مصطلح (التوحيد)، ثم (الشريعة).
يليهما مصطلح (العقيدة)، و (أصول الدين).
فالمؤلفون من سلفنا الصالح في هذه القرون كلهم ذكروا في مؤلفاتهم تنبيهاتهم عن الوقوع في الشرك سواء كان في شرك التعطيل في أسماء الباري تعالى وصفاته أو كان في أفعاله سبحانه وتعالى؛ حيث صدر منهم التحذير عن الجهمية والقدرية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والاتحادية وغيرهم.
كما ألف في أثناء ذلك كتب الردود على بعض الفرق الضالة، ككتاب الرد على الجهمية للدارمي، وكتاب الرد على بشر المريسي العنيد له، وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وغيرها من الكتب للمحدثين المشهورين، كما صدر التحذير عن بعض الفرق التي خرجت عن شريعة الإسلام بغلوهم وتجاوزهم وإفراطهم، كلها تعتبر من جهود سلف هذه الأمة ضد شرك التعطيل بأنواعه.
وأما جهود العلماء ضد شرك الأنداد في الربوبية وضد شرك العبادة والمعاملة فيتمثل في بيان تنبيهات العلماء السابقين الذين صنفوا في العقيدة والشريعة مثلاً، فما من كتاب من كتب الفقه من مذاهب الأئمة الأربعة إلا وفيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 679)
الباب الرابع مظاهر الشرك في العصر الحديث
وتحته فصول:
الفصل الأول: في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية.
الفصل الثاني: في بيان الشرك الذي يتعلق بالألوهية.
الفصل الثالث: في بيان وجوب الإخلاص والتحذير من الشرك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 681)
الفصل الأول في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل.
المبحث الثاني: في بيان الشرك في الربوبية بالأنداد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 683)
المبحث الأول في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل
مدخل في بيان وجه دخول التعطيل في الشرك:
لا شكأن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، فكما أن التوحيد يتناول إثبات الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، ويتناول عدم اتخاذ الأنداد في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، وعدم صرف نوع من العبادة لغير الله؛ إن الشرك يتناول إنكار الربوبية وإنكار الأسماء والصفات والأفعال، ويتناول اتخاذ الأنداد في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، وصرف نوع من العبادة لغير الله.
ومن هذا المنطلق نرى أن كثيرًا من أنواع وإن كان يبدو في أول وهلة أنها من أنواع الكفر، إلا أن من أمعن النظر في مدلولات التوحيد ومدلولات الشرك يتضح له أنها من أنواع الشرك. وليس في دخولها تحت مسمى الشرك أي تناقض بين الشرك والكفر، فإن الكفر خصال عديدة، والشرك ما هو إلا بعض تلك الخصال التي تضاد التوحيد. ثم أصل الشرك كما سبق بيانه إنما هو التشبيه، والمعطل قد شبه ربه بالمعدومات أو ـ على الصحيح ـ جعله من جملة المعدومات، فيصح أن يقال له: إنه مشرك بالله جل شأنه.
فإن قيل: إن الشرك لابد أن يكون بين شيئين بحيث يشرك أحدهما مع الآخر، يقال: إن الشرك بالتعطيل فيه أيضًا ما يشرك به، وهو إما بالاستكبار،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 685)
وإما بطلب النفس أن يكون شريكًا لله وذلك باتباع هواه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمة الله عليه ـ: (وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله، وكان مشركًا … بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود ـ مقصود القلب ـ بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك … ).
وقال ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ: (أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون … والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل … ).
وقال في موضع آخر:
واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ … كانا هما لا شك مصطحبان
أبدا فكل معطل هو مشرك … حتمًا وهذا واضح التبيان
فالعبد مضطر إلى من يكشف الـ … ـبلوى ويغني فاقة الإنسان
وإليه يصمد في الحوائج كلها … وإليه يفزع طالب الأمان
فإذا انتفت أوصافه وفعاله … وعلوه من فوق كل مكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 686)
فزع العباد إلى سواه وكان ذا … من جانب التعطيل والنكران
فمعطل الأوصاف ذاك معطل الـ … ـتوحيد حقًا ذان تعطيلان
قد عطلا بلسان كل الرسل من … نوح إلى المبعوث بالقرآن
والناس في هذا ثلاث طوائف … ما رابع أبدًا بذي إمكان
إحدى الطوائف مشرك بإلهه … فإذا عاه دعا إلهًا ثان
هذا وثاني هذه الأقسام … ذاك جاحد يدعو سوى الرحمن
هو جاحد للرب يدعو غيره … شركًا وتعطيلاً له قدمان
يقول الشارح لهذه الأبيات: (يثبت المؤلف في هذه الأبيان أن التعطيل ونفي الصفات أخو الإشراك وعبادة الأوثان، وأنهما مذ وجدا أخوان لا يفترقان، وأن أولهما وهو التعطيل مفض إلى الشرك ومقتض له، كما تقتضي العلة معلولها، فكل معطل وجاحد للصفات فهو مشرك عابد للطاغوت.
وذلك لأن العبد في هذه الحياة الدنيا عرضة لنوائب الخير والشر، وهو لا يستطيع أن يستقل بتحصيل الخير لنفسه ولا يدفع الشر عنها، فهو محتاج إلى من يدفع عنه ضره ويغنيه عن عيله، وإليه يقصد في كل حوائجه ليقضيها له، ويفزع من مخاوفه ليوفر له الأمان، فإذا نفينا صفات هذا الإله المقصود وأفعاله، ونفينا وجوده فوق عرشه لم يجده العباد أهلاً لأن يفزعوا إليه، بل لم يجدوه شيئًا؛ فيفزعون حينئذ إلى غيره، والذي جرهم إلى هذا الشرك هو التعطيل والإنكار.
فمن عطل أوصافه سبحانه فقد عطل توحيده، فهما تعطيلان قد بعث جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 687)
لإنكارهما وإبطالهما، والناس بالنسبة لهذا الأمر ثلاث فرق لا رابع لها.
فأما إحداها: فهو من يشرك بإلهه في العبادة فيدعو معه إلهًا آخر، وهو شرك أكثر المشركين، فإنهم يقرون بوجود الله وبأنه المنفرد بالربوبية في الخلق والرزق والتدبير والملك، ولكنهم يعبدون معه غيره.
وأما ثانيتهما: فهو من يجحد الرب جل شأنه فينكر وجوده وصفات كماله، فهذا لا يدعوه وإنما يدعو غيره، فهو قد جمع بين الشرك والتعطيل، واتخذ منهما قدمين يقوم عليهما كفره وإلحاده، وهذا شر الفريقين، فإن من يدعو مع الله غيره مع دعائه إياه أهون ممن لا يدعوه، بل يدعو سواه).
وقال ابن القيم بعد هذا:
فمعطل الأوصاف ذو شرك كذا … ذو الشرك فهو معطل الرحمن
أو بعض أوصاف الكمال له فحقق … ذا ولا تسرع إلى نكران
يقول الشارح: (فمعطل الأوصاف كلها أو بعضها فهو مشرك، وكذلك المشرك فهو معطل، فتأمل هذا الأمر جيدًا وتدبره، ولا تسرع إلى إنكار لعدم فهمك له).
ثم قال ابن القيم:
لكن أخو التعطيل شر من … أخي الإشراك بالمعقول والبرهان
إن المعطل جاحد للذات أو … لكمالها هذان تعطيلان
يقول الشارح: (وإذا كان التعطيل كما بيَّنا أخا للشرك وملازمًا له، فإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 688)
المعطل شر من المشرك وأسوأ منه عقيدة في ربه عز وجل. وليست هذه دعوى ثقال باللسان ولكنها مدعمة بالدليل والبرهان، إن التعطيل نوعان، أحدهما: جحد الذات وعدم الإقرار بوجودها، وهو تعطيل الدهرية الذين ينكرون الصانع ويقولون ما حكاه القرآن عنهم: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).
والثاني: تعطيل الذات عن صفات الكمال الثابتة لها، فهذا تعطيلان يتضمنان الطعن في حقيقة الألوهية والتنقيص من شأنها … ).
ولهذا لما تكلم ابن القيم في أنواع الشرك قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله) ـ إلى أن قال ـ: (والشرك الأول نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، … وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع عن كماله المقدس: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. والشرك الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل … ).
كما قال المقريزي: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته … أما الشرك الأول: فهو نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون … وهو ثلاثة أقسام: أحدها: تعطيل المصنوع عن صانعه. الثاني: تعطيل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 689)
الصانع عن كماله الثابت له. والثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ومن هذا شرك أهل الوحدة. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، … ومنه شرك معطلة الأسماء والصفات كالجهمية والقرامطة وغلاة المعتزلة.
النوع الثاني: شرك التمثيل: وهو شرك من جعل معه إلهًا آخر كالنصارى في المسيح، واليهود في عزير، والمجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وشرك القدرية المجوسية مختصر منه … ).
فعلمنا بهذا البيان: أن التعطيل شرك. وقد عده العلماء من شر أنواع الشرك، ونظرًا إلى جزئيات هذا الشرك ووجودها في العصر الحاضر فإنه سيكون الكلام عليها في المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل المصنوع عن صانعه.
المطلب الثاني: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.
المطلب الثالث: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب عليه من حقيقة التوحيد.
المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ومظاهر ذلك في هذه الأمة:
ذكرنا فيما سبق أن هذا النوع من الشرك لم يذهب إليه إلا شرذمة قليلة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 690)
من الناس من بني آدم قديمًا، وما كان إنكارهم لله وشركهم بالله في هذا الباب إلا مكابرة ومعاندة من غير حجة ولا برهان: (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون). وقد ذكرنا أشهر من عرف بهذا النوع من الشرك من بني آدم، ومن تأثر به من الجاهليين، فلم يكن يخطر ببال أحدٍ أن يوجد هذا النوع من الشرك في هذه الأمة مع وجود العلم الذي يدعو إلى الإيمان. ولكن مع الأسف قد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من أبناء المسلمين من هذه الأمة.
وسأذكر بعض الطوائف التي وجد فيها هذا النوع من الشرك في الفروع التالية:
الفرع الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه في الشيوعية:
وذلك، لأن من معتقداتهم: (إنكار وجود الله تعالى وكل المغيبات، والقول بأن المادة هي أساس كل شيء، وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الدين، الملكية الخالصة، ـ عليهم من الله ما يستحقون ـ).
مجمل شبهات الشيوعية والردود عليها:
إذا نظرنا إلى شبهات الشيوعية في الإلحاد نجدها ما يلي:
1 - القول بأزلية المادة أو الطبيعة وأبديتها، والأشياء باختلاف صورها إنما هي من نتاج المادة.
2 - القول بالتطور الذاتي أو النشوء الذاتي للمادة والحياة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 691)
3 - القول بالمصادفة.
فهذه الشبهات هي التي تلجأ إليها الشيوعية في محاولة الإلحاد بالله جل شأنه. وفيما يلي استعراض لشبهاتهم واستدلالاتهم عليها، مع الردود المقنعة عليها إن شاء الله.
الشبهة الأولى: القول بأزلية المادة وأبديتها:
وقبل أن ندخل في الردود عليهم يحسن بنا أن نذكر مقصودهم بالمادة، وصفاتها لديهم، حتى يتسنى لنا الردّ على وجه لا تبقى معه فجوة فيها.
تعريف المادة لدى لينين:
يعرف لينين المادة بقوله: (هي مقولة فلسفية تخدم في تعيين الواقع الموضوعي المعطى للإنسان في إحساساته التي تنسخه، تصوره، تعكسه، والموجود بصورة مستقلة عن الإحساسات).
وبناء على هذا التعريف الذي يعتبر المادة شاملة لجميع مفاهيم الأشياء كالورد والشجر، والبيت ونحوها ـ إذ كلها مفاهيم ـ تكتسب المادة خاصية السبق على الإدراك والتأثير فيه، وبما أن الفلسفة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ، أطلق على هذه الدراسة مقولة فلسفية، وبما أن المادة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ فهي إذن على هذا الأساس مقولة فلسفلية، ووظيفتها: تعيين الواقع الموضوعي؛ أي: الواقع المادّي الموجود خارج الإدراك، وهو المؤثر في أعضاء حواس الإنسان وإثارة إحساساته.
إذن: فالفكر انعكاس للمادة الواقعة على الدماغ، وهو يفكر في المادة التي تعكس عليه. وقبل انعكاس المادة على الدماغ لا يوجد فكر. فالمادة إذن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 692)
تسبق الفكر عنده.
بعد أن عرفنا المادة وأنها سابقة ـ حسب قولهم ـ في الوجود على الفكر، أذكر هنا رأيهم في أزلية المادة وأبديتها.
يقول الماديون: (وبالتالي فليس للكون نهاي ولا حدود، العالم أبدي وليس له أي (بداية) ولن يكون له أيّ (نهاية)، ومن هنا، فأيَّ عالم غيبي، غير مادي، غير موجود، ولا يمكن أن يوجد.
في واقع الأمر أنه إذا لم يوجد شيء غير المادة، فلا يوجد غير عالم مادّي واحد، وهذا يعني أنه عند وجود الأشياء والظواهر المختلفة في العالم المحيط بناء هناك خاصية واحدة توحدها، هي: ماديتها).
إذن، فلا يوجد شيء ـ على حدّ تعبيرهم ـ غير العالم المادي، ولا يمكن أن يوجد عالم روحي أو يوم آخر، كما جاءت به الأديان، فالإنسان، في نظرهم نتاج المادة فقط، فالمادة هي الخالقة، ولها خصائص الخالق، وليس هناك عالم غيبي، لأن العالم محصور فيما تدركه الحواس، ولم يكتفوا بإنكار وجود الله سبحانه وتعالى بل صرّحوا بأن الله من إبداع الإنسان، وأن المشكلة ليست هي مشكلة وجوده سبحانه، بل هي مشكلة فكرة وجوده.
إذن، مبدؤهم الذي ينطلقون منه: أن الله لا نفع فيه، وإثارة النقاش حول وجوده لا طائل تحته، إذ لديهم فكرة لا تتغير؛ وهي: أن ما وراء الكون المادي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 693)
وهمٌ وهُراءٌ.
فهذه المادة هي كل شيء، ترد بمعنى الطبيعة، كما أن الطبيعة ترد بمعنى المادة.
وأما قولهم بأبدية المادة فيعللون لها بقولهم: (إن في الطبيعة لا ينشأ شيء من لا شيء، ولا يختفي أبدًا بلا أثر، وإذا كان الأمر كذلك فإن المادة أو الطبيعة قد وجدت دائمًا، لأننا إذا سلمنا بأنه في وقت من الأوقات لم يكن هناك شيء في العالم، أي لم تكن توجد مادة، فمن أين لها أن تنشأ؟ ولكن ما أن توجد المادة فهذا يعني أنها لم تنشأ في أي وقت من الأوقات بل وجدت دائمًا، وستوجد دائمًا فهي أبدية وخالدة، ولهذا لم يمكن أن تخلق، فلا يمكن أن يخلق ما لا يمكن فناؤه، وبذلك المادة لم تنشأ أبدًا، بل وجدت دائمًا وستوجد دائمًا فهي أبدية).
إذن، فالمادة أبدية خالدة، لم تنشأ من العدم لأنه لا يمكن أن يخلق ما لا يمكن إفناؤه؛ ولهذا لا يجوز السؤال عن بداية المادة ونهايتها لأن آثارها واضحة ومشاهدة، والحركة كذلك محال خلقها وإفناؤها، لأنه صنعة المادة.
يقول انجلز: (المادة بدون حركة أمر غير معقول، بقدر ما هي الحركة بدون المادة، وإذن فالحركة محال خلقها وإفناؤها قدر ما هو محال ذلك بالنسبة للمادة نفسها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 694)
الردود على هذه الشبهة:
قبل البدء في الردّ عليهم أورد هنا الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية، فإن الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية التي نشأت منها الشيوعية هو حصر نطاق المعرفة في المادة وحدها.
وهذا الفكر وإن كان نشأ ونما في أوروبا فيما بعد القرن السابع عشر إلَاّ أنه قديم في البشرية قدم الآفات والانحرافات فيها، ويعتبر امتدادًا لفكرة هؤلاء الماديين أو الدهريين الذين أنكروا البعث قديمًا ونسبوا الموت للدهر بدلاً من الله … كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر).
كذلك أعداء الرسالات أغلبهم مادّيون، ولذلك تراهم يتطاولون بالمادة وينكرون البعث واليوم الآخر ويرون الجزاء للإنسان قاصرًا على متع الحياة الدنيا … يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).
كما يحكي القرآن مقالة الماديين لدى ظهور الإسلام: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 695)
الأنهار خلالها تفجيراً، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي الله والملائكة قبيلاً، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه).
وقد بين القرآن أن هذا الذي طلبه الماديون في شأن التصديق بالرسالة الخاتمة ليس غريباً ولا غير معهود في تاريخ البشرية، وإنما هو أمر تكرر على عهد الرسالات السابقة: (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا 2 يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)؛ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد.
(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً).
(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). فتشابهت قلوبهم. وقال متأخروهم بما قال به متقدموهم.
فالظاهرة العامة لهم هي الركون إلى المادة، وإنكار ما وراء المحسوس المشاهد. ولا يعرفون غيرها في مجال الإقناع والاقتناع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 696)
ولكنّ هناك فروقاً بين الإلحاد القديم والحديث. ومن أهمها ما يلي:
أولاً: أن الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله أصلاً ـ وهو أبرز ما في الاتجاه المادي الحديث عمومًا ـ لم يكن ظاهرة منتشرة متفشية في القديم، وإنما الذي كان شائعًا هو الشرك بمعنى منح خصائص الألوهية لغير الله عز وجل، وإشراك آلهة مزعومة معه سبحانه.
صحيح أن الملاحدة الدهرية كان لهم وجود منذ القدم ـ كما أشير من قبل ـ ولكن هؤلاء كانوا شرذمة قليلين مع اختلاف آرائهم في هذا الباب. فإنهم كانوا على طائفتين:
الأولى: الفلاسفة الدهرية الإلهية. القائلون بقدم العالم، وكان من مقدمتهم أرسطو، وأتباعه. فهؤلاء لم يكونوا يقولون: بأن المادة هي الخالقة، بل كانوا يثبتون للعالم علة يتشبه بها.
الثانية: الفلاسفة الدهرية الملاحدة أو الطبيعية. القائلون بما ذكر الله عنهم بقولهم: (مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) فهؤلاء يشبهون في بعض الجواني الشيوعيين في العصر الحاضر، وقد ردّ الله عليهم في هذا القول بقوله: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)؛ أي: (يتوهمون ويتخيلون). فقولهم هذا ما كان مستندًا إلى علم أو يقين بل كان عن ظن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 697)
وتخمين.
ولكن الشيوعية الحديثة وإن كانت تشبه أفكارهم في جانب الإلحاد معهم إلَاّ أنها تختلف معها في بعض الجوانب ـ كما يأتي ـ.
ثانياً: الإلحاد في هذا الزمن هو إنكار وجود الله أصلاً، انتشر في العصور الحديثة انتشارًا واسعًا في دول أوروبا بصورة ملفتة للنظر، وأصبح له حكومات تحرسه، ودول تحميه، بل لقد غزا بلاد الإسلام حتى قام في ربوعها ناعقون يرددون سفاهاته وينشرون ضلالاته.
ثالثاً: إن إلحاد هذا الزمان يضرب بسيف من العلم، ويزعم بأنه يقوم على سند من العلم وتأييد من البحث، وذلك أن الصفة التي تتصف بها المادية قديمًا وحديثًا هي أن الماديين يتصورون أن المادة حقائق محسوسة ملموسة وليست فروضاً وراء الحس … والنظرة العلمية في تصورهم هي ما تخضع للبحث التجريبي، وما لا يخضع للبحث التجريبي لا يسمّى علميًا في نظرهم، ومن ثم أبعدوا مفاهيم الدين والغيب من مجال البحث العلمي حيث لا يقوم عليها دليل عندهم. ووصل الأمر أن أصبح الدين في حسّ كثير من العلماء الأوروبيين مثلاً للخرافة، وصاروا يدفعون عقيدة الإيمان بالله بحجة أن العلم يأباها، … وشنوا حملة ضد الإيمان عامة وضدّ الإسلام خاصة … بل بلغ الأمر إلى أن أصبحت هذه الآراء والأفكار الملحدة تدرس في كثير من جامعات العالم الإسلامي تارة باسم الفلسفة، وتارة باسم الجيولوجية، وتارة باسم الاقتصاد الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 698)
وهذه النظرية يمكن إبطالها بما يلي:
1 - عدم استقرارهم على منهج معين. وذلك؛
أ- تراجعهم عن تعريف المادة:
سبق تعريف المادة كما عرفوها، وذلك ما قال به الشيوعية أخيرًا، حيث أعادوا صياغة تعريفها بقولهم: هي: (الوجود الموضوعي خارج الذهن). ولكن ماذا كانوا يقولون في تعريف المادة في أول أمرهم؟ كانوا يقولون: هي (كل ما تقع عليه الحواس)، وحصروا موادها في أمور أربعة؛ الماء والهواء والتراب والنار، وكان المادّي يخبط المائدة بيده أو يضرب الأرض بقدمه ويقول لمن يجادله: هذه هي الحقيقة التي ألمسها بيدي وقدمي أو أراها بعيني وأسمعها بأذني.
ثم توالت الاكتشافات العلمية، وشاعت العلوم التجريبية في القرنين الأخيرين، وشاعت معها قوانين الحركة والضوء وسائر القوانين التي عرفت بالقوانين الوضعية، فتجاوزت ما تقع عليه الحواس إلى عالم الذرة، فأعادوا صياغة تعريف المادة بأنها: (الوجود الموضوعي خارج الذهن).
ب- تراجعهم عن القول بأسبقية المادة على الفكر:
إن هؤلاء الشيوعيين كانوا في بداية أمرهم يقولون بأسبقية المادة على الفكر، وأرادوا بذلك إنكار المغيبات على أنها أفكار، والمادة سابقة لها، فلا يفكر فيها، بل الأصل هو المادة.
ولكنهم سرعان ما تراجعوا عن القول بأسبقية المادة في الوجود على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 699)
الفكر، يقول أصحاب أسس الماركسية اللينينية: (إن النشاط الذهني أو الفكر خاصة مميزة للمادة، ولكنها ليست شكلاً من أشكال المادة، وفي المسألة الأساسية في الفلسفة يطرح الفكر كضد للمادة والروح كضد للطبيعة، فالمادة هي أي شيء يوجد خارج العقل ولا يتوقف عليه، وبالتالي: من الخطأ الجسيم اعتبار الفكر جزءًا من المادة، وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادية المنحطة).
إذن، لقد وصف الشيوعيون أنفسهم الفكر المادي للقرن التاسع عشر الذي قامت الماركسية والشيوعية على أساسه والذي يسوي بين المادة والفكر، ويعتبر الفكر شكلاً متطوراً من أشكال المادة يعكس الوسط المادّي، وصفوا هذا القول بأنه من المفاهيم المنحطة.
إذن، هؤلاء على اضطراب تام في تفسير الفكر، فبعضهم اعتبروا من المادة، وبعضهم اعتبروا التوحيد بين المادة والفكر كلاماً منحطًا، فلنتساءل: ما هو الحق لديكم في هذا الباب؟ هل هما شيء واحد، أم بينهما انفصال؟ .
ج- تراجعهم عن القول بالمادة بأنها هي أصل كل شيء. وذلك؛
أنه لما جاء القرن العشرين وجاء معه تفجير الذرة فتحولت المادة إلى طاقة وفتح ذلك الباب إلى تعريفات جديدة للمادة، منها: أنها صورة مختلفة من الطاقة فحسب، وقال آخر منهم: إن المادة مركبة من بروتونات وإليكترونات، أي شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 700)
فلمّا تغير مفهوم المادة ورأوا عدم صحة القول بأنها هي وراء كل شيء، بل اكتشف أخيرًا أن المادة في نفسها طاقة تشكلت بوضع خاص فصارت مادة، قالوا: وماذا في الأمر؟ إن ما نقوله بالنسبة إلى المادة قد انتقل إلى الطاقة التي هي أصل المادة. هكذا قال لينين.
من العرض السابق لتعريف المادة وبيان أقوالهم حولها رأينا أن المادة التي قال بها الشيوعيون والماديون، وبنوا عليها مذهبهم قد تغير مفهومها تماماً، ولم يعد لها ذلك المفهوم السطحي الذي نشأت الشيوعية في ظلها. فالمادة في القرن العشرين تحولت إلى طاقة.
وقررت الحقائق العلمية أخيراً؛ أن الشيء الصلد الذي نلمسه فتراه ذا حجم ثابت ليس أكثر من شحنات كهربية وإلكترونية. بل العالم المادّي المكون من جبال وأنهار وأرض وأشجار ونحو ذلك مما تشهد به حواسنا، هو كتل من الإشعاعات الضوئية المتحركة.
وبهذا نكون قد قضينا على القول بأن المادة هي أصل كل شيء. وفيما يلي نقد أقوالهم في أزلية المادة وأبديتها.
2 - عدم وجود دليل قاطع على أزلية المادة وأبديتها:
فإن هؤلاء الملاحدة عندما يوجه إليهم السؤال ـ الذي يقوم عليه التحدي ـ من خلق المادة؟ فإنهم يجيبون: إن العلم أثبت أنها وجدت دائمًا منذ الأزل، فنحن نطرح عليهم سؤالاً لابدّ من إجابته لإثبات هذا المدعى، وهو:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 701)