وغيرهم، والمتصوفة الطرقية عمومًا.
فالحلاج هو القائل الأول بوحدة الوجود، وأما القائلون بالحلول والاتحاد فقد حاز السبق فيه أيضًا ابن سبأ وأتباعه، فقد وجد هذان الشيئان في الغالية من الرافضة قديمًا، وقد ذكر الأشعري والبغدادي والشهرستاني من ذلك شيئًا كثيرًا.
والمقصود: بيان أن هؤلاء أشركوا بالله جل وعلا بتعطيل حقيقة التوحيد، فمنهم من ادعى الألوهية لنفسه، ومنهم من ادعى الحلول، ومنهم من ادعى الاتحاد، كما أن فريقًا آخر منهم ادعى الوحدة، وهم أكفر وأشد تشريكًا بالله من اليهود والنصارى، فاليهود ـ مثلاً ـ قالوا بحلول الرب في ذات عزرا، وقالت النصارى بحلوله في ذات المسيح، ولكن هؤلاء قالوا بحلوله سبحانه في كل شيء حتى في أخبث الحيوانات وأنتن الأماكن والبقاعات.
فهذا استعراض مجمل لخط الانحراف العقدي الشركي في هذه الأمة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 659)
الربوبية التي تتضمن الشرك في الألوهية أيضًا ـ كما هو معلوم ـ بالتعطيل.
بداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في هذه الأمة:
لعل أول شرك في هذا الجانب هو شرك عبد الله بن سبأ اليهودي حيث أشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في الذات. حيث غلا في علي رضي الله عنه حتى زعم أنه إله، كما أنه هو الرائد في الإشراك بالله في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال؛ حيث زعم: أن عليًا له الحياة الدائمة المطلقة، وله العلم المحيط بكل شيء، وله القدرة الكاملة الشاملة على كل شيء، وأنه هو الذي يقوم بمحاسبة الناس يوم القيامة، ويأتي بالأمطار، وسينتقم من أعدائه، وغير هذه الاعتقادات الباطلة التي فيها شرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال.
وبهذا نستطيع أن نقول: إن بداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في الذات إنما كان من عبد الله بن سبأ اليهودي، وتبعه أغلب الروافض الغلاة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 660)
والإسماعيلية، والعبيدية، والقرامطة، والنصيرية، والدروز،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 661)
وغيرهم.
وأما الشرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال فقد كان السبق فيه أيضًا لابن سبأ اليهودي، وقد سبق بيانه، ويشترك كل من أشرك بالله في الربوبية بالأنداد في الذات في الشرك بالله بالأنداد في الصفات والأفعال؛ لأن كل من أثبت إلهًا من دون الله أعطى له من صفات الربوبية وأفعاله ما شاء وما أراد. ووقع في هذا النوع من الشرك كثير ممن لا يشرك بالله في ربوبيته في الأنداد في الذات، كالإمامية من الشيعة، والغلاة من المتصوفة في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض مشائخ التصوف وأساطينهم.
أما الرافضة فأصل البلاد عندهم في شرك الأنداد في الصفات والأفعال هو اتباعهم لابن سبأ اليهودي الزنديق الذي أراد أن يغير الدين الإسلامي الحنيف إلى دين اليهود والنصارى، فأحدثوا لهم أقوالاً من هذا النمط. وسيأتي تفصيل هذه المقولات فيما بعد إن شاء الله.
وأما الباطنية فهؤلاء تآمروا على هدم الدين من أساسه، فادعوا الند والشريك السابق، وله قرين، سموه بالتالي وهو الذي خلق السموات والأرضين وما فيهن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 662)
أما السبب في انتشار شرك الأنداد بين المتصوفة فهو: أنه قد ظهر أناس من المسلمين بمظهر التقشف، وكان أخطر هؤلاء الأعداء على الدهماء وأبعدهم غورًا في الإغواء: أناس ظهروا بأزياء الصالحين؛ بعيون دامعة كحيلة، ولحى مسرحة طويلة، وعمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، يحملون سبحات طويلة كبيرة الحبات، يتظاهرون بمظهر الدعوة إلى سنة سيد السادات مع انطوائهم على مخازٍ ورثوها عن الأديان الباطلة والنحل الآفلة، وكان في مكرهم الماكر أن خلطوا الكذب المباشر بالتزيد في تفسير مأثور، أو في فهم حديث صحيح، أو تأويله على مقتضى هواهم، أو الاستدلال بحديث مكذوب سواء كان قصدًا أو بغير قصد.
فهؤلاء غلوا في أنفسهم بادعاء أشياء واهية من التصرفات في الكون، والعلم بما في المكنون، والقدرة على تقليب الشيء الموزون، ثم لما هلك هؤلاء جاء أتباعهم فادعوا فيهم أكثر مما ادعوا لأنفسهم من ذكر الكرامات، طلباً لتقديس الشخصيات، اتباعًا لسنن الأمم السابقة في هذه المجالات، ونبين بعض هذه الأنواع من الشركيات بشيء من البسط والتفصيل فيما يأتي من العبارات.
بداية ظهور الشرك في الألوهية والعبادة:
لعل أصل حدوث الشرك في الألوهية والعبادة كان من قبل الشيعة على اختلاف فرقها، وطوائفها، ونحلها، فإن التشيع هو ملجأ كل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فما الباطنية بجميع شعبها ـ والإسماعيلية والقرامطة، والنصيرية والعبيدية والدرزية ـ إلا من فرقها، ومعروف: أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 663)
هؤلاء الباطنية كانوا مشركين بالله جل وعلا في ذاته وصفاته وأفعاله، ومشركين بالله جل وعلا في عبادته ومعاملته أيضًا، فهؤلاء جمعوا خبائث الأمم السابقة، وقالوا بالمجوسية المحضة، وجاهروا بترك الإسلام جملة، وهؤلاء كما كانوا يثبتون الشرك في الربوبية في الذات، ويثبتون الشرك في الربوبية في الصفات والأفعال، هكذا كانوا يعبدون القبور وأهلها، ويبنون عليها المساجد، والقباب، فأحيوا بذلك سنة اليهود والنصارى، فظهرت في هذه الأمة فرقة قبورية وثنية مشركة في صورة هؤلاء الروافض، الذين عمروا المشاهد وعطلوا المساجد.
فالإسماعيلية منهم ـ مثلاً ـ بثوا معتقداتهم بين الناس سرًا، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذت تظهر الاعتناء بالقبور وتشييد المزارات والمشاهد، وتحري الدعاء عندها، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء، ثم نقلهم إلى دعاء الأموات، ودعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن لهم تصرفًا في الكون، تدرج هذا في قرنين ونحوها.
قال أحد المعاصرين: (إن أقدم من وقفت عليه يُرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الإسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بنت عقائدها ورسائلها الخمسين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 664)
بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب، ولا مصنف وإن ظن ظنًا.
ثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت: الموسويون الملقبون بالاثني عشرية). وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة، إلى أئمة أهل البيت رضي الله عنهم، وقد طالعت كتاب (الزيارات الكاملة) لابن قولويه فرأيت فيه من هذا شيئًا كثيرًا.
ومن طالع تراث الإسماعيليين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلته ماثلاً أمامه، فإن فتنة الناس بالقبور واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت هذه الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سرًا من عقائدها.
جاء في الرسالة الثانية والأربعين من رسائل إخوان الصفا ما يبين هذا، ويبرهن له، فقد قال مؤلفوا الرسائل:
(وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي عليه الصلاة والسلام والتحيات والرضوان ـ كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 665)
بالتعظيم لها والسجود والاستسلام والبخورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك يكون قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز، ولا حسًّا ولا صورة ولا حركة، فأرشدهم الله، ودلهم على ما هو أهدى وأقوم وأولى مما كانوا فيه، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا بشرًا فهم أحياء ناطقون مميزون علماء، مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني عنك شيئًا …
ثم اعلم يا أخي: أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم ومساجدهم ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم ويتأتى لهم ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم.
فإن من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله، وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته: فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم، والتعلق بسننهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكر آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله وزلفى لديه.
ثم اعلم أن حال من يعبد شيئًا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 666)
أصلح حالاً ممن لا يدين شيئًا ولا يتقرب إلى الله ألبتة … ).
وهذه الجماعة الباطنية كانت نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك أوساط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة، فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفّروا أصحابها.
كما قال ابن عقيل في القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية، قال: (لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا من أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد السرج وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى … ).
فعلمنا بهذا الحديث الطويل أن الشرك في القبور في هذه الأمة إنما هو من معتقدات الباطنية في هذه الأمة، ولم يكن هذا فاشيًا قبل ظهورهم. هذا من ناحية …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 667)
ومن ناحية أخرى: أنه عربت كتب الفلاسفة اليونانية القبورية الوثنية، وعكف عليها كثير ممن تفلسفوا في الإسلام، أمثال الفارابي الكافر، وابن سينا الحنفي القرمطي، ونصير الكفر والشرك الطوسي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 668)
وغيرهم ممن لعبوا بالإسلام كما لعب بولس بالنصرانية.
فتأثروا بآرائهم الفلسفية، ومنها العقائد القبورية، فصاروا دعاة القبورية الوثنية بتفلسفهم.
وسايرهم كثير من المتكلمين من الماتريدية الحنفية، والأشعرية الكلابية، بسبب العكوف على كتبهم الفلسفية، فتأثروا بعقائدهم القبورية، حتى صاروا دعاة إلى القبورية الدهمية في آن واحد ـ كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ.
فهذه نبذة من تاريخ حدوث الشرك في العبادة والألوهية في هذه الأمة، وإنما حدث بعد هذا عندما ذهب أصحاب القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 669)
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (قد جاءت خلافة بني العباس. وظهر في أثنائها من المشاهد بالعراق وغير العراق ما كان كثير منها كذبًا، وكانوا عند مقتل الحسين بكربلاء قد بنوا هناك مشهداً، وكان ينتابه أمراء عظماء، حتى أنكر عليهم الأئمة، وحتى إن المتوكل لما تقدموا له بأشياء يقال إنه بالغ في إنكار ذلك وزاد على الواجب.
دَع خلافة بني العباس في أوائلها، وفي حال استقامتها، فإنهم حينئذ لم يكونوا يعظمون المشاهد، سواء منها ما كان صدقًا أو كذبًا كما حدث فيها بعد؛ لأن الإسلام كان حينئذ ما يزال في قوته وعنفوانه، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام … بل عامة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك.
وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرقت الأمة، وكثير فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة، فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب. ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر … ).
وبعد أن علمنا مصدر الشرك في العبادة في هذه الأمة، سنتطرق فيما يلي:
كيف خفي هذا الشرك في هذه الأمة حتى وقع فيه من هو معروف بالعلم والفضل؟ وكيف كان دور علماء سلف هذه الأمة في مواجهة جميع أنواع الشرك؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 670)
المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك
لقد صدق الرسول الأمين الحريص على حفظ إيمان المؤمنين حينما قال: ((الشرك أخفى في أمتي من دبيب الذر على الصفا … )). لقد خفى بعض أنواع الشرك على كثير من العلماء حيث وقعوا فيه، قال صاحب الدين الخالص: (ومن أنواع الشرك أشياء ما عرفها الصحابة إلا بعد سنين، فمن أنت حتى تعرفه بغير علم. وقد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فإذا كان هذا في حق سيد الرسل وخاتمهم، فما ظنك بغيره من الناس؟ …
وقال إبراهيم … : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)، فإذا كان أبو الأنبياء يخاف على نفسه وعلى بنيه الأنبياء فما نرجوه في غيره وغيرهم من آحاد الناس الذين ليسوا بأنبياء؟ … وحيث إن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 671)
الشرك أخفى من دبيب النمل ابتلي به بعض من لم يتفطن له، وأفصح به في مقالاته، على جهل منه … ).
حتى بعض العلماء مبتلون في الوقوع في بعض أنواع الشرك؛ لخفائها وعدم تصور حقيقة الشرك التي بعث الرسل لأجلها، ولعلّ بعضهم كان لديهم حسن نية في بعض أقوالهم وأعمالهم التي شابهت الشرك، ولكن كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (وكم من مريد للخير لن يصيبه).
ثم إن هؤلاء القوم الذين سأذكرهم فيما يلي: لا أقول إنهم مشركون، فإن الحكم على العموم سهل وميسر في كثير من القضايا دون الحكم بالتعيين، فإنه ربما يوجد المقتضي للحكم على أحدٍ بالشرك أو الكفر، ولكن يمنع من الحكم عليه فوات شرط من الشروط أو انتفاء مانع من الموانع، فمثلاً إذا كان لدى أي مسلم شبهة في كون بعض أنواع من التصرفات شركًا فإنه تزال عنه الشبهة أولاً، وتقام عليه الحجة ثانياً، وقبل هذا لا يحكم عليه بالشرك أو الكفر أبدًا.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: أحد علماء نجد الأعلام: (والذي نقوله في ذلك: إن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ … الدعوة إليه، فالذي يحكم عليه إذا كان معروفاً بفعل الشرك ويدين به، ومات على ذلك فظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه، وأمّا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 672)
حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كانت قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله، وأما من لا نعلم حاله في حال حياته، ولا ندري ما مات عليه، فإنا لا نحكم بكفره، وأمره إلى الله).
وقال الإمام المجدد ـ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ: (القصة تفيد أن المسلم ـ بل العالم ـ قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها، فتفيد لوازم التعلم والتحرز، … وتفيد أيضًا: أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كذب هو لا يدري، فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر … ).
وفي موضع آخر: ( … وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم … ).
وقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن بعض من يعمل الشرك أنه لا يكفر: (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة … ).
فالصحيح في تكفير المعين ونسبته إلى الشرك: أنه لا ينسب إليه الشرك إلا بعد إزالة الشبهة الموجودة عنده، وبعد إقامة الحجة عليه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الجهمية (الذين وقعوا في شرك التعطيل):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 673)
(ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهّال)، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.
فكل من وقع في هذه الأمة في أنواع من الشرك بالله جل شأنه لا نحكم عليهم بأنهم مشركون إلا إذا ثبت لنا أنه قد أقيمت عليهم الحجة، وأزيلت عنهم الشبهة، فليس كل من وجد عنده شرك يوصف بالمشرك ـ إلا إذا كان الشيء مما يعلم من الدين بالضرورة ـ، كما هو ظاهر من نصوص الأئمة.
وإذا نظرنا إلى أغلب الفرق التي وقعت في الشرك نرى أنها كانت لديهم شبهة فيما قالوه وارتكبوه، فهذا الذي يمنعنا عن الحكم عليهم بأنهم مشركون بالتعيين، ولكن ليس المراد منه أن من ليس عنده شبهة، أو كانت شبهته في الأمور التي تعد من المعلوم بالدين بالضرورة، وقد أقيمت عليه الحجة؛ أنا لا نقول له بأنه مشرك كالباطنية والنصيرية والغلاة من الروافض مثلاً، فقد ثبت عن الأئمة أنهم كفروهم بالتعيين.
ثم إنا وإن لم نصف أحدًا بالتعيين بأنه من المشركين فإنه لا ضير أن نذكر من وجد عنده نوع من أنواع الشرك؛ تنبيهًا للعامة ونصحًا للأمة، فمن هذا المنطلق سأذكر بعض من تورط في بعض أنواع الشرك سواء كان بقصد أو بغير قصد.
فمثلاً: إن الشرك في ذات الله وصفاته وأفعاله بالتعطيل قد وقع فيه كثير من العلماء البارزين من الجهمية والمعتزلة، كما وقع فيه جملة من العلماء المشهورين من الأشاعرة والماتريدية، وجملة من العلماء الذين قالوا بالقدر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 674)
أو الجبر، وهكذا وقع فيه جملة من المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود مثلاً.
وأما الشرك في ذات الباري وأسمائه وصفاته وأفعاله بالأنداد فقد وقع فيه كثير من الشيعة وكثير من أهل السنة الغالين بالتشبيه، سواء كان هذا التشبيه في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله، وذلك بإثبات بعض صفات الباري المختصة به سبحانه لبعض العباد، كما فعل الروافض في علي وأئمتهم، وكما فعل بعض أصحاب الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض من يحسنون بهم الظن بأنهم من الأولياء الكمّل ولهم من الخصائص كذا وكذا، حتى بلغوا بهم إلى حد إثبات الأنداد لله عز وجل، وسيأتي بيان بعض النماذج في الباب الرابع إن شاء الله.
وأما الشرك في العبادة فحدث عنه ولا حرج، فكم من العلماء المعروفين في هذه الأمة أشركوا بالله جل وعلا ـ وما زالوا يشركون ـ في هذا الباب؛ كدعاء غير الله، والاستغاثة بغيره فيما لا يستغاث فيه إلا به، والاستعانة بغير الله في الأمور التي تختص فيها الاستعانة به سبحانه، والنذر والذبح، وأنواع من العبادات لغير الله، بحجة التوسل بهؤلاء الأشخاص والأموات إلى الله جل شأنه.
فلما فشى الشرك في هذه الأمة إلى هذه الدرجة قام العلماء الذين قد نور الله قلوبهم بمعرفة التوحيد ومعرفة حقيقة الشرك بمقتضى البشارة النبوية: ((لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي وعد الله))، وهم أصحاب الحديث والأثر من هذه الأمة، وسيأتي ذكر نماذج من جهود العلماء البارزين في هذا المجال في محاربة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 675)
الشرك والخرافات بأنواعها في المبحث الآتي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 676)
المبحث الثالث دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية
لقد صدقت البشارة النبوية: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفن عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين))؛ فإنه لما ظهر بعض أنواع الشرك (في الصفات وفي الأفعال) في زمن بعض صغار الصحابة وقفوا أمامها كالسد المنيع كما فعل ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما حيث قاما ضد شرك القدرية، وبيّنا أنه لا إيمان ولا توحيد لمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرّه.
وهكذا لما حدث شرك التعطيل في صفات الله جل شأنه وفي بعض أمور الربوبية قام التابعون ومن تبعهم من العلماء والمحدثين ضد هذه الاعتقادات الدخيلة خير قيام، حيث ألف بعضهم في الدفاع عن التوحيد وبيان حقيقة الشرك، وكتب الآخرون في جمع أقوال السلف المتعلقة بالعقيدة.
ففي القرن الثاني ـ مثلاً ـ كان العلماء قد قاموا بصد أنواع الشرك في تأليفاتهم، سواء كانت هذه التأليفات ضمن كتب الحديث أم كانت كرسائل مستقلة في هذا الباب، ولعل من أول من ألف في هذا الباب الكتاب المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله وهو الفقه الأكبر ـ مع ملاحظة بعض الأخطاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 677)
العقدية ـ حيث ذكر الإمام رحمه الله عقائد أهل السنة إجمالاً، وذكر فيه الرد على شرك التعطيل في الصفات.
وفي هذا الوقت بالذات جمع طوائف من العلماء والأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة؛ مثل حماد بن سلمة (176) هـ، وعبد الرحمن ابن مهدي (198) هـ، وغيرهم؛ حفاظًا على العقيدة النقية، وردًا لشرك التعطيل الذي وقع في هذا الوقت لدى بعض معاصريهم في بعض صفات وأفعال الباري سبحانه وتعالى، كما كتب الإمام الشافعي رضي الله عنه (204) هـ كتابه المنسوب إليه ((الفقه الأكبر)). وحذر فيه عن أنواع من شرك التعطيل. فهذه المؤلفات من أوائل ما كتب في هذا الباب، وبعضها موجود، وبعضها مفقود.
ثم جاء دور التأليف المستقل في باب العقيدة مع شيء من البسط والتفصيل بذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية في القرن الثالث الهجري سواء كان من المؤلفات التي تحمل اسم الإيمان، أو كان باسم السنة. ثم في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع كان التدوين تحت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 678)