فقال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)}. فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها)(1).
3) أنها جاءت على مقطعين: مقطع ثقيل، وهو: (ضيـ)، ومقطع خفيف، وهو: (زى).
4) أنها جاءت بعد غنتين: خفيفة حادة بعد: (إذاً) وثقيلة متفشية بعد: (قسمةٌ).
5) (أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف أيضاً)(2).
قلت: لعل الرافعي يعني بالمعاني الأربعة تلك المعاني الآنفة التي أيد بها نظريته في تأكيد وقوع كلمة: {ضِيزَى} في مكان يزيل غرابتها.
والحق أن هذا الكلام فيه نظر كبير؛ للأمور الآتية:
أولاً: ما قدمه الرافعي ادعاء منه رحمه الله بأن المعاني الأربعة التي جاء بها صحيحة ولا نزاع فيها، وادعاء منه أيضاً بأن عدد المعاني لا يزيد عن أربعة، فكيف سيفعل لو جاء أحد بمعنى خامس يؤيد وقوع الكلمة موقعها الصحيح على النسق الذي يقبله القلب والعقل واللسان.--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 158.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
ثانيا: إن ما ذكره في النقطة الثانية من أن غرابة الكلمة جاءت وفق غرابة الأقوال والأفعال الشنيعة التي ارتكبوها. أقول: إن هذا إثبات واضح وصريح منه بغرابة الكلمة، وهذا ليس بصحيح، بل إن الكلمة ليست غريبة أبداً، في عصر من نزلت فيهم الكلمة على أقل تقدير، وإذا كانت غريبة على قوم فلا يعني هذا إثبات غرابتها المطلقة.
ثالثا: إن قوله بالتناسب بين جرس الكلمة وغرابتها وبين الفعل الذي تدل عليه غير صحيح، لأنه يلزم منه أن المواضع التي جاءت الأفعال فيها بشعة وجاء التعبير عنها بمفردات خفيفة معروفة غير مستغربة ينافي البلاغة، وكيف يفعل في المواضع التي كانت أفعال الخلق فيها أبشع وأفظع مما جاء في هذا الموضع، وجاء التعبير عنها بألفاظ يرى هو رحمه الله وغيره أنها ليست غريبة ولا ثقيلة.
رابعاً: انه ذكر بأن لفظ كلمة: {ضِيزَى} غريب. وهذا مناف تمام المنافاة للمعاني التي ذكرها في كونها خفيفة لطيفة من كونها اشتملت على غنتين، وجاءت مقسومة على مقطعين ونحو ذلك من الكلام الذي نظّر به في تأييد نظريته الصوتية.
وأقتصر في الجواب عن كلامه بهذه الإلماحات الخفيفة، فليس المقام مقام الرد التفصيلي، فنظريته رحمه الله كلها تحتاج إلى تحقيق أكثر وتقييم وتقويم أوسع(1).
ثالثاً: الجمل وكلماتها
ثم تكلم الرافعي عن فرع نظريته الثالث، وإجمال هذا الفرع بما يأتي:--------------------------------------------
(1) وأقصد هنا خصوص رأيه في نظرية النظم، والذي وصفه المؤلفون والباحثون المعاصرون بأنه نظرية جديدة مبتكرة، وهو حقاً مما تميز به الرافعي رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
1) يرى الرافعي أن الجملة هي مظهر الكلام وأنها الصورة النفسية للتأليف الطبيعي، إذ يحيل بها الإنسان هذه المادة المخلوقة في الطبيعة إلى معان تصورها في نفسه. أو تصفها حتى ترى النفس هذه المادة المصورة وتحسها.
2) كما يرى أن القرآن الكريم كله كأنه صورة واحدة من الكمال، وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب ومواضيع التأليف وألوان التصوير، وأغراض الكلام.
3) ويرى -أيضاً- أن العرب أوجدوا اللغة مفردات فانية، وأما القرآن فقد أوجدها تراكيب خالدة.
4) ويرى أنه ليس للعربية إلا معجم تركيب واحد هو القرآن الكريم، مع وجود معجمات كثيرة تجمع مفرداتها وأبنيتها.
5) يقسم الرافعي الكلام إلى طبقات متفاوتة، يظهر من خلال هذه الطبقات علو طبقة القرآن الكريم على سائر الطبقات، وهي:
أ- الكلام الطبيعي: وهو أن يركب الكلام على أصل من التركيب لا يتأدى بالمعاني إلى أبعد من مظاهر الحس، وهذا الكلام لا يزيد من فضيلة المتكلم أكثر مما تزيد الحواس نفسها في هذا المتكلم من فضيلة الإنسانية.
ب- الكلام النفسي الذي يضيف إلى صفة المتكلم صفة البلاغة ويرتفع به عن أن يكون إنسانا من الجنس إلى أن يكون -بفضيلة البلاغة- مادة إنسانية لجنس الإنسان. ويجب أن تكون صفة هذا الكلام في أوضاعه ومعانيه إذا خرج: (وكأنه تصرف من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
الحواس في أنواع الإدراك ودرجاته كتصرف النظر في اكتناه الجمال وإدراك معانيه؛ أو السمع في استبانة الأصوات وحس نغماتها، إلى ما يشبه ذلك من صنع سائر الحواس في كمالها العصبي)(1).
ج- (الكلام الذي يبين البليغ ويفرده من قومه ويجعله مهوى قلوبهم وصمت أبصارهم، إذ يكون في نفسه من هذه القوة البيانية ما يجعله خليقا أن يعتده التاريخ أحد المجامع النفيسة في الأرض)(2). وهذا هو كلام البلغاء والشعراء والأنبياء، وهو في الطبقة العليا من هذا النوع.
د- الكلام المعجز. وأتركك مع الرافعي في وصفه لهذا الكلام حيث يقول: (فإذا بعد الكلام وأمعن حتى يكون بدقائق تركيبه وطرف تصويره كأنما يفيض النفس على الحواس إفاضة، ويترك هذا الإنسان من الإحساس به كأنه قلب كله، ثم يبلغ من ذلك إلى أن يكون روح لغة كاملة وبيان أمة برفتها، لا يحيله الزمن عن موضعه، ولا يقلبه عن جهته، وإلى أن يجعل البلغاء على تفاوتهم فيما بينهم، وعلى اختلاف عصورهم وأسبابهم المتلاحقة، وكأنهم معه طبقة واحدة وفي طوق واحد من العجز؛ يعنيهم طلبه، ويعنتهم إدراكه ويعرفون تركيبه ثم لا يجدون له مأتى من النفس ولا وجها من القدرة فذلك هو الكلام المعجز)(3).--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 163.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 163.
(3) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
إن القرآن هو معجزة الطبيعة الكلامية التي لم تعرف البشرية مثلها، وما انعقد إجماعها يوماً من الأيام على غير القرآن، ولن يزول هذا الإجماع ما بقي في الأرض لفظ من العرب.
(وإنما اطرد ذلك للقرآن من جهة تركيبه الذي انتظم أسباب الإعجاز من الصوت في الحرف، إلى الحرف في الكلمة، إلى الكلمة في الجملة، حتى يكون الأمر مقدراً على تركيب الحواس النفسية في الإنسان تقديراً يطابق وضعها وقواها وتصرفها، وذلك إيجاد خلقي لا قبل للناس به ولم يتهيأ إلا في هذه العربية عن طريق المعجزة التي لا تكون معجزة حتى تخرق العادة، وتفوت المألوف، وتعجز الطوق)(1).
هذا ملخص ما ذكره الرافعي في جزء نظريته الثالث، ولا يتسع المقام للتفصيل في شرح مقالته، والنظر في دقة تقسيماته، فلهذا موطن آخر بإذن الله تعالى.
الفرع الرابع مقارنة بين نظم عبد القاهر ونظم الرافعي
من خلال ما تقدم أجدني مضطراً لبيان الفروق بين نظرية النظم عند عبد القاهر وعند الرافعي -رحمهما الله تعالى- فأقول:--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
1) إن الرافعي لم يحصر فكرة النظم في توخي معاني النحو وقواعده، كما فعل عبد القاهر، وقد نص عبد القاهر على هذا حيث قال: (اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها)(1).
وقد أيد عبد القاهر بأمثلة كثيرة، كتلك الفروق بين جمل: («زيد منطلق» و «زيد ينطلق»، و «ينطلق زيد» و «منطلق زيد»، و «زيد المنطلق» و «المنطلق زيد» و «زيد هو المنطلق»، و «زيد هو منطلق»)(2).
وكقولنا: («جاءني زيد مسرعا»، و «جاءني يسرع»، و «جاءني وهو مسرع أو وهو يسرع» و «جاءني قد أسرع» و «جاءني وقد أسرع»)(3).
2) لقد كان بحث الرافعي أوضح في المرحلتين اللتين سبقتا في الترتيب المرحلة التي بحثها عبد القاهر، وهما: الحروف وأصواتها، والكلمات وحروفها، على حين أن عبد القاهر ركز أكثر على مرحلة ما سماه: الجمل وكلماتها.
فالعلاقة بين الحرف وصوته والكلمة وحروفها أخذت حيزاً كبيراً عند الرافعي، وهذا الذي تميز به عن كثير ممن سبقه من الذين حصروا النظم في المرحلة الثالثة -إن صح التعبير-.--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز، الجرجاني، ج 1، ص 81.
(2) دلائل الإعجاز، الجرجاني، ج 1، ص 81.
(3) دلائل الإعجاز، الجرجاني، ج 1، ص 81.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
ومن خلال قراءاتي لكتاب الرافعي في الإعجاز وكتبه الأخرى التي عرض فيها لنظريته في النظم شعرت بأن نظرية الرافعي جاءت رداً ذكياً على بعض نظريات السابقين، وكنت أشعر في كثير من المواطن أن الرافعي -أو كأنه- يوجه كلامه إلى عبد القاهر خصوصاً وكل من قال بقوله في النظم عموماً.
ولو رجعنا إلى الوراء لوجدنا من عبد القاهر نظرة استشرافية وإطلالة توقعية على المستقبل، حيث جاء في كلامه تصريح في أن النظم لا يجوز أن يكون في نحو ما ذكره الرافعي، يقول في ذلك: (ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: «حروف منظومة»، و «كلم منظومة».
وذلك أن «نظم الحروف» هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضى عن معنى، ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسماً من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب»، لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد، وأما «نظم الكلم» فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس. فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو «النظم» الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيراً للنسخ والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى يكون لوضع كلٍّ حيث وضع علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح)(1).--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز، الجرجاني، ج 1، ص 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
ولعمر الحق إن ما قاله عبد القاهر أظهر مما قاله الرافعي، ولو أردنا أن نضع نظرية الرافعي في ميزان النقد العلمي متجردين من عذوبة عبارته وبلاغة تراكيبه وجمال صياغته لوجدنا فيها أمورا كثيرة ليست مضطردة، ولا تنطبق على جميع آي القرآن الكريم، ولما استطعنا أن نستخرج منها مسلّمة نستدل بها في مقامٍ عنوانُه التحدي والمناظرة كالإعجاز، فضلاً عن أن كل ما ذكره من جماليات الصوت وجرسها تجده موجوداً في الكلام العربي من غير القرآن الكريم، وإن ادعى رحمه الله عدم وجودها، إلا أنا لا نوافقه على ادعائه.
3) ومما يختلف فيه الرافعي عن عبد القاهر أن تناوله لنظرية النظم كان مرتباً متناسقاً، على خلاف صنيع عبد القاهر، وهذه سمة كثير من المؤلفات المعاصرة، في الإعجاز وفي غيره، وهو أمر طبيعي يتناسب مع تأخر الرافعي الزمني الكبير عن عبد القاهر. ولذلك كان أغلب الهم عند عبد القاهر إثبات نظريته الخاصة بتفصيلاتها، معتمداً في ذلك على فكره ونظره تأصيلاً وتطبيقاً.
4) يرى الرافعي أن الكلمة الواحدة من الجملة، أو الحرف الواحد من الكلمة قد يكون أبلغ في الإيحاء والتصوير من بعض التراكيب.
قلت: وهذا لا يسلم للرافعي بالصورة التي ذكرها، وإن سلم له فإنه لا يدخل في باب الإعجاز، فشرط الإعجاز عجز الناس عن أن يأتوا بمثله، وما ذكره الرافعي في الأصوات والحروف لا يختلف فيه القرآن عن غيره، بل إن القرآن الكريم جاء بلسان العرب، كلماتٍ وحروفاً وأصواتاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
5) ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن الرافعي رحمه الله في درسه الإعجازي هذا، لم يكن هو مخترع هذا النمط ولا مكتشفه الأول، ومن اطلع على كتب المتقدمين عرف أنهم أشاروا إلى ما بحثه الرافعي، وذكروا عليه أمثلة كثيرة، وخذ مثالاً على ذلك صنيع ابن سنان الخفاجي وغيره. مع اعترافنا بأن بحث المتقدمين -وإن لم يكن مرتباً منظماً- إلا أنه أقوى في مادته من بحث المعاصرين وأمكن وأمتن(1).--------------------------------------------
(1) للاستزادة في هذا الموضوع انظر: النظم بين عبد القاهر الجرجاني ومصطفى صادق الرافعي: نحو رؤية متكاملة للإعجاز، محمد عاشق مونغم، مجلة البصيرة الإسلامية، المجلد 5، العدد 1، 2022.
وانظر أيضاً: جماليات النظم عند مصطفى صادق الرافعي من خلال كتابه إعجاز القرآن، رسالة ماجستير في كلية الآداب واللغات، قسم اللغة والأدب العربي، للطالب محمد توامة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الفصل الثالث أشهر وجوه إعجاز القرآن الكريم
* المبحث الأول: الإعجاز البياني.
* المبحث الثاني: الإعجاز الغيبي.
* المبحث الثالث: الإعجاز التشريعي.
* المبحث الرابع: الإعجاز العلمي.
* المبحث الخامس: الإعجاز العددي
* المبحث السادس: الإعجاز التأثيري.
* المبحث السابع: الآيات التي فيها عتاب النبي صلى الله عليه وسلم.
* المبحث الثامن: الصرفة.
* المبحث التاسع: مظهر النبي صلى الله عليه وسلم عند هبوط الوحي عليه.
* المبحث العاشر: المباهلة.
* المبحث الحادي عشر: أن إعجاز القرآن شيء لا يمكن التعبير عنه.
* المبحث الثاني عشر: اشتمال القرآن الكريم على الفصاحة.
* المبحث الثالث عشر: اشتمال القرآن الكريم على الحِكَم البالغة.
* المبحث الرابع عشر: عدم الاختلاف والتناقض بين معانيه.
* المبحث الخامس عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له.
* المبحث السادس عشر: التحدي للكافة.
* المبحث السابع عشر: قياسه بكل معجزة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
مقدمة
سأذكر -بحول الله وقوته- في هذا الفصل أشهر وجوه الإعجاز، وكنت أود أن آتي على جميع وجوه إعجاز القرآن الكريم التي ذكرها العلماء وحللوها ونقدوها وميزوا بين ما يصح منها أن يكون وجهاً من وجوه إعجاز القرآن الكريم وما لا يصح، ولكني آثرت الاختصار والإيجاز، ففيما ذكرته -بإذن الله- غُنية عما لم أذكره؛ حيث إنني دللت بالمذكور على المتروك، دلالة المثال على مثيله، ودلالة النظير على نظيره.
ومن خلال استطلاعي لمناهج العلماء في عرضهم لوجوه الإعجاز -التي ذكرت- على أنها كذلك، وجدت أموراً مشتركة وأسباباً متحدة في رد كثير من وجوه الإعجاز أو قبولها أو نقد بعض مفرداتها؛ فعمدت أن أسردها مفصلة في البداية، ثم حاولت أن أجمع بين ما تشابه من الوجوه مع غيره في سبب رده ونقده، على طريقة الباحثين في علم النظائر والقرائن، وجعلت ذلك ذكراً فقط، ففي الشرح المتقدم مجال أرحب وأوسع لمن أراد الاستزادة والاستفصال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
المبحث الأول الإعجاز البياني في القرآن الكريم
قبل أن أخوض غمار هذا الوجه، أود أن أبين أن إعجاز القرآن البياني هو أشهر وجوه الإعجاز على الإطلاق، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة أختار منها:
أولاً: إنه قول الغالبية العظمى من المحققين والمدققين في علوم إعجاز القرآن الكريم.
ثانياً: إنه ينتظم آيات القرآن الكريم كلها، على حين أن وجوه إعجاز القرآن الأخرى -أغلبها- لا تنتظم إلا عدداً من آيات القرآن. وجمهور العلماء على أن قدراً من القرآن الكريم هو أقل مقدار للتحدي، فبعدم انتظام الوجه الإعجازي لبعض ما وقع به التحدي ينتفي التحدي.
ثالثاً: إنه لا تنافي بين القول بالبيان وجهاً من وجوه الإعجاز، والقول بوجوه الإعجاز الأخرى، فالعلاقة بينها ليست علاقة تضاد ولا تناقض.
رابعاً: إن الذين قالوا بوجوه إعجازية أخرى -غير البياني- لم ينف أكثرهم انضمامها إلى الإعجاز البياني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
خامساً: إن إعجاز القرآن البياني هو أقل وجوه الإعجاز التي أثيرت حولها الشبه والإشكالات، خلافاً لغيره من وجوه الإعجاز، كالعلمي -مثلاً- أو التأثيري أو العددي ونحوها(1).
ولقد اختلفت مناهج العلماء في بحثهم لمسائل الإعجاز البياني، واخترت منها المنهج المتسلسل في الكلام على المفردة أولاً ثم ما جاء في التراكيب، ممثلاً على ذلك بمثال أو مثالين فقط، خشية الإطالة.
المطلب الأول المفردة القرآنية
الفرع الأول اختيار المفردة القرآنية
أخذت المفردة القرآنية حيزاً كبيراً في كتابات اللغويين -قديماً وحديثاً- بما يدل على علو شأنها ورفعة مكانتها في الدرس اللغوي، وكان لها دورها الواضح وأثرها البالغ في--------------------------------------------
(1) قلت: هذا من حيث العموم والواقع، أما من حيث التحقيق والتدقيق فلا إشكال يسلم في كل ما طرحه المشككون في بيان القرآن الكريم وبلاغته ونظمه، ولا أقصد بهذا الكلام التسليم بكل جزئية أو اجتهاد قال به أحد الباحثين قديماً وحديثاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
التدليل على مفردات إعجاز القرآن الذي انطلق في كثير من قضاياه من الظاهرة اللغوية التكاملية بين المفردة من حيث هي مفردة، وبين التراكيب التي تمثل المفردةُ أحد أركانها القائمة عليها.
وإذا أردت أن تمثل على براعة القرآن الكريم في استعمال المفردة من حيث هي مفردة، فلا عليك إلا أن توقع بصرك على أي مفردة من مفرداته، ثم أن تُمعن بصيرتك وتحرك همتك في البحث عن دلائلها وبراهينها وشواهد بلاغتها.
انظر -مثلاً- إلى الكلمات التي تكونت منها الآية الرابعة من سورة النساء: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)} [النساء: 4]، ومنها: {وَآتُوا}، {صَدُقَاتِهِنَّ}، {نِحْلَةً}، {طِبْنَ}، {فَكُلُوهُ}، {هَنِيئًا}، {مَرِيئًا}. أقول: انظر كيف أدت كل كلمة من هذه الكلمات رسالة خالدة في منظومة العقد الاجتماعي الإسلامي الفريد؛ لتؤسس فكراً مبنياً على تكريم المرأة واحترامها وتقديرها، وأن القضية هنا ليست قضية مالية -فحسب-، وإنما هي إثبات شخصية وتأكيد هوية.
قال ابن عاشور: (وسميت الصدقات نحلة إبعاداً للصدقات عن أنواع الأعواض، وتقريباً بها إلى الهدية، إذ ليس الصداق عوضاً عن منافع المرأة عند التحقيق … ، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراما لزوجاتهم)(1).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 4، ص 230 - 231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
إن هذه المفردات كلها جاءت لتبين للعالم أجمع؛ كيف يتعامل الإسلام مع مال المرأة تمليكاً وتبرعاً وتصرفاً. ويكفينا في ذلك اختيار كلمة {نِحْلَةً} في التمليك، واختيار كلمة {طِبْنَ} في التبرع، فلم يقل أعطين أو وهبن أو سمحن، بل قال: {طِبْنَ} وهذا اللفظ يدل على كمال الرضا والقبول في إعطاء المهر أو التنازل عنه أو عن شيء منه. فالحكم إذن: لا يجوز للرجل أن يأخذ شيئا من مهر زوجته، إلا إذا تحقق طيبُ نفسها ورضاها التام بذلك.
يقول الزمخشري: (فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق، وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم. {فَكُلُوهُ} فأنفقوه. قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا)(1).
ولو رجعنا إلى دلالة {طِبْنَ} في معجمات اللغة العربية لعرفنا قيمة استعمال المفردة القرآنية في سياقها.
يقول الآلوسي عند قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ (هَنِيئًا مَرِيئًا) (4)}: (ولا تأنفوا وتتكبروا عن ذلك، وهذا أيضا نوع من التربية؛ لما فيه من التخلية عن الكبر والأنفة والتحلية بالتواضع والشفقة)(2).--------------------------------------------
(1) الكشاف، الزمخشري، ج 1، ص 470.
(2) روح المعاني، الآلوسي، ج 2، ص 420.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وأخيراً أقول: إن هذا الباب أصل واسع، أمثلته كثيرة، تعدادها كل كلمات القرآن، فليس موضع إلا واختير له من مفردات اللغة العربية ما لو أدرت عجلة البحث على أن تجد غيرها ما وجدت.
الفرع الثاني الاسم والفعل
ومن بيان القرآن وإعجازه أنه يستعمل الاسم في الآية ثم يستعمل الفعل في الآية المشابهة؛ لنكتة بلاغية ولطيفة بيانية، تتوافق مع السياق، وتتناظم مع السباق واللحاق، ففي قوله تعالى: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي (وَأَنْصَحُ) لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)} [الأعراف: 62] استعمل الفعل: {وَأَنْصَحُ}، وأما في قوله تعالى: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ (نَاصِحٌ) أَمِينٌ (68)} [الأعراف: 68]، فقد استعمل الاسم: {نَاصِحٌ}. فلماذا هذا الاختلاف والتنويع بين الاسمية والفعلية في الاستعمال.
والجواب عن ذلك أن (أنصح لكم) جاءت على لسان نوح عليه السلام رداً على ما اتهمه به قومه من الضلال الذي هو فعل يفعله الضال، وشأن الفعل أن يتجدد ويتعدد، أما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
السفاهة فهي صفة من صفات النفس الثابتة، فجاء جواب هود عليه السلام بما يدل على الثبات، رداً على التهمة التي يشعر لفظها بالثبات، فقال: {نَاصِحٌ}(1).
وقال ابن عاشور: (فنوح قال ما يدل على أنه غير مقلع عن النصح للوجه الذي تقدم، وهود قال ما يدل على أن نصحه لهم وصف ثابت فيه متمكن منه، وأن ما زعموه سفاهة هو نصح)(2). وما قلته ليس بعيداً عما ذكره ابن عاشور رحمه الله آنفاً، بل يؤيده ويقرره.
الفرع الثالث بلاغة الحرف في القرآن الكريم
ومن بديع ما جاء في القرآن الكريم في استعمال الحرف تنوع النظم في التعدية بالباء واللام، وأضرب على ذلك مثالاً؛ التنوع الذي ذكر في الآيات الآتية:
1) قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ (آمَنْتُمْ بِهِ) قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)} [الأعراف: 123].
2) قوله تعالى: {قَالَ (آمَنْتُمْ لَهُ) قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} [طه: 71].--------------------------------------------
(1) ملاك التأويل، ابن الزبير، ج 1، ص 197. وانظر أيضا: درة التنزيل، الإسكافي، ج 2، ص 604.
(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 8، ص 203.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
3) قوله تعالى: {قَالَ (آمَنْتُمْ لَهُ) قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)} [الشعراء: 49].
ومن كلام المفسرين في توجيه هذه الآية أن الضمير في: (به) يعود على الله تعالى، وفي: (له) يعود على موسى عليه السلام. وإما أن يكون الضميران كلاهما عائدين إلى موسى عليه السلام، فتكون الآية الأولى كقولنا: آمن بالرسول، ويكون المعنى في الآيتين الأخريين: آمنتم من أجله وأجل ما أتى به من الآيات.
أو أن يكون المعدى بالباء دالاً على التصديق، والمعدى باللام دالاً على الانقياد والإذعان، يقول ابن الزبير: (الباء في قوله: {آمَنْتُمْ بِهِ} واللام في {آمَنْتُمْ لَهُ} محتاج إلى كل واحدة منهما من حيث إن التصديق والانقياد معنيان يحتاج إليهما، والباء تحرز التصديق واللام تحرز الانقياد والإذعان، فبدئ بالباء المعطية معنى التصديق وهي أخص بالمقصود من اللام، فاقتضى الترتيب تقديمها، ثم أعقب في السورتين بعد باللام حتى كأن قد قيل لهم أصدقتموه منقادين له في دعائه إياكم إلى الإيمان بما جاء من عند الله فحصل المقصود على أكمل ما يمكن. والله أعلم)(1). فاللام هنا أفادت اللفظ معنى الاتباع على طريقة التضمين.
فانظر إلى هذا الكم الكبير من المعاني التي أفادها تنوع استعمال القرآن الكريم للحرف.--------------------------------------------
(1) ملاك التأويل، ابن الزبير، ج 1، ص 220. وانظر أيضا: درة التنزيل، الخطيب، ص 98 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
المطلب الثاني التركيب والنظم
تكلمت فيما تقدم عن شيء من بلاغة القرآن الكريم في استعمال المفردة القرآنية من حيث هي مفردة، وتكلمت عن شيء من أحوال كنهها وحقيقتها، وسأتمم ذلك بالكلام عن الكلمة القرآنية مركبة مع مثيلاتها في النظم القرآني المعجز، مقتصراً في كلامي هنا على الفسطاط الذي قام عليه بيت الإعجاز من مباحث علم المعاني، ملمحاً إلى أن هذا البيت لم يقم على اللفظ وحده، ولا على المعنى وحده، ولا على النظم وحده، بل كان لكل ركن من هذه الأركان مكانه ووظيفته وغايته.
الفرع الأول الحذف والذكر
من أعظم أساليب اللغة العربية وأبدعها أسلوب الحذف والذكر، وهو باب (دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر؛ فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة؛ وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن؛ وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر)(1).--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص 163.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
ولقد تصدر القرآن الكريم في بيانه ودقة ألفاظه ومعانيه اللسان العربي، ووصل في ذلك إلى درجة لا يستطيع كلام أن يماثله ولا أن يقترب منه أو يدانيه.
والحذف في مجمله ثلاثة أقسام، أولها حذف المسند إليه. وثانيها: حذف المسند. وثالثها: حذف ما عداهما. والذكر مثله. وإليك شيئاً من أمثلة القرآن الكريم على الحذف والذكر تبياناً وتطبيقاً لهذا الملحظ الإعجازي البديع.
أولاً: في المتشابه(1)
ومن أمثلة هذا الباب ما جاء من حذف كلمة: (رغداً). فجاء التصريح بها في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} [البقرة: 35]، ولكنها حذفت في قوله تعالى: {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)} [الأعراف: 19]. فما السبب؟
إن المقام في الآية الأولى مقام تعظيم حيث تقدم النداءَ إسنادُ الفعل إلى الله تعالى: {وَقُلْنَا}، على خلاف آية آل عمران، فناسب هذا زيادة الإكرام والإنعام، فجيء بكلمة: {رَغَدًا} لتناسب الكرم والتوسعة للعظمة.--------------------------------------------
(1) ارتأيت في هذا المطلب أن أمثّل على كل فرع بأمثلة من المتشابه اللفظي وأمثلة من غير المتشابه اللفظي، والسبب في ذلك أن أمثلة المتشابه اللفظي تحتاج إلى تفكر أكثر وتدبر أعمق من مثيلاتها في غير المتشابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)