الولاة، بخلاف ما ادعى الرافضي من الإحداث والردة فهذا لايتحمله السياق ولا يدل عليه.
والصبر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار وأمر به غيرهم في
حق الولاة جاء مفسراً في أحاديث أخرى، ففي الصحيحن من
حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً
مات ميتة جاهلية).(1)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية).(2)
فتبين أن الصبر على الولاة يكون بلزوم جماعة المسلمين، وعدم الخروج على السلطان، وعلى هذا فأنس رضي الله عنه وسائر الأنصار من الصابرين على الولاة المتمسكين بوصية نبيهم صلى الله عليه وسلم إذ لا يعرف في تأريخ الأنصار أن أحداً منهم خرج على الحكام، لا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا فيما أدركوا من عهد الدولة الأموية، وقد كان أنس رضي الله عنه من آخر الصحابة موتاً كما تقدم(3)، وقد أدرك بعض الأمراء الظلمة مثل الحجاج بن يوسف الذي كان أميراً عليه عندما كان في العراق، ومع هذا لا يعرف من سيرته أنه نازعه في سلطانه، ولا خرج
عليه، مع ما هو معروف به الحجاج من الظلم والبطش بل كان في ذلك صابراً محتسباً، وكان الحجاج لربما تعرض له بشيء من السب والشتم فلا يخرجه ذلك عن صبره رضي الله عنه على ما نقل ابن كثير من رواية علي بن يزيد قال: (كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أموراً تنكرونها) فتح الباري 13/ 5، ح 7053، ومسلم (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين) 3/ 1478، ح 1849.
(2) رواه البخاري (في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أموراً تنكرونها) فتح الباري 13/ 5، ح 7054، ومسلم (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين) 3/ 1477، ح 1849.
(3) انظر ص 381 من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي ياخبيث جوال في الفتن مرة عليّ، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع
ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضب.
قال يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال: إياك أعني أصم الله سمعك قال: فاسترجع أنس).(1)
وهذا مما يدل على صبر أنس تحقيقاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكاً بالعهد الذي عهده إليه رضي الله عنه وأرضاه، وأما قول أنس رضي الله عنه (فلم نصبر) فهذا لا يشكل على من عرف سيرة الصحابة رضوان الله عليهم وما كانوا عليه من مقتهم لأنفسهم واستعظامهم ذنوبهم لشدة خوفهم من الله تعالى، وتعظيمهم له، ولذا ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد
النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات).(2)
ولعل أنس رضي الله عنه أراد بقوله: (لم نصبر) ما قام به من شكوى الحجاج على الخليفة لما اشتد أذاه له على ما روى ابن كثير عن أبي بكر بن عياش أن أنساً بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: (والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه وأنا خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين).(3)
وقد تقدم نقلاً عن ابن حجر أن أنساً رضي الله عنه قدم دمشق شاكياً الحجاج على الخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك.(4)--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية لابن كثير 9/ 96.
(2) رواه البخاري في: (كتاب الرقاق، باب مايتقى من محقرات الذنوب) فتح الباري 11/ 329، ح 6492.
(3) البداية والنهاية 9/ 96.
(4) انظر: ص 379 من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
ومعلوم أن شكوى أنس للحجاج لاتنافي الصبر، ولا تقدح في أنس رضي الله عنه فإن الحجاج كان ظالماً مستبداً مؤذياً للأخيار ومنهم أنس، فرفع أمره للخليفة دفع لظلمه، وانتصار بالحق، وهذا جائز في الشرع، بل محمود قال تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل}(1)، وقال عز وجل: {إلا الذين آمنوا وعموا
الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا}(2)، وقال تعالى في وصف المؤمنين في معرض الثناء عليهم: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}.(3)
فأنس رضي الله عنه انتصر لنفسه بحق ثم إنه رأى بعد هذا أن الأولى هو عدم ذلك، وأن الأليق بمقامه هو العفو والصفح، وعليه يتنزل قوله: (لم نصبر) والله تعالى أعلم.
وأما قول البراء بن عازب رضي الله عنه: (إنك لا تدري ما أحدثنا بعده)(4) فمحول على ماتقدم من مقت الصحابة رضوان الله عليهم لأنفسهم، لكمال إيمانهم، وتعظيمهم لربهم.
قال ابن حجر في شرحه: «يشير إلى ما وقع لهم من الحروب وغيرها، فخاف غائلة ذلك، وذلك من كمال فضله».(5)
قلت: وهذا حال كل مؤمن كامل الإيمان، فهو دائماً يستصغر عمله ويستقله، ويستعظم ذنبه ويستكثره، وذلك لكمال علمه بالله
وقوة تعظيمه له، بخلاف الفاسق، فإنه يستعظم عمله، ويستقل ذنبه، لضعف الإيمان في نفسه وجرأته على ربه.
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن المؤمن يرى--------------------------------------------
(1) سورة الشوري آية 41.
(2) سورة الشعراء آية 227.
(3) سورة الشورى آية 39.
(4) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية) فتح الباري 7/ 449، ح 4175.
(5) فتح الباري 7/ 450.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا).(1)
ولهذا كثرت الآثار عن الصحابة، وخيار سلف الأمة في لوم النفس، واستشعار التقصير لكمال إيمانهم وعلمهم بالله رضي الله عنهم وما قول البراء وأنس بن مالك إلا من هذا الباب، ولو كان في هذا مطعن عليهما للزم ذلك الطعن على خيار الصحابة وسلف الأمة، الذين نقل عنهم من أمثال ذلك ما يصعب حصره.
وإنما اذكر هنا بعض ما جاء من ذلك عن الصحابة الذين هم
محل تقدير الرافضة وتعظيمهم، فمن ذلك ما ثبت عن علي رضي الله عنه من ندمه يوم الجمل ندماً عظيماً حتى إنه قال لابنه الحسن: (يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا قال: يابني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا).(2)
وفيه رواية: (أنه لما اشتد القتال يوم الجمل ورأى علي الرؤوس تندر، أخذ علي ابنه الحسن فضمه إلى صدره، ثم قال: إنا لله ياحسن؟ أي خير يرجى بعد هذا؟).(3)
وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب (أن سعد بن مالك وعبد الله بن--------------------------------------------
(1) رواه البخاري في: (كتاب الدعوات، باب التوبة) فتح الباري 11/ 102، ح 6308، وهذا الحديث مختلف فيه، هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول ابن مسعود، لأن رواي الحديث عن عبد الله بن مسعود وهو الحارث بن سويد قال: حدثنا ابن مسعود حديثين: أحدهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه، وذكر هذا الحديث ثم ذكر (لله أفرح بتوبة العبد) وذكر النووي أن المرفوع هو الثاني، شرح صحيح مسلم 17/ 61.
قال ابن حجر: «وكذا جزم ابن بطال بأن الأول هو الموقوف، والثاني هو المرفوع وهو كذلك) فتح الباري 11/ 105.
(2) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7/ 251، والطبري في تأريخه 4/ 537، ولم يذكر قول الحسن.
(3) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7/ 251.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
مسعود دخلا على سلمان رضي الله عنهم يعودانه فبكى فقالا: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقال: عهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحفظه أحد منا قال: ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب).(1)
وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (والله لوددت أني شجرة تعضد).(2)
فإذا كانت مثل هذه الآثار لا تستلزم الطعن في هؤلاء الأخيار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم ممن تعتقد الرافضة عدالتهم وفضلهم، فكذلك الشأن فيما ثبت عن أنس والبراء رضي الله عنهما لايلزم منه الطعن عليهما أو تنقصهما.
وأما ما ادعاه الرافضي من أن تلك الآثار تصديق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن أصحابه سيحدثون بعده، فقد تقدم الرد على ذلك مفصلاً بما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه.(3)--------------------------------------------
(1) حلية الأولياء 1/ 196.
(2) أخرجه أحمد في المسند 5/ 173، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي المستدرك مع التلخيص 4/ 625، وليس في رواية الحاكم النص على أن هذه العبارة من كلام أبي ذر، وإنما جاءت مدرجه في حديث: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون) والصحيح أنها ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هي من كلام أبي ذر رضي الله عنه وقد نبه على ذلك الشيخ الألباني
-حفظه الله- في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/ 300.
(3) انظر: ص 350 من هذا الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
طعن الرافضي على الشيخين ببعض ما أثر عنهما من أقوال في شدة خوفهما من الله والرد عليه
قال الرافضي ص133 تحت عنوان: (شهادة الشيخين على نفسيهما) .
«خرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب قال: لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس وكأنه يُجَزِّعُهُ: يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحابتهم فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون.
قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه فإنما ذاك من منّ الله تعالى منّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من منّ الله جل ذكره منّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه.
وقد سجل التاريخ له أيضاً قوله: ياليتني كنت كبش أهلي يسمنونني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء وقطعوني قديداً، ثم أكلوني وأخرجوني عذرة ولم أكن بشراً. كما سجل التاريخ لأبي بكر مثل هذا قال لما نظر أبو بكر إلى طائر على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
شجرة: طوبي لك ياطائر تأكل الثمر وتقع على الشجر، وما من حساب ولا عقاب عليك، لوددت أني شجرة على جانب الطريق مرّ على جمل فأكلني وأخرجني في بعره ولم أكن من البشر.
إلى أن قال: فكيف يتمنى الشيخان أبو بكر، وعمر، أن لا يكونامن البشرالذي كرمه الله علىسائرمخلوقاته، وإذاكان المؤمن العادي الذي يستقيم في حياته تتنزل عليه الملائكة وتبشره بمقامه في الجنة فلا يخاف من عذاب الله ولا يخرن فما بال عظماء الصحابة الذين هم خيرالخلق بعدرسول الله-كما تعلمنا ذلك-يتمنون أن يكونواعذرة».
والرد عليه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن هذه الآثار المذكورة تدل على شدة خوف الشيخين من الله تعالى وتعظيمهما لربهما، وهذا من كمال فضلهما وعلو شأنهما في الدين، ولذا أثني الله في كتابه على عباده الخائفين منه المشفقين من عذابه في آيات كثيرة كقوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى}(1)،
وقال تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان}(2)، وقال تعالى: {الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون}(3)، وقال تعالى في وصف المؤمنين: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}(4)، وقال في وصفهم: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب}(5)، والآيات في هذا كثيرة، وهي تدل على أن الخوف من الله من صفات المؤمنين التي أثنى الله بها عليهم، وأحبها منهم، ورتب على ذلك سعادتهم ونجاتهم في الآخرة بخوفهم منه--------------------------------------------
(1) سورة النازعات آيتا 40 - 41
(2) سورة الرحمن آية 46.
(3) سورة الأنبياء آية 49.
(4) سورة النور آية 37.
(5) سورة الرعد آية 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
في الدنيا. والشيخان رضي الله عنهما ماقالا الذي قالا إلا لتحقيقهما أعلى مقامات الخوف من الله الذي استحقابه ذلك الفضل العظيم عند الله تعالى وسبقا به غيرهما من الأمة فكانا أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أن حمل الرافضي شدة خوف الشيخين على مخالفتهما ومعصيتهما، وأنهما لولا ذلك ما حصل لهما هذا، فهذا من جهله
العظيم بالشرع فإنه من المعلوم أن الخوف والخشية من لوازم العلم، كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماءُ}(1)، وكل ماقوي ذلك العلم قويت الخشية في نفس العبد، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)(2)، وهذا كله يورث الإستقامة على الطاعة، وحسن العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، قال تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}(3)، وقال عز وجل: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون}(4)، فَوَصْف الله عباده بالخوف والعبادة دليل تلازمهما واجتماعهما.
وبعكس هذا عدم الخوف فإنه مصاحب للتفريط وترك العمل، قال تعالى في وصف الكفار: {ما سلككم في سقر - قالوا لم نك
من المصلين - ولم نك نطعم المسكين - وكنا نخوض مع الخائضين - وكنا نكذب بيوم الدين}(5)، إلى أن قال: {كل بل لا يخافون الآخرة}(6)، فوصفهم بعدم العمل وعدم الخوف.--------------------------------------------
(1) سورة فاطر آية 28.
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 623، وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: التلخيص مع المستدرك.
(3) سورة النور آية 37.
(4) السجدة آية 16.
(5) سورة المدثر الآيات من 42 - 46.
(6) سورة المدثر الآية 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
وبهذا يتبين جهل الرافضي في ذمه الشيخين بالخوف، الذي هو من أخص صفات المؤمنين العاملين.
الوجه الثالث: أن الله تعالى أخبر عن مريم عليها السلام بنظير ما ثبت عن أبي بكر، وعمر في قوله: {قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً} .(1)
قال ابن عباس في معنى نسياً منسياً أي: (لم أُخلق ولم أك شيئاً) .
وقال قتادة أي: (شيئاً لا يُعرف ولا يُذكر) .
وقال الربيع بن أنس هو: (السَّقْط) .(2)
وثبت عن علي رضي الله عنه كما تقدم في النقل عنه أنه قال يوم الجمل لابنه الحسن: (ياحسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة) .(3)
كما ثبت عن أبي ذر قوله: (والله لوددت أني شجرة تعضد)(4) ، فهل هؤلاء مذمومون بهذا؟ فإن لم يكونوا مذمومين فلم القدح في الشيخين بمثل ما ثبت عن هؤلاء؟
الوجه الرابع: أن قول الرافضي إن المؤمن العادي تتنزل عليه الملائكة وتبشره بمقامه في الجنة، وأنه لا يخاف ولا يحزن، وهو يشير بهذا لقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا}(5) ، فهذا من جهله العظيم وفهمه السقيم لمعنى الآية فإن هذه البشارة الواردة في الآية إنما تكون عند الموت، كما ذكر ذلك المفسرون ونقلوه عن أئمة التفسير: كمجاهد والسدي وزيد بن أسلم، وابنه--------------------------------------------
(1) سورة مريم الآية 23.
(2) تفسير الطبري 8/325-326.
(3) تقدم تخريجه ص 409.
(4) تقدم تخريجه ص 409.
(5) سورة فصلت آية 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
وغيرهم(1)، والمسلم قبل ذلك لايدري هل يبشر بهذا أم لا، فهو دائماً خائف وجل، لايعلم بم يختم له، وخوف الشيخين من ربهما أمر طبيعي، بل هو اللائق بهما لكمال علمهما بالله ومعرفتهما به، والله يقول: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(2) ولايشكل على هذا بشارة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخين بالجنة فإن
الخوف من الله من أخص صفات المؤمنين الراسخة في قلوبهم، التي لا ترتفع بشيء ولايستطيعون دفعها، بل كلما ازداد العبد إيماناً وعلماً وطاعة لله ازداد خوفاً، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أخشى الأمة لله كما أخبر بذلك عن نفسه وأقسم عليه في قوله: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له)(3)، وهكذا حال أنبياء الله كما أخبر الله عنهم في قوله: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً}(4) فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم خشية لله من الشيخين وسائر الأمة، وكذلك أنبياء الله هم أعظم خشية لله منهما بلاشك، فأي لوم عليهما في ذلك، وإذا كان المؤلف يرى بفهمه السقيم أن الواجب على المؤمن أن لا يخاف لأنه مبشر من الله بالجنة، ويقدح في الشيخين-رضي الله عنهما بالخوف، فإن أولى الناس بعدم الخوف لو كان ما ادعاه صحيحاً هم رسل الله الذين اصطفاهم الله برسالته، ووعدهم بأعلى الدرجات في الجنة.
الوجه الخامس: أنه ظاهر أن الحامل للشيخين على ما قالا هو شدة خوفهما من الله، والخوف من الله من الصفات الفاضلة الممدوح بها باتفاق العقلاء، كما أن عدم الخوف من الله من الصفات الرذيلة المذموم بها عند العقلاء، ولهذا يصف الناس من أرادوا مدحه بقولهم: (فلان يخاف الله)--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري 11/ 108، وتفسير ابن كثير 4/ 99.
(2) سورة فاطر أية 28.
(3) أخرجه البخاري في: (كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح) فتح الباري 9/ 104، ح 5063، ومسلم: (كتاب النكاح، باب استحباب النكاح) 2/ 1020، ح 1401.
(4) سورة مريم آية 58.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
ويصفون من أرادوا ذمه بعكس ذلك فيقولون: (فلان لا يخاف الله) فتبين أن ذم الرافضي للشيخين بخوف الله، معارض بالشرع والعقل، بل إنه غاية في العجب عند أهل العقول والنظر.
وبهذا يتبين لك أيها القارئ صدق كلام أهل العلم في
الرافضة.
كقول الشعبي رحمه الله: (نظرت في هذه الأهواء وكلمت أهلها فلم أر قوماً أقل عقولاً من الخشبية)(1) ، [يعني الرافضة] .
وقول الشافعي رحمه الله: (لم أر أحداً من أصحاب الأهواء أكذب في الدعوى، ولا أشهد بالزور منهم) .(2)
وقول شيخ الإسلام رحمه الله فيهم: «والقوم من أضل الناس على السواء، فإن الأدلة إما نقلية وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في
المنقول والمعقول، في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: {وقالوا لوكنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}(3) » .(4)--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه ص 125.
(2) تقدم تخريجه ص 130.
(3) سورة الملك آية 10.
(4) منهاج السنة 1/8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
طعن الرافضي في أبي بكر بخلافه مع فاطمة رضي الله عنهما في الميراث والرد عليه
قال الرافضي ص 136: «فهاهو البخاري يخرج من باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني.
كما أخرج في باب غزوة خيبر عن عائشة: أن فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت.
والنتيجة في النهاية هي واحدة ذكرها البخاري باختصار وذكرها ابن قتيبة بشيء من التفصيل ألا وهي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب لغضب فاطمة، ويرضي لرضاها، وأن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر».
قلت: ما ذكره المؤلف هنا من مطاعن الرافضة المشهورة على أبي بكر رضي الله عنه التي تناقلتها كتبهم القديمة. وقد رد العلماء عليهم في ذلك حتى ظهر الحق وبطل افتراء الرافضة وتلبيسهم في هذه المسألة.
وسأذكر هنا بعض الأوجه التي تندفع بها هذه الفرية مضمناً
الكلام بعض النقول المهمة عن أهل العلم في دحضها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
الوجه الأول: أن كتب الرافضة متناقضة في نقل هذه الحادثة فبعضها تذكر أن فاطمة طالبت بفدك(1) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منحها إياها،(2) وبعضها تذكر أن فاطمة رضي الله عنها طالبت بإرثها(3) وهذا تناقض واضح يدل على اضطراب القوم، وجهلهم بأصل هذه المسألة، وبالتالي سقوط ما بنوا عليها من أحكام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن ما ذكر من ادعاء فاطمة رضي الله عنها فدك فإن هذا يناقض كونها ميراثاً لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان بطريق الهبة امتنع أن يكون بطريق الإرث، ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت فرسول الله صلى الله عليه وسلم منزه إن كان يُورث كما يُورث غيره
أن يوصي لوارث، أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في صحته فلابد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلامه، ولم يقبض الموهوب شيئاً حتى مات الواهب كان ذلك باطلاً عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبي صلى الله عليه وسلم فدكاً لفاطمة ولا يكون هذا أمراً معروفاً عند أهل بيته والمسلمين، حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو علي رضي الله عنهما(4)».(5)
الوجه الثاني: أن الصحيح الثابت في هذه الحادثة أن فاطمة رضي الله عنها طالبت أبا بكر بميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليها من ذلك محتجاً--------------------------------------------
(1) قرية بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، أرسل أهلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر، وطلبوا منه أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك. فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي 4/ 238.
(2) انظر: الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للنباطي 2/ 282، وحق اليقين في معرفة أصول الدين لعبد الله شبّر 1/ 178.
(3) انظر: الاحتجاج للطبرسي 1/ 102.
(4) في هذا رد على الرافضة في زعمهم أن أم أيمن وعلياً رضي الله عنهما شهدا بمنح رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فدكاً. انظر: الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للنباطي 2/ 282.
(5) منهاج السنة 4/ 228.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نورث، ما تركنا صدقة) على ما أخرج ذلك الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا نورث، ما تركنا صدقه، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني والله لا
أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت).(1)
فقد كانت فاطمة رضي الله عنها مجتهدة في ذلك، اعتقدت أن الحق معها، ثم لما رأت من عزم الخليفة على رأيه أمسكت عن الكلام في المسألة، وما كان يسعها غير ذلك.
قال ابن حجر في توجيه اجتهادها: «وأما سبب غضبها [أي فاطمة] مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث) ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك».(2)
الوجه الثالث: أن السنة والإجماع قد دلا على أن النبي صلى الله عليه وسلم
لا يورث فيكون الحق في هذه المسألة مع أبي بكر رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «كون النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي، فلا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب غزوة خيبر) فتح الباري 7/ 493، ح 4240 - 4241، ومسلم: (كتاب الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث) 3/ 1380، ح 1759.
(2) فتح الباري 6/ 202.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عموماً فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلاً لما كان إلا ظنياً فلا يعارض القطعي، إذ الظني لا يعارض القطعي، وذلك أن هذا الخبر(1) رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصرّ أحد من أزواجه على طلب الميراث ولا أصرّ العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئاً فأخبر بقول النبي صلى الله عليه وسلم رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير من ذلك شيئاً، ولاقسم له تركة».(2)
وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال: «وقد روينا عن السفاح أنه خطب يوماً
فقام رجل من آل علي رضي الله عنه قال: أنا من أولاد علي رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على من ظلمني قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد علي رضي الله عنه والذي ظلمني أبو بكر رضي الله عنه حين أخذ فدك من فاطمة، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال: عمر رضي الله عنه، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال عثمان رضي الله عنه، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكاناً يهرب منه».(3)
وبتصويب أبي بكر رضي الله عنه في اجتهاده صرح بعض أولاد علي من فاطمة رضي الله عنهما على ماروى البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: (أما لو كنت مكان أبي بكر، لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك).(4)--------------------------------------------
(1) يشير إلى الحديث الذي احتج به أبو بكر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نورث، ما تركنا صدقه)، وقد تقدم تخريجه في الصحفة السابقة.
(2) منهاج السنة 4/ 220.
(3) تلبيس إبليس ص 135.
(4) السنن الكبرى 6/ 302، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية 5/ 253.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
كما نقل القرطبي اتفاق أئمة أهل البيت بدأً بعلي رضي الله عنه ومن جاء بعده من أولاده، ثم أولاد العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم ما كانوا يرون تملكها، وإنما كانوا ينفقونها في سبيل الله قال رحمه الله: «إن علياً لما ولي الخلافة لم يغيرها عما
عمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسين، ثم بيد عبد الله بن الحسين، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه، وهؤلاء كبراء أهل البيت رضي الله عنهم وهم معتمد الشيعة وأئمتهم، لم يُرو عن واحد منهم أنه تملكها ولا ورثها ولا ورثت عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقاً لأخذها علي أو أحد من أهل بيته لما ظفروا بها ولم فلا».(1)
فظهر بهذا إجماع الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة، وأئمة أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين، على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث، وأن ما تركه صدقة، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين وأئمة أهل البيت الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بغضب فاطمة الذي يغضب له هو: أن تغضب بحق، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، ولأحد من أهل بيته بغير حق، بل ما كان ينتصر لنفسه ولو بحق مالم تنتهك محارم الله، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها
قالت: (ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله).(2)--------------------------------------------
(1) المفهم للقرطبي 3/ 564.
(2) أخرجه البخاري في: (كتاب الحدود، باب إقامة الحدود) فتح الباري 12/ 86، ح 6786، ومسلم: (كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام) 4/ 1813، ح 2327.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
وفاطمة رضي الله عنها على جلالتها، وكمال دينها، وفضلها، هي مع ذلك ليست معصومة، بل قد كانت تصدر منها بعض الأمور التي ماكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرها عليها، وقد تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الشيء فلا يجيبها له: كسؤالها النبي صلى الله عليه وسلم خادماً فلم يعطها وأرشدها وعلياً للتسبيح كما ثبت في حديث علي رضي الله عنه في الصحيحين.(1)
وفي سنن أبي داود عن عمر بن عبد العزيز: إن فاطمة سألت الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لها فدكاً فأبى.(2)
وثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها
أن فاطمة جاءت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه).(3)
فلم يجبها النبي صلى الله عليه وسلم لشيء من ذلك، فدل على عدم موافقته لها في كل شيء، بل قد تفعل الأمر مجتهدة فتخطئ فلا يقرها عليه، وبالتالي فأن لا يغضب لغضبها من باب أولى.
وطلبها ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر من جنس ذلك، فقد كانت رضي الله عنها مجتهدة وكان الحق في ذلك مع أبي بكر للنص الصريح في ذلك، ولموافقة الصحابة له في رأيه، فكان إجماعاً معتضداً بالنص كما تقدم، فأبو بكر في ذلك قائم بالحق متبع للنص مستمسك بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، فكيف يتصور أن يسخط بفعله هذا رسول الله، وهو إنما يعمل بشرعه، ويهتدي
بهديه.--------------------------------------------
(1) انظر: صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب) فتح الباري 7/ 71، ح 3705، وصحيح مسلم: (كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم) 4/ 2091، ح 2727.
(2) انظر: سنن أبي داود: (كتاب الخراج والإمارة، باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم) 3/ 378، ح 2972.
(3) أخرجه مسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة) 4/ 1891، ح 2442.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
الوجه الخامس: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني)(1)، من نصوص الوعيد المطلق التي لا يستلزم
ثبوت موجبها في حق المعنيين، إلا بعد وجود الشروط، وانتفاء الموانع.(2) هذا مع أن ما في هذا الحديث من الوعيد لو كان لازماً لكل من أغضبها مطلقاً، لكان لازماً لعلي قبل أبي بكر، ولكان لحوقه بعلي أولى من لحوقه بأبي بكر، إذ أن مناسبة هذا الحديث هو خطبة علي رضي الله عنه لابنة أبي جهل وشكوى فاطمة له على النبي صلى الله عليه وسلم على ما روى الشيخان من حديث المسور بن مخرمة قال: (إن علياً خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد أنكحت أبا العاص ابن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد فترك علي الخطبة).(3)
وفي رواية: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن
أغضبها أغضبني).(4)
فظهر أن مناسبة الحديث هي خطبة علي رضي الله عنه لابنة أبي جهل وغضب فاطمة من ذلك، والنص العام يتناول محل السبب، وهو نص فيه باتفاق العلماء، حتى قالوا لا يجوز إخراج السبب بدليل تخصيص، لأن--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه مع ذكر رواياته في الصفحة التالية.
(2) انظر: تقرير هذه المسألة في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 10/ 372، 28/ 500 - 501.
(3) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم) فتح الباري 7/ 85، ح 3729، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) 4/ 1903.
(4) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم) فتح الباري 7/ 78، ح 3714.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
دلالة العام على سببه قطعية وعلى غيره على وجه الظهور(1) وعلى هذا فلو كان هذا الحديث متنزلاً على كل من أغضب فاطمة لكان أول الناس دخولاً في ذلك علياً رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن رده على الرافضة في هذه المسألة وبعد أن ذكر الحديث: «فسبب الحديث خطبة علي رضي الله عنه لابنة أبي جهل والسبب داخل في اللفظ قطعاً، إذ اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج سببه منه، بل السبب يجب دخوله بالاتفاق.
وقد قال في الحديث: (يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها) ومعلوم قطعاً أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي صلى الله عليه وسلم رابه ذلك وآذاه، فإن كان هذا وعيد لاحقاً لزم أن يلحق هذا الوعيد
علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيداً لاحقاً بفاعله، كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي».(2)
الوجه السادس: أن فاطمة رضي الله عنها كانت قد رجعت عن قولها في المطالبة بإرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة في الحديث والسير.
قال القاضي عياض: «وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل، تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث، ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر، وعمر رضي الله عنهم».(3)
وقال القرطبي: «فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر فكان--------------------------------------------
(1) انظر: المسودة في أصول الفقه للأئمة الثلاثة من آل تيمية: شيخ الإسلام وأبيه شهاب الدين وجده أبي البركات ص 119، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 360.
(2) منهاج السنة 4/ 251.
(3) شرح صحيح مسلم للنووي 12/ 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دل على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك ولم تعد إليه» .(1)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فهذه الأحاديث
الثابتة المعروفة عند أهل العلم، وفيها ما يبين أن فاطمة رضي الله عنها طلبت ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانت تعرف من المواريث، فأخبرت بما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت ورجعت» .(2)
وقال ابن كثير رحمه الله: «وقد روينا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت أولاً بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها سلمت له ما قال، وهذا هو المظنون بها رضي الله عنها» .(3)
فظهر بهذا رجوع فاطمة رضي الله عنها إلى قول أبي بكر وما كان عليه عامة الصحابة، وأئمة أهل البيت من القول بعدم إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو اللائق بمقامها في الدين والعلم -فرضي الله عنها وأرضاها-.
الوجه السابع: أنه ثبت عن فاطمة رضي الله عنها أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ماروى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: (لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال علي: يافاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها
يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا إبتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت) .(4)--------------------------------------------
(1) المفهم 3/563.
(2) منهاج السنة 4/234.
(3) البداية والنهاية 5/252.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 6/301.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)