الإيمان ص38 من طريق ابن نمير عن مالك بن مغول عن زبيد. قال الألباني في حاشيته على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: "والحديث معضل فإن زبيدا من الطبقة السادسة التي لم تلق أحدا من الصحابة".
وأخرجه البزار كما في كشف الأستار 1/26 ح"32"، والبيهقي في الشعب كما في الإصابة 1/303 كلاهما من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك.
قال البزر على أثره: "تفرد به يوسف وهو لين الحديث".
وقال الهيثمي: "رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به" 1.
وقال البيهقي كما في الإصابة: "منكر وقد خبط فيه يوسف فقال: مرة: الحارث، وقال مرة: حارثة" 2.
قلت: يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب: "متروك" 3.
وأما حديث عبد الله بن زيد الخطمي فأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد 1/55، وقال عنه الهيثمي: "وفي إسناده أحمد بن بديل وثقه النسائي وأبو حاتم وضعفه آخرون".
قلت: قال فيه الحافظ في التقريب: "صدوق له أوهام" 4.
لكن الحديث لو صح؛ لم يكن دليلا على منع الاستثناء في الإيمان الذي يقول به أهل السنة، بل على منع الاستثناء الذي يتضمن الشك والتردد في الإيمان، وهو محرم عند الجميع، لأنه يناقض الإيمان. فالحديث يدل--------------------------------------------
1 مجمع الزوائد 1/57.
2 الإصابة 1/303.
3 2/38
4 التقريب 1/11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
على منع الشك في الإيمان، لا على منع الاستثناء الذي يقول به أهل السنة خوفَ التزكية بدون علم مع عدم "الشك" في الإيمان. وهذا الحديث لا ينافي الاستثناء فضلا عن أن الاستدلال بهذا الحديث باطل.
وأما حديث علي فأخرجه غنجار في تاريخ بخارى، كما في حاشية ابن قطلوبغا على المسايرة 1، ولم يذكر إسناده حتى ينظر فيه، وحسبه أنه غير صحيح؛ لأنه يستبعد أن يكون هناك حديث مرفوع إسناده صحيح وتهمله جميع دواوين السنة ليحفظه لنا غنجار في تاريخ بخاري، ثم إن لفظه أشبه بلفظ الأحاديث الموضوعة البعيدة عن حسن بيانه صلى الله عليه وسلم وفصاحة تعبيره. ثم إن المستدل به لا يقول بمقتضاه وهو وجوب قول العبد: أنا مؤمن حقا بل يكفي عندهم قول: أنا مؤمن.
فواعجبا لأهل الكلام يقولون: إن أخبار الآحاد ظنية فلا يحتجون بها في العقائد، ثم يحتجون بمثل هذا الحديث الذي لا يعرف في كتب السنة المسندة، أليس هذا تناقضا واضحا؟.
وبعد فقد تبين مما تقدم ضعف القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، كما هو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه. ويقابل هذا القول قول طائفة أوجبت الاستثناء، لأن الإيمان عندهم هو ما يموت عليه صاحبه، والإنسان لا يعلم هل يموت مؤمنا أو كافرا، ولا يعتدون بالإيمان السابق قبل الموافاة 2. فعلى هذا الاعتبار قالوا بوجوب الاستثناء، ونسبه شيخ الإسلام إلى الكلابية وغيرهم ممن يرون الاستثناء مع القول بعدم تفاضل الإيمان … قال شيخ الإسلام: "وهذا المأخذ مأخذ كثير من--------------------------------------------
1 2/229.
2 مجموع الفتاوى 7/429، 430.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله؛ ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه وإنما يشك في المستقبل" 1.
فدعوى أن الإيمان المعتبر عند الله هو ما يوافي عليه العبد ربه، وأنه لا عبرة به قبل ذلك غير صحيحة، وطرد هذا أن الكافر ليس بكافر في الحال إلا بشرط أن يموت على الكفر، ثم إن هذا المعنى ليس هو تعليل السلف فهم لم يوجبوا الاستثناء لأجل هذا، وإنما قالوا بوجوبه خشية تزكية الإنسان لنفسه بدون علم. فالموافاة عندهم شرط بالفوز ودخول الجنة، لا شرط في ثبوت الإيمان في الحال.
وهناك مأخذ ثان: وهو أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله 2.
فهذا المأخذ يقتضي وجوب الاستثناء لكن لا يمنع من ترك الاستثناء إذا أريد أصل أو مطلق الإيمان. وقول الطائفتين خطأ. القول بتحريم الاستثناء مطلقا أو وجوبه مطلقا، والمذهب الحق هو الوسط؛ فلا إفراط ولا تفريط وهو الذي عليه السلف؛ فأجازوا الاستثناء باعتبار، ومنعوه باعتبار آخر، فأجازوه خوف تزكية الإنسان نفسه، ومنعوه إذا أراد المستثني الشك في أصل إيمانه 3.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 7/430.
2 مجموع الفتاوى 7/446.
3 انظر كتاب الشريعة ص136، شرح العقيدة الطحاوية ص334.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
قال الآجري: "من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم الاستثناء في الإيمان لا على جهة الشك نعوذ بالله من الشك في الإيمان، ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال بالإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟ وذلك أن أهل العلم من أهل الحق إذا سألوا: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار وأشباه هذا، والناطق بهذا، والمصدق به بقلبه مؤمن، وإنما الاستثناء بالإيمان لا يدري أهو ممن يستوجب ما نعت الله عز وجل به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا؟ هذا طريق الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك وبينه العلماء من قبلنا … "1.
ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن السلف سلكوا مسلكا وسطا في الاستثناء وتركه، وفصلوا في ذلك، فلم يقولوا بتحريم الاستثناء مطلقا كقول المرجئة، ولا بوجوب الاستثناء مطلقا كقول الكلابية، وإنما أوجبوه في حال، ومنعوه في حال، مستدلين بأدلة 2 من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} "سورة الفتح: الآية27".--------------------------------------------
1 كتاب الشريعة ص136.
2 انظر هذه الأدلة في كتاب الشريعة ص136-140؛ وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/965-985.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
وقوله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا} "سورة الكهف: الآيتان 23-24".
أما من السنة النبوية فحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" 1.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" 2.
وورد الاستثناء عن بعض الصحابة والتابعين من ذلك ما رواه أو عبيد القاسم بن سلام: "أن رجلا قال عند ابن مسعود: أنا مؤمن فقال ابن مسعود: أأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى" 3.
وروى اللالكائي عن جرير بن عبد الحميد قال: "كان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسييب--------------------------------------------
1 أخرجه مسلم كتاب الجنائز باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها 2/669 ح"102" من طريق عطاء ابن يسار عن عائشة.
2 أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب لكل نبي: دعوة مستجابة 11/96 ح"304" من طريق الأعرج عن أبي هريرة، ومسلم كتاب الإيمان باب اختيار النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته 1/188 ح"334" من طريق أبي سلمة بن عبد الله عن أبي هريرة.
3 كتاب الإيمان للقاسم بن سلام ص67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
وابن شبرمة 1 وسفيان الثوري وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني" 2.
وروى الآجري عن الفضل بن زياد قال: "سمعت أبا عبد الله ـ أحمد بن حنبل ـ يقول: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله فليس بشاك، قيل له: إن شاء الله أليس هو شك فقال: معاذ الله أليس قد قال الله عز وجل: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} "سورة الفتح: الآية27".
وفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله فأي شك ها هنا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" 3 … " 4.
إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة، فالمقصود أن من أوجب الاستثناء مطلقا؛ فقد بالغ في إثبات الاستثناء وأفرط في ذلك، ومن حرم الاستثناء مطلقا واستند إلى دعوى لم تصح وهي أن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي فحسب؛ فقد غالط وخالف النصوص وفرق. وأما من يوجبه في حال ويمنعه في حال آخر؛ فهو أسعد الناس بالدليل لحرصه على مسايرة النصوص الشرعية واتباع ما تدل عليه دون إفراط ولا تفريط.--------------------------------------------
1 هو عبد الله بن شبرمة بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء ابن الطفيل بن حسان الضبي الكوفي قال عنه ابن حجر: "أبو شبرمة الكوفي القاضي ثقة فقيه من الخامسة مات سنة أربع وأربعين ومائة".
تقريب التهذيب 1/422. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 5/250.
2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/979.
3 تقدم تخريجه.
4 كتاب الشريعة ص138.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
الفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان
اختلف الناس في مسمى الإيمان والإسلام على مذاهب:
أحدها: أن الإسلام والإيمان شيء واحد وهما مترادفان، وهذا قول البخاري على ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح 1 والمزني 2، والمروزي 3، وابن مندة 4، وابن عبد البر 5 والبغوي 6 وأبو يعلى 7.
الثاني: التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام الكلمة، والإيمان العمل. وهذا قول الزهري 8.--------------------------------------------
1 فتح الباري 1/114.
2 مسند أبي عوانة 1/49.
3 تعظيم قدر الصلاة 1/418، 2/506، 535.
4 الإيمان لابن مندة 1/321.
5 التمهيد 9/247-250.
6 شرح السنة 1/10.
7 مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص429.
8 مختصر سنن أبي داود 7/49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
الثالث: قول طائفة أجابوا بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإسلام والإيمان، حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الستة، ذكره ابن أبي العز 1 ولم ينسبه لأحد.
الرابع: ان النسبة بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق. فالإسلام أعم مطلقا والإيمان أخص مطلقا، وذلك أن الإسلام اسم لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسم لما بطن من الاعتقاد كما في حديث جبريل. فدل على أن المسلم قد يكون مؤمنا. وقد لا يكون مؤمنا أما المؤمن فهو مسلم في جميع الأحوال، فالمسلم أعم مطلقا والمؤمن أخص مطلقا. فكل مؤمن مسلم ولا عكس إذ يجوز أن يكون مسلما ولا يكون مؤمنا. وإليه ذهب الإمام أبو سليمان الخطابي 2.
الخامس: أن الإيمان والإسلام يتفقان في موطن إذا أفردا ويختلفان في موطن آخر إذا ذكرا معا، فقد يطلق الإسلام ويراد به ما يشمل الإيمان، ويطلق الإيمان ويراد به ما يشمل الإسلام كذلك، وقد يذكر الإسلام ولا يراد به الإيمان وقد يطلق الإيمان ولا يراد به الإسلام.
وحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمع مدلولهما، وإذا اجتمعا اختلف مدلولهما، وهذا قول أبي بكر الإسماعيلي 3 وابن الصلاح 4 وشيخ الإسلام 5 وابن رجب 6 وابن--------------------------------------------
1 شرح العقيدة الطحاوية ص 382.
2 مختصر سنن أبي داود 7/49، 50..
3 جامع العلوم والحكم 1/64.
4 شرح مسلم للنووي 1/147-148.
5 انظر كتاب الإيمان ص246، 257.
6 جامع العلوم والحكم 1/67، 72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
أبي العز 1. أما أبو حنيفة فهل الإسلام والإيمان عنده بمعنى واحد؟ أم أن أحدهما غير الآخر؟
فالذي ورد في الفقه الأكبر برواية ابنه حماد ما حاصله أن الإسلام والإيمان بينهما فرق من ناحية اللغة، فالإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله، والإيمان هو التصديق كما تقدم تقرير مذهبه، فيطلق الإسلام على الأعمال ظاهرة والإيمان على التصديق.
وأما من ناحية الشرع فبين الإسلام والإيمان تلازم فلا يوجد إسلام بلا إيمان ولا إيمان بلا إسلام.
قال أبو حنيفة: "والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، فمن طريق اللغة فرق بين الإسلام والإيمان، ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا يوجد إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن. والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها 2" 3.
وهذا يدل دلالة صريحة على المغايرة بين مسمى الإيمان والإسلام في اللغة لكنهما في الشرع متلازمان.
هذا وقد شرح المغنساوي كلام الإمام أبي حنيفة هذا على وفق ما تقدم ذكره وكذا القاري4.--------------------------------------------
1 شرح العقيدة الطحاوية ص383-384.
2 الفقه الأكبر ص304، 305.
3 لم أقف على مثل هذا الكلام في الكتب الأخرى عن أبي حنيفة، ومن المعلوم أن الفقه الأكبر لم يثبت أن كل ما فيه من كلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا سيما مثل هذه المباحث الكلامية الدقيقة الغامضة التي لم تكن في الصدر الأول، وإنما وجدت بعد تطور التأليف والتدوين في علم الكلام والتفريعات والتخريجات على كلام الأئمة.
4 شرح الفقه الأكبر ص130، 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
وزاد المغنساوي قائلا في شرح كلام أبي حنيفة: "ولا يوجد إسلام بلا إيمان: لأن الإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى وذلك لا يوجد إلا بعد التصديق والإقرار، فلا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى" 1.
قلت: مراده بالقوم هاهنا الحنفية الماتريدية ومعنى ترادف الاسمين مع اتحاد المعنى أن يكون لمسمى واحد اسمان فما فوق.
قال الجرجاني: "الترادف عبارة عن الاتحاد في المفهوم وقيل: هو توالي الألفاظ المفردة على شيء واحد باعتبار واحد" 2.
أما الحنفية الماتريدية فنجد بعضهم يصرح بأن الإسلام والإيمان مترادفان: منهم أبو المعين النسفي فقد قال: "فصل. وإذا عرف أالإيمان هو التصديق؛ عُرف أن الإيمان والإسلام واحد. والاسمان من قبيل الأسماء المترافة وكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم" 3.
ونرى بعضهم يصرح بأنهما واحد، كنور الدين الصابوني فقد قال: "ثم إن الإسلام والإيمان واحد عندنا خلاف أصحاب الظواهر وذلك أن الإيمان تصديق الله تعالى فيما أخبر من أمره ونواهيه والإسلام هو الانقياد--------------------------------------------
1 شرح الفقه الأكبر للمغنساوي ص35. يعني المغنساوي أن المراد من الترادف الواقع في كلام أبي حنيفة ليس هو الترادف الاصطلاحي وهو كون الاثنين لمسمى واحد كالأسد والغضنفر لهذا الحيوان المفترس، بل يقصد أبو حنيفة بالترادف التلازم بمعنى أن الإيمان لا ينفك عن الإسلام وهما متلازمان في الوجود شرعا وإن كان بينهما اختلاف في المفهوم لغة.
2 التعريفات ص77، ط / دار الكتاب العربي.
3 تبصرة الأدلة ص341/أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
والخضوع للألوهية فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكما فلا يتغايران" 1.
وعمر النسفي فقد قال: "والإيمان والإسلام واحد" 2.
وقال التفتازاني 3 في تعليل هذا القول: عين ما نقلت عن الصابوني آنفا وهكذا عبد الله النسفي فقد صرح بأنهما واحد، وقال في تفسيره لقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} "سورة الذريات: الآيتان 35-36".
قال: "وفيه دليل على أن الإسلام والإيمان واحد" 4.
والذي يظهر لي أن هؤلاء الذين قالوا بالترادف لا يقصدون الترادف الاصطلاحي بمعنى أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد، بل يقصدون أن الإسلام والإيمان في الشرع لا ينفك أحدهما عن الآخر، فهما متلازمان. وهذا يوافق ما قاله أبو حنيفة في الفقه الأكبر، ولذلك قال المغنساوي في التوفيق بين قول من قال بالترادف ومن قال بالتلازم: "وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى" 5.
وقد علمنا مما تقدم من قول الصابوني، وشارح الفقه الأكبر المغنساوي أن معنى ترادف الإسلام والإيمان كونهما متلازمين، فيرجع هذا القول في المعنى إلى ما تقدم عن الإمام أبي حنيفة من التغاير مع التلازم بين الإسلام والإيمان. أما ما ذكره أبو المعين النسفي فلا يتفق مع مذهب--------------------------------------------
1 البداية ص157.
2 العقيدة النسفية مع شرحها للتفتازاني ص128 ط/ الهندية..
3 العقيدة النسفية مع شرحها للتفتازاني ص128.
4 مدارك التنزيل 3/419.
5 شرح الفقه الأكبر للمغنساوي ص35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
أبي حنيفة ويلزم منه على قوله أن الإيمان هو التصديق، وأن الإسلام كذلك هو التصديق.
قال ابن أبي العز في مناقشة القول بأن الإسلام والإيمان مترادفان: "وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان … مع أنهم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيء واحد فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت" 1 … "2.
واستدل أبو المعين النسفي بما يأتي:
1- قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} "سورة آل عمران: الآية85".
2- قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} "سورة آل عمران: الآية19".
3- قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} "سورة الذريات: الآيتان 35-36".
4- وقوله تعالى حكاية عن موسى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} "سورة يونس: الآية84".
5- وقوله تعالى: {إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} "سورة الروم: الآية53".--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري كتاب قيام الليل باب التهجد 3/2 ح"1120"، ومسلم كتاب صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل 1/533 ح"769"، كلاهما من طريق طاوس عن ابن عباس.
2 شرح العقيدة الطحاوية ص382، 3853.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
6- قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة" 1، وفي رواية: "إلا نفس مسلمة"2.
الجواب عن أدلة أبي معين النسفي:
"أ" أن يقال: إن غاية ما في هاتين الآيتين: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ … } {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} أن كل دين غير دين الإسلام باطل. وليس فيهما إشارة إلى أن الإسلام المذكور في هاتين الآيتين هو الإسلام الشرعي المتضمن للإيمان الشرعي. وليس المراد بالإسلام في هاتين الآيتين الانقياد ظاهرا فقط، فلا دلالة في هذه الآية على أن الإسلام والإيمان مترادفان.
"ب" أما قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
فغاية ما في هذه الآية جواز إطلاق المؤمن على المسلم وليس فيهما إشارة إلى ترادفهما.
قال ابن أبي العز: "فلا حجة فيه لأن أهل البيت المُخرَج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادف" 3.
وأيضا رد هذا الاستدلال أحد أئمة الحنفية الماتريدية الهندية--------------------------------------------
1 أخرجه أحمد 1/79، والترمذي كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة 5/276 ح"3092"، والحاكم في المستدرك 4/178، جميعهم من طريق زيد بن يثبع عن علي بن أبي طالب. قال الترمذي: "هذا حديث حسن" وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي.
2 أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه 1/105، 106 ح"178" من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة.
3 شرح العقيدة الطحاوية ص387 ط دار البيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
عبد العزيز الفريهاري حيث قال: "الاستثناء لا يلزم اتحاد االمستثنى والمستثنى منه، بل يجوز أن يكون الأول أعم، كقولك أخرجنا العلماء فلم نجد إلا النحاة" 1.
"ج" وأما الاستدلال بقوله تعالى حكاية عن موسى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} "سورة يونس: الآية84".
وقوله تعالى: {إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} "سورة الروم: الآية53".
يقال: غاية ما في هاتين الآيتين صحة إطلاق المسلم على المؤمن لأن الإسلام والإيمان مترادفان أعني أن هؤلاء كانوا مسلمين مؤمنين ولا يلزم من ذلك الترادف بين الإسلام والإيمان، أو أن كل مؤمن مسلم، كإطلاق الكتاب على القرآن فهما ليسا مترادفين؛ إذ كل منهما يدل على معنى في القرآن، وإن كان المسمى واحدا وهو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما قوله تعالى: {إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} "سورة الروم: الآية53".
ففيه أن من آمن الإيمان الشرعي المتضمن الإقرار والعمل، فلا شك أنه مسلم لكن ليس فيه دليل على كون الإيمان والإسلام مترادفين.
قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية: "لأن الذي يؤمن بآياتنا إذا سمع كتاب الله تدبره وفهمه وعقله وعمل بما فيه وانتهى إلى حدود الله الذي حد فيه فهو الذي سمع السماع النافع" 2.--------------------------------------------
1 النبراس ص413.
2 تفسير ابن جرير 21/56.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
"د" وأما الاستدلال بحديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة"، وفي رواية: "إلا نفس مسلمة".
يقال: غاية ما في هذا الحديث جواز إطلاق المؤمن على المسلم وبالعكس، لكن هل فيه أن الإسلام والإيمان مترادفان، بمعنى أنهما اسمان لمفهوم واحد؟
لأن النفس المؤمنة التي تدخل الجنة هي مسلمة، وكذا النفس المسلمة التي تدخل الجنة هي مؤمنة. وليس المراد من الإسلام الانقياد ظاهرا كإسلام المنافقين، كما أنه ليس المراد من الإيمان مجرد التصديق بدون العمل والإقرار؛ فهذا لم يقصده رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الذي صدق بقلبه فقط ولم يقر بلسانه ولم يعمل بالأركان فهذا ليس من المؤمنين، كما أنه ليس من المسلمين؛ فلا يدخل الجنة.
الترجيح:
الذي يظهر لي أن الراجح قول من يقول إن الإسلام والإيمان يتفقان في موطن ويختلفان في موطن آخر، فقد يطلق الإيمان ويراد به الإسلام، وبالعكس، وقد يطلق الإسلام على الأعمال الظاهرة، ويطلق الإيمان على الأعمال القلبية؛ لأنه قول وسط وبه تجمع النصوص الشرعية المختلفة، لأن للإيمان حقيقة لغوية وحقيقة شرعية، وهكذا للإسلام حقيقة لغوية وحقيقة شرعية. فباعتبار الحقيقة اللغوية يفترق الإسلام والإيمان، وباعتبار الحقيقة الشرعية يتضمن الإيمان الإسلام.
وكذا يستلزم الإيمان الإسلام هذا مقتضى النصوص الواردة في الكتاب والسنة.
وحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا اختلفا في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
مدلولهما وإذا افترقا اجتمعا في مدلولهما، وذلك مثل ألفاظ الفقير مع المسكين والبر مع التقوى والفحشاء مع المنكر، والخير والمعروف، والإثم والعدوان 1 ونحوهما من الألفاظ التي فيها اشتراك في موطن وافتراق في موطن آخر بحسب التقييد والإطلاق. فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل؛ ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال القلبية، فالإسلام في هذا الحديث الإيمان المقيد باعتقاد القلب، وليس المراد من الإسلام والإيمان الإيمان المطلق، والإسلام المطلق، لأن الإيمان المطلق يتضمن الإسلام والإسلام المطلق يتضمن الإيمان.
ففي حديث جبريل لما اجتمع الإسلام والإيمان افترق مدلوهما وترى في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} "سورة آل عمران: الآية19" ذكر الإسلام بدون الإيمان.
فالمراد من الإسلام هنا الإسلام المطلق الشامل للإيمان، لأنه ليس المراد الإسلام الظاهر فقط، بل المراد الإسلام الذي يشمل الأعمال الظاهرة والأعمال القلبية، وهكذا لفظ الإيمان في حديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة" يراد به الإيمان المطلق المتضمن للإسلام، وليس المراد بالإيمان هنا الإيمان المقيد الذي هو التصديق بالقلب فقط دون الإقرار باللسان والعمل بالأركان، ولذلك صح لنا أن نقول: إذا افترق الإيمان والإسلام اتفق مدلولهما. ثم يجب ألا يفهم أحد من قولنا: إذا اجتمعا افترقا أن الفرق بين الإسلام والإيمان فرق التباين والمغايرة الضدية بحيث لا يجتمعان في محل واحد كما هو الشأن في المتضادين المتباينين، لأن هذا المعنى ليس--------------------------------------------
1 انظر كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ص153-159، وشرح العقيدة الطحاوية ص392، ط. المكتب الإسلامي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
المقصود من التفريق، بل المراد من هذا التفريق بين الإسلام والإيمان أن لكل واحد مسمى غير الآخر مع التلازم بينهما تلازم الروح والبدن، فقد شبه شيخ الإسلام التلازم والتباين بين الإسلام والإيمان بالروح والبدن، فالروح شيء والبدن شيء إلا أنه لا حياة للبدن بلا روح والروح لا بد لها من بدن. فالإيمان كالروح والإسلام كالبدن فهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما غير الآخر 1.
قال ابن أبي العز مبينا ارتباط الإسلام والإيمان: "لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذاً لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان يصح به إسلامه" 2.
فالمقصود أن الفرق بين الإسلام والإيمان ليس للتضاد والتباين بل لأجل أن لكل منهما حقيقة لغوية وشرعية يجب اعتبارها، مع التلازم بينهما بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر كالشهادتين، لأنه لكل من الشهادتين 3 حقيقة غير حقيقة الأخرى، مع التلازم بينهما، وعدم انفكاك إحداهما عن الأخرى.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 7/367.
2 شرح العقيدة الطحاوية ص392، ط/ المكتب الإسلامي ط/ الخامسة.
3 شرح العقيدة الطحاوية ص392، ط/ المكتب الإسلامي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
الفصل الخامس: حكم مرتكب الكبيرة
تمهيد
في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وتعريف الكبيرة والصغيرة:
اختلف العلماء في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر على قولين:
1- ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر 1.
2- وشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر ليس فيها صغائر 2.
ونسب هذا القول إلى الخوارج القاضي عبد الجبار 3، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية 4، ونسب النووي والحافظ ابن حجر هذا القول--------------------------------------------
1 شرح مسلم للنووي 2/85؛ وفتح الباري 10/409؛ والمرقاة في شرح المشكاة 1/121.
2 انظر فتح الباري 10/409؛ والمراعاة 1/121.
3 انظر شرح الأصول الخمسة ص632.
4 انظر فتح الباري 10/409.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
إلى أبي إسحاق الإسفراييني. وقال أيضا: "وحكى القاضي عياض هذا المذهب عن المحققين" 1.
ونسب الحافظ ابن حجر هذا القول إلى الباقلاني وأصحابه 2.
قلت: روي هذا أيضا عن ابن عباس رضي الله عنه 3، ولكن قال القرطبي على ما قاله الحافظ: "ما أظنه يصح عن ابن عباس؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر" 4.
قلت: لو سلمت صحته؛ فيحمل على قوله الآخر المفسر المفصل في تحديد الكبيرة 5.
وقد تفلسف إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني فقال: "كل ذنب كبيرة بالنسبة إلى حق الله تعالى، وإن كان في الذنوب تفاوت في الصغر والكبر فيما بينهما" 6.
وقد نوه الحافظ ابن حجر بكلام الجويني هذا بعض التنويه 7. ولكن الحقيقة أن كلامه هذا من قبيل القياس الفلسفي، بل الحق أن من الذنوب كبائر وصغائر.
قال أبو حامد الغزالي: "إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه" 8.--------------------------------------------
1 شرح مسلم للنووي 2/84؛ وفتح الباري 10/409.
2 انظر فتح الباري 10/409.
3 رواه ابن جرير في تفسير 5/40.
4 فتح الباري 10/410.
5 انظر حد الكبيرة عند ابن عباس في تفسير ابن جرير 5/4.
6 انظر الإرشاد ص328؛ وشرح الإرشاد لأبي بكر الميموني ص631، 632.
7 انظر فتح الباري 10/409، 410.
8 شرح مسلم للنووي 2/85؛ وفتح الباري 10/409؛ عن كتاب البسيط للغزالي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
وقال النووي والحافظ ابن حجر: "وقد تظاهر على ذلك ـ أي على الفرق ـ دلائل الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة وخلفها" 1.
وقال ابن القيم في الجواب الكافي: "الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف" 2.
وقال في المدارج: "الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن وإجماع السلف" 3.
أما القرآن فقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} "سورة النساء: الآية31".
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ} "سورة النجم: الآية32".
أما من السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرّات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" 4.
ثم اختلف القائلون بانقسام الذنوب في حد الكبيرة والصغيرة على ضربين:
الأول: من حصر الكبيرة في عدد معين ثم اختلفوا فقيل: هي--------------------------------------------
1 شرح مسلم للنووي 2/85؛ وانظر فتح الباري 10/409؛ والمرقاة 1/121.
2 الجواب الكافي ص186.
3 مدارج السالكين 1/342.
4 أخرجه مسلم كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس 1/209 ح"233"، من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)