لم يكونوا منغلقين على أنفسهم؛ محجمين عن الجدال بالكلية، وبالمقابل لم يكونوا متسامحين إلى حد يؤدي إلى تمادي المبطلين، كما أن هذا المنهج المعتدل في الجدال لم يقلل من حرصهم على عامة المجتمع وحمايتهم من التأثيرات الخارجية والأفكار المنحرفة.--------------------------------------------
(1) يريد: ما فارق النبي وجبريل ظهره، تحفة الأحوذي (8/ 584).
(2) أخرجه الترمذي في سننه، في أبواب التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل (8/ 296)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وهو في مسند الطيالسي (ص 55)، وتفسير عبد الرزاق (1/ 317)، ومسند أحمد (5/ 387، 392، 394)، ومصنف ابن أبي شيبة (14/ 306)، وجامع البيان (14/ 444)، والمستدرك (2/ 359)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 103)، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (5/ 20): «وهذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنه نفي، وما أثبته غيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة بالبيت المقدس مقدم على قوله، والله أعلم بالصواب» بتصرف يسير، وانظر فتح الباري لابن حجر (7/ 208).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
سادساً
نقد تفاسير القُصَّاص
يسبق إلى الذهن عند ذكر القُصَّاص أنهم من يسرد القصص والأخبار، بيد أنهم في العرف الاصطلاحي أعم، فيراد بهم المتصدرون لوعظ الناس وتذكيرهم وحثهم على الخير وترهيبهم من الشر، ويدل لذلك أن تميماً الداري (1) حين استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في أن يقص، قال له: «ما تقول؟ ، قال: أقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير وأنهاهم عن الشر» (2).
ولعلهم سموا بالقُصَّاص لعنايتهم بأمر القصص والأخبار، وهذا متفق مع معنى القصِّ لغة؛ إذ يعني الإخبار بالشيء، فيقال: قص عليه الرؤيا إذا أخبره بها، والقاص هو الذي يأتي بالقصة على وجهها (3).--------------------------------------------
(1) هو أبو رقية تميم بن أوس بن حارثة الداري، كان نصرانياً فأسلم سنة تسع وقدم المدينة، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم قصته مع الجساسة والدجال، ثم انتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان، وسكن فلسطين وبها توفي.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/129)، والاستيعاب بذيل الإصابة (2/ 58)، والإصابة (1/ 304).
(2) تاريخ دمشق (11/ 80).
(3) لسان العرب (5/ 3651) مادة "قصص"، وانظر في تعريف القصاص: أساس البلاغة (ص 510)، والقُصَّاص والمذكرين لابن الجوزي (ص 66 - 67)، وفتح الباري (8/ 412)، ومقدمة تحذير الخواص من أكاذيب القُصَّاص د. الصباغ (ص 6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
وفي قصة تميم واستئذانه لعمر ما يدل على أن عمر توقف في الإذن له حتى ألحَّ عليه، فعن عمرو بن دينار (1): «أن تميماً الداري استأذن عمر في القصص، فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه، فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه، فقال: إن شئت، وأشار بيده يعني الذبح» (2).
وعن السائب بن يزيد (3) قال: «لم يكن يقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر، وكان أول من قص تميم الداري؛ استأذن عمر بن الخطاب أن يقص على--------------------------------------------
(1) هو أبو محمد الجمحي مولاهم المكي، سمع ابن عباس وابن عمر وجابراً، وروى عنه ابن عيينة والثوري وشعبة، وقال عنه: «ما رأيت أحداً أثبت في الحديث من عمرو»، توفي في أول سنة (126).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 353)، وتذكرة الحفاظ (1/ 113).
(2) رواه الطبراني في المعجم الكبير (2/ 49)، قال الحافظ العراقي في الباعث على الخلاص (ص 70): «رجال إسناده ثقات»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 190): «رجاله رجال الصحيح إلا أن عمرو بن دينار لم يسمع من عمر»، وانظر تحذير الخواص (ص 223)، وفي تاريخ دمشق (11/ 80) أن تميماً استأذن عمر في القصص سنين فيأبى أن يأذن له.
(3) الكناني المدني، يعرف بابن أخت نمر، حج مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين، روى عن عمر وطلحة وسعد، وعنه الزهري ويحيى الأنصاري، ولاه عمر على سوق المدينة، توفي سنة (86 أو 91).
انظر: أسد الغابة (2/ 321)، والجرح والتعديل (2/ 1/241).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
الناس قائماً، فأذن له عمر» (1).
ويستفاد من ذلك أمران:
الأول: أن ظهور القُصَّاص كان مبكراً في خلافة عمر.
الثاني: أن القُصَّاص كانوا يمارسون وظيفتهم بشكل محدود، وتوقف عمر عن الإذن لتميم يدل على أن الأمر ليس معتاداً، أضف إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في القصص لكل أحد في قوله: «لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال» (2)،--------------------------------------------
(1) رواه أحمد في المسند (3/ 449)، والطبراني في المعجم الكبير (7/ 149)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 190): «فيه بقية بن الوليد وهو ثقة مدلس»، وقال الحافظ العراقي في الباعث على الخلاص (ص 70): «إسناده جيد، فيه بقية بن الوليد، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد، فزالت تهمة تدليسه»، وانظر: سنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب القصص (2/ 1235)، ومصنف عبد الرزاق (3/ 219)، ومصنف ابن أبي شيبة (8/ 746، 749).
(2) جاء هذا الحديث عن عدد من الصحابة؛ فأخرجه من حديث عوف بن مالك: أبو داود في سننه، في كتاب العلم، باب في القصص (3/ 323)، وأحمد في المسند (6/ 23، 27، 29)، والطبراني في المعجم الكبير (18/ 55 - 56، 65 - 66، 76)، قال الحافظ العراقي في الباعث على الخلاص (ص 72): «سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح»، وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (1/ 80).
وأخرجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ابن ماجه في سننه، في كتاب الأدب، باب القصص (2/ 1235)، والدارمي في سننه (2/ 775)، وأحمد في المسند (2/ 178، 183)، والطبراني في الأوسط (1/ 524)، قال العراقي في الباعث على الخلاص (ص 71): «إسناده صحيح، وصححه الأرنؤوط في تحقيقه للمسند (11/ 241).
وأخرجه من حديث كعب بن عياض الطبراني في المعجم الكبير (19/ 180)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 190): «رواه الطبراني وفيه عبد الله بن يحيى الأسكندراني ولم أر من ترجمه»، وقال العراقي في الباعث على الخلاص (ص 73): «إسناده جيد».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
ولذلك بقي القصص في نطاقه الضيق؛ من قبل الولاة أو من ينيبونهم، وبقي على هذه الحال حتى ظهرت الفتن بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، فتوسع الناس- خاصة المبتدعة - في القصص، ولعلهم صنعوا ذلك رغبة في التأثير على عامة الناس واستمالتهم إلى مذاهبهم، ولذا يرد عن بعض السلف أن الذي أحدث القصص أهل البدع، وجاء عن بعضهم أن الذي أحدثها الحرورية، ومرادهم - والله أعلم - اشتهار القصص وكثرتها وظهورها بصورة مخالفة لما عليه الصدر الأول بسبب دخول المبتدعة فيها، وارتكابهم بعض المخالفات والبدع (1)، ولذلك اشتد إنكار الصحابة والتابعين على القصاص، وتنوعت أساليبهم، ومن أبرزها:
1 - الإنكار القولي على القصاص، فعن عمرو بن زرارة (2) قال: «وقف عليَّ عبد الله بن مسعود وأنا أقص في المسجد، فقال: يا عمرو لقد ابتدعتم بدعة ضلالة،--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب ما جاء في البدع لابن وضاح (ص 56 - 60)، والقصاص والمذكرين (ص 78، 145) وما بعدها، وتحذير الخواص من أكاذيب القصاص (ص 245) وما بعدها.
(2) هو ابن أغر، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، له ترجمة مختصرة في: التاريخ الكبير (3/ 2/331)، والجرح والتعديل (3/ 233)، والثقات لابن حبان (5/ 174).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
أو أنكم لأهدى من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلقد رأيتهم تفرقوا عني، حتى رأيت مكاني ما فيه أحد» (1).
وعن ميمون بن مهران رحمه الله قال: «القاص ينتظر المقت من الله» (2).
2 - منعهم من الكلام في المساجد وإخراجهم منها، فقد أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بإخراج القصاص من المساجد (3).
واستعان ابن عمر بالشرطة في إخراج قاص من المسجد عندما رفض الخروج (4).
3 - ترك الجلوس إليهم أو الاستماع إلى كلامهم، والاشتغال عنه بالأحاديث الجانبية، فعن سالم: «أن ابن عمر كان يخرج من المسجد فيلقاه الرجل، فيقول: ما شأنك يا أبا عبد الرحمن؟ ، فيقول: أخرجني القاص» (5).--------------------------------------------
(1) المعجم الكبير (9/ 127 - 128).
(2) الزهد لابن المبارك (ص 32)، وكتاب ما جاء في البدع لابن وضاح (ص 59).
(3) الناسخ والمنسوخ للنحاس (1/ 410)، وتحذير الخواص (ص 263).
(4) مصنف ابن أبي شيبة (8/ 747، 748)، وكتاب ما جاء في البدع لابن وضاح (ص 56)، وتحذير الخواص (ص 263)، وانظر (ص 246) من الكتاب نفسه.
(5) مصنف عبد الرزاق (3/ 219)، وانظر تحذير الخواص (ص 245).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
وكان بعض التابعين يتحدث والقاص يقص؛ إشارة إلى عدم الاهتمام به (1).
دواعي نقد القصاص (2):
ومن أهمها:
أولاً: اشتمال مجالس القصاص على بعض البدع والحوادث، فقد مر ابن عمر بقاص، وقد رفعوا أيديهم، فقال: «اللهم اقطع هذه الأيدي» (3).
ثانياً: ما اتصف به كثير من القُصَّاص من عدم الوعي وقلة الفقه، والبعد الظاهر عن العلم وأهله، وترتب على ذلك ضعف التحصيل العلمي لمن يجلس إليهم، ومن شواهده:--------------------------------------------
(1) الحوادث والبدع للطرطوشي (ص 109).
(2) انظر في هذه الدواعي كتاب القصاص لابن الجوزي (ص 66).
(3) تحذير الخواص (ص 259) وعزاه لابن الإمام أحمد في زوائد الزهد، وانظر أثراً آخر عن ابن مسعود في مصنف عبد الرزاق (3/ 221)، وعن الحسن البصري في تحذير الخواص (ص 275)، وعقد ابن الجوزي في كتاب القُصَّاص (ص 145) باباً في " التحذير من أقوام تشبهوا بالمذكرين فأحدثوا وابتدعوا حتى أوجب فعلهم إطلاق الذم للقُصَّاص ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
1 - قول أبي إدريس الخولاني رحمه الله (1):
«لأن أرى في طائفة المسجد ناراً تتقد أحب إلي من أرى فيها رجلاً يقص ليس بفقيه» (2).
2 - وعن أبي قلابة رحمه الله قال: «ما أمات العلم إلا القصاص، يجالس الرجل القاص سنة فلا يتعلق منه بشيء، ويجلس إلى العالم فلا يقوم حتى يتعلق منه بشيء» (3).
ولقصور علم القصاص وقلة فقههم يقع منهم تحريف الأحاديث التي يروونها عمداً أو سهواً، فعن أيوب قال: «ما أفسد على الناس حديثهم إلا القصاص» (4).
ولهذا السبب امتنع بعض المحدثين عن تحديثهم، فقد سأل أحد الناس شعبة--------------------------------------------
(1) هو عائذ بن عبد الله الدمشقي، عالم أهل الشام، ولد عام حنين، وسمع معاذاً وأبا الدرداء وأبا هريرة، وروى عنه الزهري ومكحول، عزله عبد الملك عن القصص وأقره على القضاء، توفي سنة (80).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/157)، وتاريخ دمشق (26/ 137)، وتذكرة الحفاظ (1/ 56).
(2) حلية الأولياء (5/ 124)، والقصاص والمذكرين (ص 181).
(3) حلية الأولياء (2/ 287)، والقصاص والمذكرين (ص 182)، وجاء نحو هذا الكلام عن أيوب السختياني في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 164).
(4) حلية الأولياء (3/ 11)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 164)، والقصاص والمذكرين (ص 153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
عن حديث فقال: أقاص أنت؟ قال: نعم، قال: اذهب، فإنا لا نحدث القصاص، فقال له رجل: لم يا أبا بسطام؟ ! ، فقال شعبة: يأخذون الحديث منا شبراً فيجعلونه ذراعاً (1).
ثالثاً: مخالفة بعض القصاص لما يأمرون به أو ينهون عنه، ومن شواهده:
1 - قيل لعلقمة: «ألا تقص؟ ، فقال: إني أكره أن آمركم بما لا أفعل» (2).
2 - وعن إبراهيم النخعي قال: «إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} (3)، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (4)، وقوله تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}» (5).
رابعاً: أن طريقة القصاص سبب للشهرة، وتدعو صاحبها إلى حب الظهور، ويحتمل أن بعض الصحابة شعر بذلك، فقد استأذن رجلٌ عمر رضي الله عنه في أن--------------------------------------------
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 164)، والقصاص والمذكرين (ص 152).
(2) مصنف ابن أبي شيبة (8/ 747).
(3) سورة البقرة من الآية (44).
(4) سورة الصف الآيتان (2، 3).
(5) سورة هود من الآية (88)، والأثر ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (1/ 313)، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (1/ 250) ط. دار طيبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
يقص، فكره ذلك له، وقال: «أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع، حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك» (1).
ومر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقاص، فقال: «ما كنيتك؟ قال: أبو يحيى، فقال: بل أنت أبو اعرفوني» (2).
ومر بآخر فقال: «ما هذا؟ ، فقالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان بن فلان فاعرفوني» (3).
هذه أبرز أسباب انتقاد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم للقصاص، ولا يفهم منه ذم القصاص بعامة، وإنما ذم من اتصف بهذه الصفات ونحوها مما يقدح في القاص ويفقده مصداقيته، ويقلل من تأثيره في الناس، وأكثر النقد الوارد عن الصحابة والتابعين معلل بما تقدم، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر القصاص ذم نوعاً واحداً منهم، ولو كان صنيع القصاص مذموماً بإطلاق لما أذن عمر رضي الله عنه لتميم الداري وغيره.--------------------------------------------
(1) مسند أحمد (1/ 18)، وتحذير الخواص (ص 233).
(2) مصنف عبد الرزاق (3/ 221).
(3) الناسخ والمنسوخ للنحاس (1/ 410)، وانظر الاعتبار للحازمي (ص 6)، وتحذير الخواص (ص 241)، وجاء نحوه عن ابن عمر عند الطبراني في المعجم الكبير (12/ 205)، وانظر: مجمع الزوائد (1/ 189)، والباعث على الخلاص (ص 84)، وتحذير الخواص (ص 228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
إن القصص بمعناه العام الذي يشمل الوعظ والتذكير حين ينضبط بضوابطه ويبتعد عن المحاذير الشرعية فلا وجه للقول بمنعه، وقد فعله كبار الصحابة والتابعين، وأورد ابن الجوزي (1) عنهم آثاراً كثيرة، ومنهم من روي عنه ذم القصاص (2)، وأثنى مجاهد مرةً على أحد القصاص، وقال: «كان يوافق قوله فعله» (3).
ولما ذم بعض السلف القصاص، قيل له: «أليس كان ابن مسعود يذكر؟ ، فقال: إنما أراد بذلك التواضع ومنفعة المسلمين، ولم يكن يكذب على الله ورسوله» (4).--------------------------------------------
(1) هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي القرشي التيمي البغدادي الحنبلي، فقيه واعظ مفسر، زادت تصانيفه على الألف في شتى العلوم، منها: زاد المسير، والمنتظم، والموضوعات، توفي سنة (597).
انظر: سير أعلام النبلاء (21/ 365)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (1/ 399)، وطبقات المفسرين للسيوطي (ص 50).
(2) القُصَّاص والمذكرين (ص 99 - 137).
(3) مصنف ابن أبي شيبة (8/ 745).
(4) تحذير الخواص (ص 276).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
انتقاد القصاص في التفسير:
من وظائف القاص الرئيسة تلاوة القرآن على الناس، كما تقدم عن تميم الداري (1)، ويعتني القصاص - بشكل كبير - بنوعين من الآيات:
1 - آيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
2 - آيات القصص، وأخبار الأمم السابقة؛ لما لها من أثر في استمالة الحاضرين وجلب انتباههم.
والقاص يحتاج عند مروره بهذه الآيات إلى بيانها، فيخطئ في فهمها بسبب تفسيرها بالروايات الباطلة والقصص المختلقة، وقد يستشهد ببعض الآيات وينزلها - خطأً - على ما يعظ فيه، وقد اشتكى المفسرون منهم بسبب ذلك:
- يقول ابن الجوزي: «وفي القصاص من يسمع الأحاديث الموضوعة فيرويها، ولا يعلم أنها كذب، فيؤذي بها الناس، وصنف جماعة من الأعاجم كتباً في الوعظ ملأوها بالأحاديث المحالة والمعاني الفاسدة، وفي التفاسير من هذا كثير» (2).--------------------------------------------
(1) وانظر مصنف ابن أبي شيبة (2/ 16).
(2) القصاص والمذكرين (ص 153) باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
ويقول الشوكاني (1): «ولسنا بملزومين بدفع الأكاذيب التي وضعها القصاص، ونفقت عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم، فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا وأقاصيص كلها حديث خرافة، وما أحق من لا تمييز عنده لفن الرواية، ولا معرفة به أن يدع التعرض لتفسير كتاب الله، ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها من كتب القصاص» (2).
ولسوء سمعتهم وضعف مقولاتهم ومنقولاتهم في التفسير يكتفي بعض المفسرين للحكم ببطلان بعض الأقوال والروايات التفسيرية بأنها مما أتى به القصاص:
1 - ففي قوله تعالى: {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (3) ذكر ابن الجوزي ستة أقوال في معنى البرهان، ورجح آخرها، ثم قال: «وما تقدمه فليس بشيء، وإنما--------------------------------------------
(1) هو محمد بن علي الشوكاني الصنعاني، ولد بصنعاء ونشأ بها على المذهب الزيدي، ثم ترك التقليد وصار مجتهداً، زادت تصانيفه على المائة، منها: نيل الأوطار، وفتح القدير، وإرشاد الفحول، توفي سنة (1250).
انظر: البدر الطالع لصاحب الترجمة (2/ 214)، وفهرس الفهارس (2/ 1082)، والأعلام (6/ 298).
(2) فتح القدير (2/ 27).
(3) سورة يوسف من الآية (24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)