والأصل في هذه المسائل ما ثبت في الصحيحين عن جماعة من الصحابة مما يدل على أن الإمامة في قريش. من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش عن معاوية رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" 1.
وعن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" 2.
ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال كلهم من قريش" 3.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم" 4.
قال النووي في الكلام على هذا الحديث: "إن الخلافة مختصة--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب الأمراء في قريش 13/113 ح7139 من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم.
2 أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش 13/114 ح7140 من طريق عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر.
3 أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش 13/1452 ح82 من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة.
4 أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش 3/1451 ح1818 من طريق الأعرج عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 558)
بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة" 1.
فالمقصود أن اشتراط القرشية أمر متفق عليه بين السلف، ولم يخالفهم إلا المبتدعة 2 كبعض المعتزلة والأشاعرة وغيرهم 3.--------------------------------------------
1 شرح صحيح مسلم 12/200.
2 فمن المعتزلة ضرار بن عمرو والنظام ومن الأشاعرة إمام الحرمين الجويني، انظر الملل والنحل 1/91؛ وغياث الأمم ص79، 80، 82. ط الثانية، وشرح صحيح مسلم 12/200.
3 طائفة من الخوارج، انظر شرح صحيح مسلم 12/200.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
المبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين
أجمع الصحابة 1 على إمامة أبي بكر الصديق وسمّوه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه وانقادوا له بالفضل، وذلك لفضله وسابقته في الإسلام، ولتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له على جميع الصحابة في إمامة الصلاة 2.
والدليل على خلافته: ما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: "أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك ـ كأنها تقول الموت ـ قال صلى الله عليه وسلم: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" 3.
وحديث عائشة رضي الله عنهما قالت: "دخل عليّ--------------------------------------------
1 انظر الإبانة للأشعري ص252؛ والبداية من الكفاية ص101؛ والمسامرة شرح المسايرة ص300؛ وشرح العقائد النسفية ص149، 150؛ وأصول الدين للبزدوي ص182.
2 المسايرة ص311؛ وأصول الدين للبزدوي ص182، 184.
3 أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي لو كنت متخذا خليلا 7/17 ح3659؛ ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر 4/1857 ح2286 كلاهما من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)
رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتبا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " 1.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن" 2.
ثم الخليفة من بعد أبي بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفضله وسابقته في الإسلام وعهد أبي بكر إليه واتفاق الصحابة عليه 3.
ثم الخليفة بعد عمر عثمان بن عفان رضي الله عنه لفضله وسابقته للإسلام، ولتقديم أهل الشورى له، فبايعوه وانقادوا لأوامره، وصلوا معه الجمع والأعياد مدّة خلافته فكان إجماعا منهم على صحة خلافته 4.
ثم بعد عثمان الخليفة علي رضي الله عنه لفضله وسابقته للإسلام--------------------------------------------
1 أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر 4/1857 من طريق عروة عن عائشة.
2 أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر 7/18 ح3664؛ ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عمر 4/1860 ح2392 كلاهما من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة.
3 شرح العقائد النسفية ص150؛ والبداية من الكفاية ص102؛ وأصول الدين للبزدوي ص1/4.
4 شرح العقائد النسفية ص151؛ والبداية ص103؛ وشرح المسايرة ص300؛ وأصول الدين للبزدوي ص57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)
وإجماع الأمة على فضله 1. بعد الثلاثة وأنه أحق بالأمر من كل من سواه.
وأجمعت الأمة من بعد الصحابة على ما ذكروا من إمامة الخلفاء الراشدين وترتيبهم، ما خلا الرافضة، ولا عبرة بخلافهم.
وخلافة الخلفاء الراشدين كلهم خلافة نبوة، يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" 2.
فمن طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار 3 أهله. يدل على ذلك ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه 4 حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر رضي الله تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون" 5.
وكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وعلماء السنة كلهم مالك وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وغير هؤلاء كلهم يحب الخلفاء--------------------------------------------
1 فتح الباري 7/16؛ وشرح العقائد النسفية ص151؛ والبداية ص104.
2 أخرجه أحمد في المسند 5/44؛ وأبو داود كتاب السنة في الخلفاء 5/30؛ والحاكم في المستدرك 3/71؛ جميعهم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه، قال الحاكم على أثره: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
3 العقيدة الواسطية مع شرحها التنبيهات اللطيفة ص93.
4 مجموع الفتاوى 3/153.
5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)
ويتولاهم، ويعتقد إمامتهم وينكر على من يذكر أحدا منهم بسوء" 1.
وهذه بعض نصوص الحنفية في ذلك: قال النسفي: "وأفضل البشر بعد نبينا: أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي رضي الله عنهم، وخلافتهم ثابتة على هذا الترتيب" 2.
وقال قاسم بن قطلوبغا في شرحه لكتاب المسايرة لابن الهمام: "والإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق "أبو بكر" بإجماع الصحابة على مبايعته "ثم عمر" باستخلاف أبي بكر له "ثم عثمان" بالبيعة بعد اتفاق أصحاب الشورى "ثم علي رضي الله عنهم أجمعين" وانعقدت إمامته بإجماع أهل الحل والعقد" 3.
وقال الصابوني الحنفي: "فصل في إمامة الخلفاء الراشدين: أولهم أبو بكر رضي الله عنه وكان مستجمعا لشرائط الخلافة، ومفضَّلا على جميع الصحابة. وقد اتفقت الصحابة على خلافته وذلك حجة قاطعة … ثم استخلف قبل وفاته عمر … ثم اتفقت الصحابة على خلافته … ثم استشهد عمر رضي الله عنه وترك أمر الخلافة شورى بين ستة … فاختار هو ـ أي عبد الرحمن ـ عثمان رضي الله عنه، وبايع له بمحضر من الصحابة فبايعوا له وانقادوا لأوامره … ثم استشهد عثمان رضي الله عنه وترك الأمر مهملا حتى اجتمع كبار الصحابة … والتمسوا من علي رضي الله عنه قبول الخلافة وأقسموا عليه حتى قبلها، فبايعه من حضر من كبار الصحابة"4.--------------------------------------------
1 منهاج السنة 6/420.
2 شرح العقائد النسفية ص196.
3 شرح المسايرة ص300.
4 البداية ص101-103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)
المبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر
ذهب الجمهور من أهل السنة1 إلى عدم جواز الخروج على الإمام الجائر، لما يترتّب على الخروج على السلطان من المفاسد الكثيرة من سفك للدماء، وزهق للأرواح ونهب للأموال، واستحلال للمحارم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات، ومضاعفة للأجور 2.
وقد دلّت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة وليّ الأمر وعدم الخروج عليه، ما لم يأمر بمعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} "سورة النساء: الآية59".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى--------------------------------------------
1 انظر شرح النووي على مسلم 12/229، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/167، 168، 175، 176، وكتاب الشريعة ص38، وأصول السنة ص98.
2 انظر شرح العقيدة الطحاوية ص430.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)
الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني" 1.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" 2.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" 3.
قال ابن المديني: " … ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأقروا له بالخلافة بأي وجه كانت برضا أو بغلبة فهو شاق هذا الخارج عليه العصا، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة" 4.
وقال الإمام أحمد: "ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء والغنائم إلى الأمراء عدلوا أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله عز وجل--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} 13/111 ح7137، ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية 3/1466 ح1835 كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
2 أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية 13/121 ح7144، ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية 3/1469 ح1839 كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر.
3 أخرج البخاري كتاب الفتن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سترون بعدي أمورا تنكرونها" 13/5 ح7054 ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن 3/1478 ح1849 كلاهما من طريق أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس.
4 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 565)
أمركم لا تنزع يد من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك يجعل الله لك فرجا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع. فإن أمرك السلطان بأمر ـ هو لله عز وجل معصية ـ فليس لك أن تطيعه، وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كف يدك ولسانك وهواك، والله عز وجل المعين" 1.
وقال البخاري: "ولا تنازع الأمر أهله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العلم لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" 2، وألا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم"3.
وقال أبو زرعة الرازي: "ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في فتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة" 4.
وقال ابن أبي زمنين: "فالسمع والطاعة لولاة الأمر واجب مهما قصَّروا في ذاتهم، فلم يبلغوا الواجب عليهم، غير أنهم يدعون إلى الحق--------------------------------------------
1 كتاب السنة للإمام أحمد ص46 ضمن شذرات الذهب.
2 أخرجه الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع 5/34، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه أحمد 1/80 وابن ماجة كتاب المناسك باب الخطبة يوم النحر 2/1015، 1016 ح3056، والحاكم في المستدرك 1/87-88 جميعهم من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم، قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع 6/30، وفي صحيح الترغيب 1/12.
3 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/175، 176.
4 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/177.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 566)
ويأمرون به ويذبون عنه، فعليهم ما حملوا، وعلى رعاياهم ما حملوا من السمع والطاعة لهم"1.
وقال النووي: "أجمع العلماء على وجوبها ـ أي طاعة الأمراء ـ في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية. نقل الإجماع على هذا القاضي عياض" إلى أن قال: "ولا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق" 2.
وما حكي عن الأئمة في مسألة الخروج على الإمام الجائر حكي مثله عن الإمام أبي حنيفة، فقد سأله أبو مطيع البلخي قائلا له: "ما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتّبعه على ذلك ناس فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟
قال: لا، قلت ولم؟ وقد أمر الله تعالى ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا فريضة واجبة. فقال: وهو كذلك، لكن ما يفسدون من ذلك يكون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} "سورة "الحجرات: الآية9".
قال أبو مطيع: فنقاتل الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم تأمر وتنهى فإن--------------------------------------------
1 أصول السنة ص980.
2 شرح مسلم 12/222، 223، 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 567)
قبل وإلا قاتلته فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا، ثم قال له بعد ذلك: وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي" 1.
لكن حكى الجصاص في كتابه أحكام القرآن خلاف ذلك حيث قال: "وكان مذهبه رحمه الله مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور، لذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف ـ يعني قتال الظلمة ـ فلم نحتمل، ثم قال: وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة في حمله المال إليه، وفتيا الناس سرا في وجوب نصرته والقتال ومعه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم 2 ابني عبد الله بن حسن … " 3.
ويؤيد ما حكاه الجصاص ما أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة بسند صحيح عن أبي يوسف قال: "كان أبو حنيفة يرى السيف" 4.
وروي كذلك بسند صحيح عن إبراهيم بن شماس 5 قال: "قال--------------------------------------------
1 الفقه الأبسط ص44-48.
2 خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخوه بالبصرة فأيّدهم بعض العلماء والقراء. قال ابن العماد: "خرج مع إبراهيم كثير من العلماء منهم هشيم وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعياد بن العوام ويزيد بن هارون وأبو حنيفة كان يجاهر بأمره ويحث الناس على الخروج معه كما كان مالك يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد" شذرات الذهب 1/214.
3 أحكام القرآن 1/70.
4 السنة 1/182.
5 هو إبراهيم بن شماس الغازي أبو إسحاق السمرقندي، قال عنه ابن حجر: "نزيل بغداد ثقة من العاشرة مات سنة إحدى وعشرين ومائتين".
تقريب التهذيب 1/36 وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 1/127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 568)
رجل لابن المبارك ونحن عنده إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك"1.
ويمكن الجواب عن هذا بأنه في أول أمره كان يرى الخروج على السلطان الجائر، ثم استقر آخر الأمر على عدم الخروج. دلّ على هذا ما قرره واختاره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" 2.
وما ذكره الطحاوي هو ما حكاه ابن الهمام عن أبي حنيفة في المسايرة وأقره الشارحان، ابن أبي الشريف وابن قطلوبغا وكذا ذكره البزدوي.
قال ابن الهمام: "وإذا قلد عدلا، ثم جار وفسق لم ينعزل، ويستحق العزل إن لم يستلزم فتنة، ويجب أن يدعى له ولا يجب الخروج عليه كذا عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة" 3.
وقال البزدوي: "الإمام إذا جار أو فسق لم ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهو المذهب المرضي"4.--------------------------------------------
1 السنة 1/181، 1/182..
2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص48.
3 المسايرة ص291 مع شرحها لابن أبي شريف وقاسم بن قطلوبغا.
4 أصول الدين للبزدوي ص190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 569)
الباب الخامس: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأتباعه
وفيه فصلان:
الفصل الأول: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه.
الفصل الثاني: مدى التزام الحنفية بعقيدة الإمام أبي حنيفة في التوحيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 571)
الفصل الأول: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه الماتريدية
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه في المنهج.
المبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)
المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي أتباعه في المنهج
أولا ـ مصادر التلقي عند كل منهما:
لقد تقدم أن منهج الإمام أبي حنيفة في تلقّي العقيدة ينحصر في الأسس التالية:
ـ الشرع "الكتاب والسنة".
ـ الفطرة.
فالكتاب والسنة هما الأساس الأول عند الإمام أبي حنيفة حيث أن نصوص الشرع هي العمدة والأصل، ومن هنا يجب تقديمهما على أي كائن مهما من كان.
فالكتاب والسنة هما دليلا الإمام أبي حنيفة غير متجاوز عنهما؛ لأن تجاوزهما قولٌ على الله بغير علم، وتقديم بين يدي الله ورسوله. ومن هنا فلا يوجد في كلام أبي حنيفة أي آية من كتاب الله قد عارضتها العقول. أو أن شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم عارضه المعقول. بل لا نجد في كلامه أن الأدلة العقلية قاطعة لا تقبل التأويل ومقدمة على الأدلة السمعية، لأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 575)
ظواهر نصوص الشرع ظنية غير قطعية، كما أنه لم يقل إن أخبار الآحاد الصحيحة لا تثبت بها العقيدة.
بل يظهر من صنيع الإمام أبي حنيفة الاستدلال بخبر الآحاد كما سبق الكلام عليه، بل إنه قد استدل في جوانب من العقيدة بأخبار الآحاد ومنه حديث الجارية.
وهذا ما عليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد. فقد قرر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد الله ولا ندخل في ذلك متأولين ولا متوهمين بأهوائنا" 1.
وقال محمد بن الحسن: " اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل … "2.
وقال في مثل حديث النزول وغيره: ""هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها" 3.--------------------------------------------
1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 26، 27.
2 أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/432-433.
من طريق سليمان بن داود بن طلحة عن عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي.
وأورده شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى 4/4-5.
والذهبي في العلو ص113.
قال شيخ الإسلام: "ثبت عن محمد بن الحسن".
3 أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/433.
وابن قدامة في إثبات العلو ص170، ط مكتبة العلوم والحكم، والذهبي في العلو ص113.
جميعهم من طريق أبي عمرو بن وهب عن شداد بن حكيم. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 576)
وكذا قال: "نؤمن بالله، وبما جاء من عند الله على ما أراد الله وعلى ما أراد به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نشتغل بكيفية مراد الله تعالى وبما جاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم" 1.
وقال أبو يوسف: " القرآن كلام الله من قال كيف؟ ولم؟ وتعاطى مراءً ومجادلة استوجب الحبس والضرب بالسوط المبرح" 2.
وبالمقارنة بين منهج الإمام أبي حنيفة في مصادر التلقي ومنهج الماتريدية لأبي منصور وأتباعه؛ نجد أن هناك تباعدا واضحا، فإنهم يرون أن مصدر التلقي الأول في معظم أبواب التوحيد هو العقل دون النقل 3؛ لأن الأدلة العقلية عندهم قطعية 4، أما السمعية فهي ظواهر ظنية 5.--------------------------------------------
= قال الألباني في مختصر العلو ص59:
"أخرجه اللالكائي في السنة … وعمرو بن وهب إن كان الطائفي فمجهول الحال وإن كان القرشي فقال ابن أبي حاتم 3/1/266" عن أبيه: "هو مضطرب الحديث"
1 بحر الكلام ص26.
2 فضائل الإمام أبي حنيفة وأصحابه لابن أبي العوام ""ق-164/ب.
3 قسمت الماتريدية أصول الدين بحسب مصدر التلقي إلى عقليات وسمعيات، فما سموه عقليات فمصدر التلقي عندهم هو العقل والعقل أصل والنقل تابع معارض له، وهذا جار في معظم أبواب التوحيد والصفات.
وما سموه سمعيات فمصدر التلقي عندهم هو النقل والعقل تابع له كعذاب القبر والصراط والميزان وأحوال الآخرة. انظر على سبيل المثال أحد كتبهم وهو المسايرة مع شرحها المسامرة. فمن أول الكتاب إلى ص249 عقليات ثم بعد ذلك سمعيات.
وانظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني من أول الكتاب إلى ص98 عقليات ثم بعد ذلك سمعيات.
4 انظر إشارات المرام ص189-199؛ وشرح العقائد النسفية ص5، 42؛ ونشر الطوالع ص228؛ وشرح المواقف 8/24.
5 انظر حاشية عبد الحكيم على الخيالي ص184 مع المصادر المذكورة في الفقرة السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 577)
وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية لأنها قطعية، وتؤوّل الأدلة السمعية لأنها ظنية 1.
قال الزبيدي: "وهو أن الشرع إنما ثبت بالعقل … فلو أتى الشرع بما يكذب العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل معا. إذا تقرر هذا فنقول كل لفظ يرد في الشرع … وهو مخالف للعقل … إما أن يتواتر أو ينقل آحادا. والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل؛ قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد … وإن كان متواترا فلا يتصور نص متواتر لا يحتمل التأويل بل لا بد أن يكون ظاهرا … " 2. والقاعدة عندهم أن كل نص إذا أخبر به الصادق وهو أمر ممكن ولم يكن مخالفا فلا يؤوّل كالبعث والنشر ونعيم الجنة وعذاب النار. أما إذا كان النص دالا على أمر محال مخالف للعقل؛ فلا بد من تأويله، كعلو الله تعالى، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر 3. ويقولون: إن النصوص إذا كانت خلاف العقل، فإن كانت متواترة فهي، وإن كانت قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة؛ فالعقل مقدم عليها، فلذلك الأدلة النقلية تؤوَّل أو تفوَّض".--------------------------------------------
1 إشارات المرام ص199؛ وشرح العقائد النسفية ص42؛ ونشر الطوالع ص228، 229؛ والمسايرة ص33، 35.
2 شرح الإحياء للزبيدي الحنفي الماتريدي 2/105-106. وانظر أصل هذا القانون الكلي في تبصرة الأدلة ص54؛ والنور اللامع ص80-81خ.
وراجع أيضا شرح المقاصد للتفتازاني 2/50؛ والطبعة التركية. وانظر شرح المواقف للجرجاني 2/56-57.
3 انظر النبراس في شرح العقائد النسفية ص316-317.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 578)
أما الأدلة العقلية فلا تأويل لها بل تأويلها محال 1.
فالحاصل أن منهج الماتريدية في نصوص الوحي منهج فاسد باطل؛ لأنه صريح في أن العقل أصل. والشرع فرع، لأن نصوص الشرع إذا كانت مخالفة لعقولهم فهم إما أن يردوها أو يؤولوها أو يفوِّضوها، لذلك أوّلوا نصوص كثير من الصفات. وأبقوا نصوص المعاد على ظواهرها، فلو كانت نصوص المعاد عندهم مخالفة لعقولهم لأوّلوها. وهذا كما ترى انحراف عن الطريق المستقيم.
فالواجب على كل مسلم أن يجعل ما قال الله ورسوله هو الأصل والعمدة فيسلم بنصوصهما، وينقاد لهما ولا يعترض عليهما، ولا يعارضهما برأيه ومعقوله وقياسه.
قال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام" 2.
وقال أبو المظفر السمعاني: "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع. ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء--------------------------------------------
1 انظر شرح العقائد النسفية ص5، 42؛ وشرح المواقف 8/24، 110، 111؛ وإشارات المرام ص189-199؛ وشرح الإحياء 2/105-106؛ ونشر الطوالع ص238.
2 شرح العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 579)
ما شاء. ولو كان الدين بني على المعقول وجب ألا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا".1
وقال الشاطبي: "إن الشريعة بنيت على أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} "سورة الإسراء: الآية15".
وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} "سورة النساء: الآية59".
وقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ} "سورة الأنعام: الآية57".
وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث، فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع، وأنه محسِّن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس منه" 2.
وقال ابن أبي العز: "وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه بل قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} "سورة الأعراف: الآية12".
وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} "سورة النساء: الآية80".
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "سورة آل عمران: الآية31".--------------------------------------------
1 صون المنطق ص182 عن السمعاني.
2 الاعتصام 1/45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 580)