أولاً
الرجال المنتقدون في التفسير
وترتيبهم حسب تاريخ وفاتهم، وهم:
أولاً: مجاهد بن جبر المكي.
وجملة ما انتقد به رحمه الله أمران:
الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب، فقد قيل للأعمش رحمه الله: «ما بالهم يتقون تفسير مجاهد؟ ، فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب» (1).
والأعمش من أهل الكوفة، فقوله: كانوا يرون، يريد بهم - والله أعلم - أهل الكوفة، وأما مجاهد فمن أهل مكة، وقد عرفوا برواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، اعتماداً على الأدلة المرخصة في التحديث عن بني إسرائيل، واعتقاداً منهم بأن تلاميذهم وطلاب العلم في وقتهم سوف يتعاملون مع تلك المرويات وفق الضوابط الشرعية؛ هذا بوجه عام موقف المكيين من رواية الإسرائيليات.
وأما مجاهد فإنه إذا قورن بغيره من مفسري أهل مكة وجد أنه من أكثرهم--------------------------------------------
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 344)، وتاريخ دمشق (57/ 29)، وتهذيب التهذيب (4/ 26).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
رواية عن بني إسرائيل (1)، ولذا جاء عنه روايات إسرائيلية غريبة جداً، وكان رحمه الله شغوفاً بمعرفة الغرائب والعجائب، فلا يسمع بغريبة إلا ذهب إليها.
يقول الأعمش: «كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب لينظر إليها، ذهب إلى حضرموت ليرى بئر برهوت … » (2).
وقد استتبع ذلك الشغف حبه للسفر، فكان كثير الأسفار والتنقل بين البلاد (3).
لأجل ما تقدم روى مجاهد رحمه الله بعض الإسرائيليات الغريبة، ومنها:
1 - قوله: «مر نوح عليه السلام بالأسد وهو في السفينة، فضربه برجله، فخمشه الأسد، فبات ساهراً، فبكى نوح من ذلك، فأوحي إليه: إنك ظلمته؛ وإني لا أحب الظلم» (4).
2 - وقوله عن النملة التي كلمت سليمان عليه السلام: «إنها كانت مثل الذئب العظيم» (5).--------------------------------------------
(1) انظر تفسير التابعين (1/ 558).
(2) حلية الأولياء (3/ 288)، وتذكرة الحفاظ (1/ 92).
(3) سير أعلام النبلاء (4/ 452).
(4) حلية الأولياء (3/ 289 - 290)، والدر المنثور (3/ 329)، وانظر الكامل لابن عدي (2/ 401).
(5) حلية الأولياء (3/ 300).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
3 - وفي قول الله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} (1) قال رحمه الله: «أقبلت السكينة والصرد (2) وجبريل مع إبراهيم من الشام».
وفي رواية عنه: «السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان».
وفي رواية ثالثة: «لها جناحان وذنب مثل ذنب الهرة» (3).
فهذه الروايات الإسرائيلية الغريبة ونحوها قدم بها الكوفة (4)، وكان يرويها ويفسر القرآن بها بناءً على منهجه في التعامل معها، غير أن هذا الصنيع لم يعجب بعض الكوفيين فتجنبوا تفسيره، وقد عرف أهل الكوفة بتوقي الإسرائيليات والبعد عنها، ولعلهم ورثوا ذلك عن إمامهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد كان شديد الانتقاد لمن يسأل أهل الكتاب، وكان يقول: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فتكذبوا بحق وتصدقوا الباطل»، وكان شديد الإنكار لما يأتي به كعب الأحبار.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (248).
(2) الصرد بضم الصاد وفتح الراء: طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر ويصطاد العصافير، نصفه أبيض ونصفه أسود، انظر: لسان العرب (4/ 2428)، وتاج العروس (2/ 396) مادة " صرد ".
(3) جامع البيان (4/ 469)، وانظر آثاراً أخرى عنه في (8/ 291، 20/ 73، 89).
(4) قال الذهبي في تاريخ الإسلام حوادث سنة (101 - 120 ص 237): «سكن الكوفة بأخرة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
وكان رضي الله عنه يربي أتباعه على البعد عن كتب أهل الكتاب والاستغناء بالقرآن الكريم، ومن ذلك قصته مع علقمة والأسود (1).
فإذا جمعنا هذه الأمور إلى بعضها تبين السبب الذي من أجله احترز بعض الكوفيين من تفسير مجاهد رحمه الله.
الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي، فقد روى ابنه أنه قيل له: «أنت الذي تفسر القرآن برأيك! فبكى، ثم قال: إني إذاً لجريء! ، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» (2).
ويستفاد من هذا النص أن مجاهداً عرف بالأخذ بالرأي، وقد عده ابن قتيبة من أسهل أهل العراق أخذاً بالرأي والقياس (3).
وورد عنه صراحةً ما يدل لذلك، فكان يقول: «إن أفضل العبادة الرأي الحسن» (4).
ومما جاء في عنايته بالرأي قوله: «كان لي صديق من قريش، فقلت له: هل--------------------------------------------
(1) انظر ما تقدم (ص 273).
(2) رواه بسنده أبو الليث السمرقندي في بحر العلوم (1/ 73).
(3) تأويل مختلف الحديث (ص 74).
(4) الإيمان لابن أبي شيبة (ص 27)، وتأويل مختلف الحديث (ص 74)، والإبانة لابن بطة "الإيمان" (1/ 348)، وحلية الأولياء (3/ 293).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
لك أن تجلو، فأواضعك الرأي (1)، فأنظر أين يقع رأيي من رأيك، ورأيك من رأيي؟ ، قال القرشي: مه! دعِ الود على حاله، فغلبني القرشي» (2).
ويبدو أن من انتقد مجاهداً وأشاع عنه الأخذ بالرأي في تفسير القرآن ممن يتورع عن تفسير القرآن بالرأي مطلقاً، وهذا حال كثير من أهل زمانه، وقد مضى ذكر شيء من حالهم.
والمطالع لتفسير مجاهد يجد فيه أقوالاً غريبة مصدرها الرأي، ومن أمثلة ذلك:
1 - في قول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (3) قال رحمه الله: «مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم؛ { … كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}» (4).
تعقبه ابن جرير بقوله: «وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل--------------------------------------------
(1) في القاموس المحيط (ص 997) مادة " وضع ": «هلم أواضعك الرأي: أطلعك على رأيي، وتطلعني على رأيك».
(2) تاريخ دمشق (57/ 38).
(3) سورة البقرة آية (65).
(4) سورة الجمعة من الآية (5)، والأثر في جامع البيان (2/ 65)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 133)، وعزاه في الدر المنثور (1/ 75) إلى ابن المنذر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
عليه كتاب الله مخالف»، ثم أخذ يبين وجه بطلانه (1).
وقال ابن كثير: «وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره» (2).
2 - وفي قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (3) روى عنه منصور (4) أنه قال رحمه الله: «تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء» (5).
قال ابن عبد البر: «قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه--------------------------------------------
(1) جامع البيان (2/ 65).
(2) تفسير القرآن العظيم (1/ 151).
(3) سورة القيامة الآيتان (22، 23).
(4) هو ابن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي الكوفي، روى عن أبي وائل والحسن البصري وابن جبير، وعنه أيوب والأعمش، ثقة من أثبت أهل الكوفة، أكره على القضاء، وتوفي عام (132).
انظر: التاريخ الكبير (4/ 1/347)، وتذكرة الحفاظ (1/ 142)، وتهذيب التهذيب (4/ 159).
(5) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (23/ 508 - 509) عن سفيان عن منصور عن مجاهد، وقال ابن حجر في فتح الباري (13/ 425): «وأخرج [يعني عبد بن حميد] بسند صحيح عن مجاهد: ناظرة تنظر الثواب، وعن أبي صالح نحوه»، ورواية أبي صالح أخرجها الطبري في جامع البيان (23/ 509)، وقال الشوكاني في فتح القدير (5/ 338): «وروي نحوه عن عكرمة، وقيل: لا يصح هذا إلا عن مجاهد وحده».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم بين أن مجاهداً وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن قوله هذا مهجور عند العلماء مرغوب عنه (1).
وقال ابن كثير: «أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (2)؟ ، قال الشافعي رحمه الله: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل، ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة» (3).
وهذا القول مع ثبوته عن مجاهد، فقد ثبت عنه أنه فسر الآية بالنظر إلى وجه الله تعالى، فروى عنه منصور أنه قال في الآية: «نظرت إلى ربها ناظرة».
وعنه قال: «{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} حسنة، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تنظر إلى ربها تبارك وتعالى» (4)، فلعل مجاهداً لم تبلغه الأخبار في الرؤية، فقال بالقول الأول، فلما بلغته رجع عنه (5).--------------------------------------------
(1) التمهيد (7/ 157).
(2) سورة المطففين آية (15).
(3) تفسير القرآن العظيم (8/ 305 - 306)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (8/ 6899 - 6900)، وفتح القدير (5/ 338).
(4) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 465).
(5) انظر الفصل لابن حزم (3/ 2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
3 - ومما توسع فيه مجاهد بالرأي ما ورد عنه في تفسير قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} (1) حيث أنكر أن تكون المائدة أنزلت عليهم، وقال: «مثل ضُرب؛ لم ينزل عليهم شيء» (2).
وقوله خلاف ما عليه جمهور المفسرين من أنها أنزلت حقيقة (3).
يقول الذهبي عن مجاهد: «ولمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تستنكر» (4).
ويرى مجاهد أن هذه الآراء ونحوها داخلة ضمن القدر المسموح به من الرأي، وهو عندما جعل الرأي أفضل العبادة - كما تقدم - قيده بالرأي الحسن، ومفهومه لديه أن من الرأي ما هو سيء مذموم، وهو الرأي الصادر عن الهوى والابتداع، وكان رحمه الله شديد النفور منه، ويقول فيه: «ما أدري أي النعمتين أعظم علي؟ ! أن هداني إلى الإسلام، أو جنبني الأهواء» (5).
وعن حميد الأعرج (6) قال: «صليت إلى جنب رجل يتهم بالقدرية، فلقيت--------------------------------------------
(1) سورة المائدة من الآية (114).
(2) جامع البيان (9/ 130).
(3) انظر: زاد المسير (2/ 459)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 2366)، وفتح القدير (2/ 93).
(4) سير أعلام النبلاء (4/ 455).
(5) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص 304)، وحلية الأولياء (3/ 293)، وتاريخ دمشق (57/ 39).
(6) هو أبو صفوان حميد بن قيس المكي القارئ، عرض على مجاهد القرآن ثلاث مرات، روى عن الزهري وابن المنكدر، وعنه السفيانان ومالك، ووثقه غير واحد وحديثه في الكتب الستة، توفي عام (130).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 357)، وغاية النهاية (1/ 265)، وتهذيب التهذيب (1/ 497).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
مجاهداً فأعرض عني، فقلت له، فقال: ألم أرك صليت إلى جنب فلان؟ ! ، قلت: إنما ضمتني وإياه الصلاة» (1).
وكان ينهى عن مجالسة أهل الأهواء (2)، ومما يؤكد ذلك أنه لما قيل له: إنك تفسر القرآن برأيك، استبشع ذلك ونفر منه.
ومع وضوح منهج مجاهد رحمه الله من الأهواء والبدع، ونفرته من الآراء المذمومة إلا أن بعض المستشرقين استغل ما انتقد به وأشيع عنه، وحمله فوق ما يحتمل، فنسب مجاهداً إلى البدعة والهوى، مثل جولد تسيهر (3)
الذي زعم بأن الآراء التي أشرنا إليها كانت نواة مذهب المعتزلة (4).--------------------------------------------
(1) الإبانة لابن بطة " القدر" (2/ 207).
(2) الإبانة لابن بطة " الإيمان " (2/ 443)، وكتاب ما جاء في البدع لابن وضاح (ص 111).
(3) هو إجناس جولد تسيهر، مستشرق يهودي مجري، تعلم في بودا بست وبرلين، وسافر إلى مصر وسوريا، وله عدة مؤلفات عن الإسلام بعدة لغات ترجم بعضها إلى العربية، توفي سنة (1921 م).
انظر الأعلام للزركلي (1/ 84).
(4) مذاهب التفسير الإسلامي (ص 129 - 133)، وانظر آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره، د. رضوان (2/ 740 - 743). والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، ومذهبهم قائم على نفي الصفات عن الله تعالى، وأن العبد يخلق فعله: خيره وشره، والفاسق عندهم بمنزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، كما قالوا باستحالة رؤية الله بالأبصار، وهم فرق، منها: الواصلية، والهذيلية، والنظامية، والبشرية، والمعمرية.
انظر: مقالات الإسلاميين (ص 155)، والفرق بين الفرق (ص 24، 114)، والملل والنحل (1/ 43).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
وبالجملة فالنقد لمجاهد سواء في تفسير القرآن بالإسرائيليات أو بالرأي لم يصل إلى درجة الطعن في صدقه، أو القدح في عدالته، وإنما في شيء يرى أن فيه سعة، وما أخطأ فيه من المسائل قليل مغمور في كثير صوابه رحمه الله (1).
وإمامة مجاهد في التفسير، وعدالته وتثبته في رواية الأحاديث، وأخذه التفسير عن شيخه حبر الأمة وملازمته له، وحكايته عن نفسه أن القرآن استغرق علمه (2) من الأمور المشهورة عنه، وهي ترفع من قدره ومكانته في هذا العلم، وتجعله في مصاف كبار مفسري التابعين، وهذا الذي استقر عليه رأي العلماء وأجمعت عليه كلمتهم:
فتقدم قول قتادة رحمه الله: «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» (3).--------------------------------------------
(1) انظر التفسير والمفسرون (1/ 105).
(2) المعرفة والتاريخ (1/ 712).
(3) تذكرة الحفاظ (1/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
وقول خصيف: إن مجاهداً أعلم أصحاب ابن عباس بالتفسير (1).
ويقول سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (2).
وقيل لشريك (3): «أي الرجلين كان أعلم بالتفسير مجاهد أو سعيد بن جبير؟ ، قال: كان مجاهد» (4).
ووصفه ابن تيمية بأنه كان آية في التفسير (5).
كما حكى الذهبي إجماع الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به (6)، وقال ابن كثير: «كان أعلم أهل زمانه بالتفسير» (7).
والدفاع عن مجاهد وإثبات مكانته في التفسير وعلو شأوه فيه ينبغي ألا--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (4/ 1/412)، وانظر الجرح والتعديل (4/ 1/319).
(2) جامع البيان (1/ 85).
(3) هو القاضي أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، روى عن الأعمش وهشام بن عروة، وتغير حفظه في آخر أمره، قال الذهبي: «حديثه من أقسام الحسن»، توفي عام (177) وله (82) سنة.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 263)، وتذكرة الحفاظ (1/ 232)، وتهذيب التهذيب (2/ 164).
(4) فضائل الصحابة لأحمد (2/ 958).
(5) مجموع الفتاوى (13/ 368).
(6) ميزان الاعتدال (4/ 360).
(7) البداية والنهاية (13/ 6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
يصرف القارئ عما كان عليه بعض تابعي الكوفة من التوقي والحذر في نقل التفسير؛ خوفاً من الوقوع في الرواية عن بني إسرائيل، وكيف أن بعضهم كان على وعي تام، وفطنة كبيرة في الرواية عن الآخرين، والانتقاء من أحاديث العالم ومروياته.
ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس.
انتقد تفسيره للقرآن سعيد بن المسيب، فعن عمرو بن مرة قال: «سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء؛ يعني عكرمة» (1).
ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:
الاحتمال الأول: أن سعيداً قال ذلك لمّا رأى توسع عكرمة في تفسير القرآن وجرأته على القول فيه، فإن عكرمة عرف بالإكثار من التفسير، وكان يقول: «لقد فسرت ما بين اللوحين» (2).
وأما سعيد فعرف عنه الورع الشديد عن القول في القرآن، فكان لا يتكلم--------------------------------------------
(1) فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 213)، ومصنف ابن أبي شيبة (10/ 511)، وجامع البيان (1/ 81)، والضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 374).
(2) حلية الأولياء (3/ 327).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
إلا في المعلوم من القرآن (1)، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن، قال: «إنا لا نقول في القرآن شيئاً» (2)، ومن كانت هذه حاله إذا رأى غيره يقدم على التفسير يستنكر ذلك ولا بد.
ويؤيد هذا الاحتمال ما جاء في بعض الروايات عن عمرو بن مرة قال: «سألت سعيد بن المسيب عن تفسير آية من كتاب الله، فقال: ما أنا بجريء عليه، ولكن دونك من يزعم أنه لا يخفى عليه منه حرف؛ يُعَرِّض بعكرمة» (3).
الاحتمال الثاني: أن ابن المسيب يشكك في مصداقية عكرمة كما يشعر به قوله: «سل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء»، وقد ورد عنه صراحة تكذيب عكرمة، فكان يقول لغلامه برد (4): «لا تكذب علي، كما يكذب عكرمة على ابن عباس» (5).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (1/ 80).
(2) الجامع لابن وهب (2/ 63)، وفضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 212)، وجامع البيان (1/ 79)، وانظر التفسير والمفسرون (1/ 107).
(3) الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 374).
(4) له ترجمة مختصرة في التاريخ الكبير (1/ 2/134)، والثقات لابن حبان (6/ 114)، ولسان الميزان (2/ 10).
(5) العلل لأحمد (2/ 71)، والمعرفة والتاريخ (2/ 5)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 156)، وجاء عن ابن عمر أنه قاله لنافع، ولم يصححه الذهبي في ميزان الاعتدال (4/ 17)، ولا ابن حجر في هدي الساري (ص 427)، وفي العلل لأحمد (2/ 70 - 71) عن إسحاق بن الطباع قال: «سألت مالك بن أنس قلت: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع: لا تكذبن علي كما كذب عكرمة على ابن عباس؟ ، قال: لا، ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
وعن عطاء الخراساني (1) قال: «قلت لابن المسيب: إن عكرمة يزعم أن رسول الله تزوج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثان، اذهب إليه فسبه، سأحدثك، قدم رسول الله وهو محرم، فلما حل تزوجها» (2).
وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:
1 - فعن عبد الله بن عثمان بن خثيم (3) قال: «سألت عكرمة عن {وَالنَّخْلَ--------------------------------------------
(1) هو عطاء بن أبي مسلم الخرساني البلخي، مولى المهلب بن أبي صفرة، يكنى أبا عثمان، ولد سنة (50)، حديثه عن ابن عباس مرسل، وسمع ابن المسيب وابن جبير، وروى عنه شعبة ومالك، وخرج له مسلم وأصحاب السنن، توفي سنة (135).
انظر: التاريخ الكبير (3/ 2/474)، وسير أعلام النبلاء (6/ 140)، وتهذيب التهذيب (3/ 108).
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 96)، والضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 374)، ووافق ابنُ عباس عكرمةَ في أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، وقد اعتذر سعيد بن المسيب لابن عباس، وقال: «وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم»، انظر سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج (2/ 169).
(3) القاريّ المكي، يكنى أبا عثمان، روى عن أبي الطفيل ومجاهد، وعنه السفيانان وابن جريج، توفي قبل سنة (144).
انظر: التاريخ الكبير (3/ 1/146)، والثقات لابن حبان (5/ 35)، وتهذيب التهذيب (2/ 383).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
بَاسِقَاتٍ} (1) فقلت: ما بسوقها؟ ، قال: بسوقها طلعها، ألم تر أنه يقال للشاة إذا حان ولادها بسقت؟ ، قال: فرجعت إلى سعيد بن جبير، فقلت له: فقال: كذب، بسوقها طولها في كلام العرب» (2).
2 - وذكر لسعيد بن جبير أن عكرمة كره إجارة الأرض، فقال: «كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: إن أمثل ما أنتم صانعون استئجار الأرض البيضاء؛ سنةٌ، سنة» (3).
3 - وكذبه مجاهد بن جبر (4)، وقال للقاسم بن أبي بزة: «سل عنها عكرمة: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} (5)، فسأله فقال: الإخصاء، قال مجاهد: ما له، لعنه الله! ، فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء، ثم قال: سله، قال القاسم: فسألته، فقال: ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} (6)؟ ، قال: لدين الله، فحدثت به مجاهداً، فقال: ما له أخزاه--------------------------------------------
(1) سورة ق من الآية (10).
(2) الدر المنثور (6/ 102)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر، وهو في تاريخ دمشق (41/ 112 - 113)، وسير أعلام النبلاء (5/ 24).
(3) الكامل لابن عدي (1/ 128)، وتاريخ دمشق (41/ 113).
(4) المغني في الضعفاء (2/ 67).
(5) سورة النساء من الآية (119).
(6) سورة الروم من الآية (30).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
الله؟ ! » (1).
وفي رواية أنه لما قيل له تفسير عكرمة بأنه الإخصاء قال: «كذب العبد» (2).
4 - وسئل محمد بن سيرين عن عكرمة، فقال: «ما يسوءني أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب» (3).
5 - وعن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: «إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين، وإن دخلت الغائط» (4).
وتهمة الكذب هي إحدى تهم ثلاث اتهم بها عكرمة رحمه الله يطول الكلام بذكرها والجواب عنها (5).
والذي يعنينا هنا اتهام ابن المسيب لعكرمة في التفسير، فإنه كان قاسي الرأي في عكرمة، وكان يقع بينهما بعض المشادات الكلامية، فعن أيوب قال: «سأل رجل ابن المسيب عن رجل نذر نذراً لا ينبغي له - ذكر أنه معصية - فأمره أن--------------------------------------------
(1) جامع البيان (7/ 495)، وانظر تفسير عبد الرزاق (1/ 167 - 168).
(2) جامع البيان (7/ 498).
(3) الكامل لابن عدي (1/ 132، 6/ 470).
(4) المصدر السابق (1/ 129، 6/ 469).
(5) وفصل فيها القول ابن حجر في هدي الساري (ص 425) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
يوفيه، قال: ثم سأل الرجل عكرمة، فأمره أن يكفر يمينه ولا يوفي نذره، قال: فرجع الرجل إلى ابن المسيب، فأخبره بقول عكرمة، فقال ابن المسيب: لينتهين عكرمة أو ليوجعن ظهره، فرجع الرجل إلى عكرمة فأخبره، فقال له عكرمة: أما إذا بلغتني فبلغه؛ أما هو فقد ضربت الأمراء ظهره، أوقفوه في تُبَّان من شعر، وسله عن نذرك: أطاعة هو لله أم معصية؟ ، فإن قال: هو معصية، فقد أمرك بمعصية الله، وإن قال: هو طاعة لله، فقد كذب على الله حين زعم أن معصية الله طاعة» (1).
وعن محمد بن عبد الله بن أبي مريم (2)
قال: «بعت تمراً من التمارين سبعة آصع بدرهم، فصار لي على رجل منهم، فوجدت عند بعضهم تمراً يبيعه أربعة آصع بدرهم، فسألت عكرمة، فقال: لا باس عليك، تأخذ أقل مما بعت، فلقيت سعيد بن المسيب، فأخبرته بقول عكرمة، فقال: كذب عبد ابن عباس، ما بعت مما--------------------------------------------
(1) مصنف عبد الرزاق (8/ 438 - 439)، وفي الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 214) أن ابن المسيب قال: «لا ينتهي عبد ابن عباس حتى يلقى في عنقه حبل ويطاف به، فجاء الرجل إلى عكرمة، فأخبره، فقال له عكرمة: أنت رجل سوء»، وانظر: المعرفة والتاريخ (2/ 11)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 156).
(2) الخزاعي مولاهم المدني، روى عنه يحيى القطان ومالك، وذكره الذهبي في الطبقة الخامسة عشرة ما بين عامي (141 - 150).
انظر: التاريخ الكبير (1/ 1/139)، والثقات لابن حبان (7/ 419)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (141 - 160 ص 275).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
يكال فلا تأخذ مما يكال إلا التمر، فقلت: فإن فضل لي عنده الكسر؟ ، قال: فأعطه أنت الكسر، وخذ منه الدرهم، قال: فرجعت، فإذا عكرمة يطلبني، فقال: إن الذي قلت لك: هو حلال؛ هو حرام» (1).
وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:
1 - عدم صحة قول سعيد لمولاه: «لا تكذب علي، كما يكذب عكرمة على ابن عباس»، وقد نص على ذلك ابن حجر وغيره.
2 - ما ورد في الروايات الأخرى التي كذب فيها ابن المسيب عكرمة محمولة على التكذيب في وقائع خاصة تكلم فيها عكرمة فكذبه فيها، ولا يراد به العموم، وهذا الاحتمال ظاهر في تكذيب ابن جبير ومجاهد وعطاء (2).
ولذا يرد عن بعض من كذبه تصوبيه في مواطن أخرى، ومن ذلك أن مجاهداً بعث رجلاً إلى عكرمة يسأله عن قول الله لأيوب: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} (3)، فقال: قيل له: إن أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونون لي--------------------------------------------
(1) الكامل لابن عدي (1/ 127).
(2) انظر هدي الساري (ص 427).
(3) سورة الأنبياء من الآية (84).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
في الآخرة، وأوتي مثلهم في الدنيا، فرجع إلى مجاهد، فقال: أصاب (1).
بل إن سعيد بن جبير - وهو أحد من كذبه - لما قيل له: «تعلم أحداً أعلم منك؟ ، قال: نعم عكرمة» (2).
3 - أن قوله وقول غيره في الروايات السابقة كذب هو بمعنى: أخطأ، وليس المراد أنه يتعمد الإخبار بخلاف الواقع.
4 - أن تكذيب عكرمة لو صح عن ابن المسيب فهو مدفوع ومقابل بتوثيق الأئمة لعكرمة، وفيهم من هو أرفع منزلةً وأجل قدراً من ابن المسيب رحمه الله، فقد ثبت توثيق ابن عباس لتلميذه عكرمة وهو أدرى به من ابن المسيب، فعن عكرمة أنه قال لأبي أمامة رضي الله عنه: «يا أبا أمامة أذكرك الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ ، فقال أبو أمامة: نعم» (3).
وقد ذكر بعض العلماء أنه «عدله أمة من التابعين، منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكبير أحد من--------------------------------------------
(1) جامع البيان (16/ 365 - 366)، وانظر شواهد أخرى في (2/ 502، 18/ 386 - 387)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 230، 231).
(2) الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 374)، وتاريخ دمشق (41/ 87)، ووفيات الأعيان (3/ 265).
(3) تاريخ دمشق (41/ 82)، وتاريخ ابن معين (3/ 259)، والتمهيد (2/ 31)، وهدي الساري (ص 428).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
التابعين؛ على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه، ولم يستغن عن حديثه، وكان حديثه متلقى بالقبول قرناً بعد قرن إلى زمن الأئمة الذين اخرجوا الصحيح، على أن مسلماً كان أسوأهم رأياً فيه، وقد أخرج له مع ذلك مقروناً» (1).
وابن سيرين مع قدحه في عكرمة - كما تقدم - يروي عنه وإن لم يسمه، فكان يقول: نبئت عن ابن عباس (2).
وقد أخرج له البخاري في صحيحه، ولكثرة من عدله حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك (3).
أما مقامه في تفسير القرآن فقد أثنى كثير من العلماء على تقدمه فيه:
فالشعبي مع ورعه الشديد عن التفسير يقول عنه: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله تعالى من عكرمة» (4).
والحسن مع إمامته ترك كثيراً من تفسير القرآن حين قدم عكرمة البصرة كما حكاه أيوب وابن عيينة (5).--------------------------------------------
(1) هدي الساري (ص 429 - 430)، ونقله عن ابن منده.
(2) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 215).
(3) تهذيب التهذيب (3/ 138).
(4) حلية الأولياء (3/ 326).
(5) العلل لأحمد (1/ 164)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2747)، والكامل لابن عدي (6/ 473)، وتاريخ دمشق (41/ 91).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)