51 ـ إطلاقه كراهة الركوب في الذهاب مع الجنازة:
قال النووي رحمه الله: «يكره الركوب في الذهاب معها»(1)، يعني الجنازة.
«قال الباحث»: قيَّده في شرح المهذب بقوله: «إلا أن يكون له عُذر، كمرض أو ضعف ونحوهما، فلا بأس بالركوب»(2).
وكذا قال الحافظ العراقي: «ويستثنى من كراهة الركوب حالة العُذر»(3).
فكان الأولى بالنووي التقييد هنا كما قيَّد في شرح المهذب.
والأمر في هذا واسع، لأن مثل هذا القيد قد يكون معلوماً وحاضراً في ذهن القارئ، بما يغني عن ذكره، والله تعالى أعلم.
52 ـ سقط وتحريف في شرح النووي:
قال النووي رحمه الله: «وفي هذا الحديث(4) كراهة تَجْصِيص القبْر، والبناء عليه، وتحريم القعود، والمراد بالقعود: الجلوس عليه، هذا--------------------------------------------
(1) «شرح النووي على صحيح مسلم» (7/ 33).
(2) «المجموع شرح المهذب» (5/ 279).
(3) «طرح التثريب» (3/ 287).
(4) يشير إلى حديث جابر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبور (2/ 667)، (حديث: 970).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
مذهب الشافعي وجمهور العلماء، وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود الجلوس»(1).
«قال الباحث»: وقع هنا تحريف وسقط في كلام النووي، وصوابه: «وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود: الحَدَث، وهو تأويل ضعيف أو باطلٌ». كذا نقله الحافظ ابن حجر(2) عن النووي، وبه يستقيم الكلام.
وهو الموافق لكلام الإمام مالك في الموطأ، حيث قال: «وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نَرَى للمَذَاهب»(3). يريد قضاء حاجة الإنسان من غائط وبول، كما في شروح الموطأ(4).
وهذه الإفادة وإن كانت خارجة عن موضوع البحث، إلا أنني ذكرتها من باب الفائدة، علها تستدرك عند إعادة طباعة شرح النووي، والله الموفق.--------------------------------------------
(1) «شرح النووي على صحيح مسلم» (7/ 27).
(2) «فتح الباري» (3/ 224).
(3) «موطأ مالك» (2/ 236).
(4) انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (3/ 63)، و «المسالك في شرح موطأ مالك» لابن العربي (3/ 564)، و «شرح الزرقاني على الموطأ» (2/ 101).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
ومن كتاب الزكاة
53 ـ تفسيره لحديث «عودة أرض العرب مُروجاً وأنهاراً» والنظر فيه:
ذكر النووي رحمه الله حديث أبي هريرة مرفوعاً: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً(1)» ثم فسره بقوله: «معناه ـ والله أعلم ـ أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة، لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلَّة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلَّة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به»(2).
«قال الباحث»: تعقَّبه الشيخُ حمود التويجري(3)، فقال: «وفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها--------------------------------------------
(1) جزء من حديث أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة (2/ 701)، (حديث: 157).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم» (7/ 97).
(3) هو الشيخ حمود بن عبدالله التويجري، عالم وقاض ومؤلف، له مؤلفات كثيرة منها: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وإثبات علو الله على خلقه، والدلائل الواضحات على تحريم المسكرات والمفترات، توفي سنة: 1413 هـ، ينظر: تتمة الأعلام، لمحمد خير رمضان يوسف (1/ 154).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة، والصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب … وقد ظهر مصداق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض العرب بما ظهر فيها الآن من الآبار الارتوازية، وسيتم ذلك فيما بعد، فتكون مروجًا وأنهارًا؛ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه»(1).
وهذا اجتهاد من الشيخ التويجري رحمه الله في تفسير الحديث، ومن الصَّعب الجزم بتنزيل الحديث عليه دون مستند شرعي يشهد له.
وهناك تفسير ثالث للحديث ذهب إليه بعض المشتغلين بمسائل الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة في العصر الحديث، حيث قرروا أن في الحديث معجزة علمية لم تعرف ولم تكتشف إلا اليوم!!.
قالوا: إن الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة أثبتت بأن جزيرة العرب كانت في العصور القديمة قبل نحو عشرة آلاف سنة أرضاً خصبة، تغطيها مساحات واسعة من الأنهار والبحيرات المائية، قبل أن تطرأ عليها حالة الجفاف والتصحر الحالية.
قالوا: فقوله في الحديث: «حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً»--------------------------------------------
(1) «إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم» لحمود التويجري (2/ 191).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
يدل على أنها كانت كذلك في وقت سابق، وأنها ستعود إلى حالتها الأولى قبل قيام الساعة(1).
«قال الباحث»: كل هذه الأقوال: فرضيات واجتهادات محتملة في تفسير الحديث، ليس لدينا ما يثبتها، أو ينفيها على وجه اليقين.
والأصوب فيما يبدو: أن يكون العود في قوله «حتى تعود» معناه الصيرورة، أي تصير مروجاً وأنهاراً، ومنه قول العرب: عاد الرأْس منِّي كالثَّغَام، بمعنى صار(2).
وعليه فإن جزيرة العرب سوف يطرأ عليها في مستقبل الزمان تغيرات مناخية تقلبها من أرض يابسة جرداء إلى أرض ذات مطر غزير وأنهار، وليس بالضرورة أنها كانت قديماً كذلك، وهذا أمر ليس بالغريب في ظل ما نشاهده اليوم من تغيرات المناخ وتقلباته في كثير من نواحي الأرض، فكم من أرض كانت يابسة، ثم غمرتها المياه مع مرور الأزمنة المتطاولة، وكم من أرض انحسر الماء عنها، وأصبحت يابسة يمشي فوقها الناس، بعد أن كانت مغمورة تحت الماء.
هذا هو الأقرب في تفسير الحديث، لكونه يتماشى مع ظاهره، دون زيادات واحتمالات.--------------------------------------------
(1) ينظر كتاب: «قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة وضوابطه» لعبدالله المصلح (ص: 30).
(2) «تاج العروس» (8/ 432).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
والحاصل أن عودة جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً في آخر الزمان هو من علامات الساعة وقرب قيامها، فيجب الإيمان به كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ولا يضيرنا الجهل بتحديد أسباب حصول ذلك، فمثل هذا مما لا يضر المسلم في دينه، ولا في عقيدته شيئاً، والعلم عند الله تعالى.
54 ـ حصره عدم تكفير الخوارج في مذهب الشافعي فحسب والتعقُّب عليه:
قال النووي رحمه الله: «مذهب الشافعي وجماهير أصحابه العلماء أن الخوارج لا يكفرون، وكذلك القدرية وجماهير المعتزلة وسائر أهل الأهواء»(1).
«قال الباحث»: عدم تكفير الخوارج ليس حكراً على مذهب الشافعي كما توهم عبارة النووي، بل هو قول جماهير علماء أهل السنة كما نقله عنهم غير واحد، كابن حجر(2)، والقسطلاني(3)، والمناوي(4)، والشوكاني(5)، وغيرهم كثير.
بل قد حكى الإمام الخطابي إجماع العلماء على أن الخوارج على--------------------------------------------
(1) «شرح النووي على صحيح مسلم» (7/ 160).
(2) «فتح الباري» (12/ 300).
(3) «إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري» للقسطلاني (10/ 87).
(4) «فيض القدير» للمناوي (4/ 126).
(5) «نيل الأوطار» (7/ 199).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
ضلالهم مسلمون، فقال: «أجمعوا على أنهم على ضلالهم مسلمون»(1).
وكذا حكى الإمام ابن تيمية إجماع الصحابة على عدم تكفيرهم، ونصّ عبارته: «الخوارج كانوا من أظهر النَّاس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً لها، ولم يكن في الصحابة من يكفِّرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين»(2).--------------------------------------------
(1) نقله عنه المناوي في «فيض القدير» (3/ 509).
(2) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (7/ 217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
ومن كتاب الصِّيام
55 ـ تضعيفه تفسيراً قوياً لحديث: «إن في السّحور بركة»:
قال النووي رحمه الله: «أما البركة التي فيه(1) فظاهرة، لأنه يقوِّي على الصيام، وينشِّط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام، لخفة المشقَّة فيه على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف؛ وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلَّى، أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو التأهب لها حتى يطلع الفجر»(2).
«قال الباحث»: لست مع النووي في تصويب المعنى الأول وحصر الحديث فيه، والظاهر أن الحديث يشمل الأمرين معاً، تحصيل البركة الدنيوية من تقوية بدن الصائم على احتمال مشقة الصيام في النهار، ويشمل أيضاً تحصيل البركة الدينية من الاستيقاظ في وقت السحر المبارك، ومداومة الذكر--------------------------------------------
(1) يشير إلى حديث أنس بن مالك مرفوعاً: «تسحروا فإن في السحور بركة» «صحيح مسلم»، كتاب الصيام، باب فضل السحور (2/ 770)، (حديث: 1095).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم» (7/ 206).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
والدعاء، ومتابعة السنّة …
لذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «الأَولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخُلُق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام»(1).
ويقول ابن دقيق العيد وكأنه يردّ على كلام النووي: «وهذه البركة: يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنّة توجب الأجر وزيادته. ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية، لقوة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إجحاف به … ومما عُلل به استحباب السحور: المخالفة لأهل الكتاب، فإنه يمتنع عندهم السحور، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية»(2).
والحاصل أن النووي رحمه الله ربما ضيّق في تفسير بعض الأحاديث، فيقصرها على معنى واحد فحسب، مع أن ظاهرها محتملٌ لمعان أخرى قوية، وربما كانت جميعها داخلة ومشمولة في مراد النصّ، كما وقع هنا، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) «فتح الباري» (4/ 140).
(2) «إحكام الإحكام» لابن دقيق العيد (2/ 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
56 ـ اختصار مُجحف:
قال النووي رحمه الله: «معنى المباشرة(1) هنا اللَّمس باليد، وهو من التقاء البشرتين» انتهى(2).
«قال الباحث»: أجحف النووي رحمه الله في إيضاح معنى الحديث وبيان مسائله، فاكتفى ببيان المعنى اللغوي للمباشرة فحسب، والشراح يقولون: المراد بالمباشرة في الحديث: استمتاع الصائم بامرأته بالملامسة والمداعبة ومقدمات الجماع دون الجماع، كما ذكره غير واحد، كابن الأثير(3) وغيره.
57 ـ إغفاله تفسيراً قوياً لحديث «للصائم فرحتان»:
قال النووي رحمه الله: «وأما ـ فرَحه ـ عند فطره(4)، فسببها: تمام عبادته وسلامتها من المفسدات وما يرجوه من ثوابها»(5).
«قال الباحث»: هذا سبب حسنٌ، ويحتمل أن يكون سبب الفَرَح هو: زوال جوع الصائم وعَطَشه حين أبيحَ له الفطر، كما أشار إليه الإمام القرطبي،--------------------------------------------
(1) قاله تعليقاً على حديث عائشة، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم»، صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة (2/ 777)، (حديث: 1106).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم» (7/ 217).
(3) «جامع الأصول» لابن الأثير (6/ 296).
(4) يشير إلى حديث أبي هريرة مرفوعاً «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب في فضل الصيام (2/ 807)، (حديث: 1151).
(5) «شرح النووي على صحيح مسلم» (8/ 32).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
بل قال: «إنه السابق للفَهْم»(1).
وليس هناك ما يمنع شمول الحديث للمعنيين معاً، فيفرح الصائم بتمام عبادته وسلامتها، ويفرح بزوال جوعه وعَطَشه.
ومثله أيضاً الموضع التالي:
58 ـ إغفاله تفسيراً قوياً لحديث «من صام يوماً في سبيل الله»:
قال النووي رحمه الله: «فيه(2) فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوّت به حقاً، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه»(3).
«قال الباحث»: كلام النووي هذا محمول على أن المراد بسبيل الله في الحديث: الجهاد، مع أن من المحتمل أن يكون المراد به: قصد وجه الله وابتغاء مرضاته مطلقاً، كما صرَّح به غير واحد كالقرطبي(4) وغيره.
فهذا تفسير قوي محتمل للحديث، وكان حريّ بالنووي رحمه الله ذكره أو الإشارة إليه ولو بإيجاز.--------------------------------------------
(1) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب المسلم» (3/ 216).
(2) يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري، مرفوعاً «من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً» صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام في سبيل الله (2/ 808)، (حديث: 1153).
(3) «شرح النووي على صحيح مسلم» (8/ 33).
(4) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» للقرطبي (3/ 217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
ومن كتاب الحَجّ
59 ـ حكايته الإجماع على وجوب غسل الميِّت والتعقُّب عليه:
قال النووي رحمه الله: «التكفين واجبٌ وهو إجماعٌ في حقِّ المسلم، وكذلك غسله، والصلاة عليه، ودفنه»(1).
«قال الباحث»: حكاية الإجماع على وجوب غسل الميت متعقَّبة، فإن بعض المالكية رجحوا السنّيّة، وهو اختيار الإمام القرطبي المالكي في شرحه على مختصر مسلم(2).
لذلك تعقَّب الحافظُ ابن حجر النووي في المسألة، وقال: «هو ذهولٌ شديدٌ»(3)!!
والمقصود ألَّا إجماع في المسألة كما حكى النووي، وإن كنا لا نشك--------------------------------------------
(1) «شرح النووي على صحيح مسلم» (8/ 129)، وينظر أيضاً: «المجموع شرح المهذب» للنووي (5/ 128)، حيث قال «غسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين».
(2) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (2/ 592).
(3) «فتح الباري» لابن حجر (3/ 125).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
في ضعف القول بعدم الوجوب، لمخالفته صريح الأمر النبوي(1)، وما عليه جماهير أهل العلم، والله تعالى أعلم.
60 ـ نسبته إلى أبي حنيفة قولاً لا يصحّ عنه:
قال النووي رحمه الله: «مذهب مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنه يصحّ حجُّ الصبي ويثاب عليه ويترتب عليه أحكام حجُّ البالغ، إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإِسلام، فإذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الإِسلام، وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: لا يصحّ له إحرام، ولا حجّ، ولا ثواب فيه، ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحجّ، قال: وإنما يحجّ به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم»(2).
«قال الباحث»: تعقَّبه الشيخ الكشميري الحنفي، فقال: «نَسَبَ إلينا النووي أن حجّ الصبي لا يعتبر عندنا، وهو باطلٌ. نعم يقع نفلاً ولا يعتبر عن حجّة الإسلام»(3).--------------------------------------------
(1) كما ورد في أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عباس مرفوعاً «اغسلوه بماء وسدر»، أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين (2/ 75)، (حديث: 1265)، ومسلم في «صحيحه»، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (2/ 865)، (حديث: 1206).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم» (8/ 160).
(3) «فيض الباري» للكشميري (2/ 409).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
والأمر كما قال الكشميري، فعامة كتب الحنفية مع الجمهور، ولم أر منهم من نسب إلى أبي حنيفة ما ذكره النووي رحمه الله، وما من شك أن أهل المذهب أدرى بمذهب إمامهم من غيرهم.
يقول العلامة الكاساني الحنفي رحمه الله: «فأما البلوغ والحرية فليسا من شرائط الجواز، فيجوز حجّ الصّبي العاقل بإذن وليِّه، والعبد الكبير بإذن مولاه، لكنه لا يقع عن حجَّة الإسلام»(1).
وفي البحر الرائق ـ وهو من كتب الحنفية الشهيرة ـ: «لو حجّ ـ الصَّبي ـ وهو مميِّز بنفسه أو غير مميِّز بإحرام وليِّه فهو نفلٌ»(2).
61 ـ حكايته الإجماع على عدم شرعية الرَّمَل في طواف النساء والتعقُّب عليه:
قال النووي رحمه الله: «اتفق العلماء على أن الرَّمَل(3) لا يشرع للنساء»(4)، يعني في الطواف.
وكرره في المجموع فقال نقلاً عن ابن المنذر: «أجمع العلماء على أن--------------------------------------------
(1) «بدائع الصنائع» للكاساني (2/ 160).
(2) «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (2/ 334).
(3) الرَّمَل بفتح الراء والميم: إسراع المشي مع تقارب الخُطى دون الوثوب، كما أفاده النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (3/ 128)، وزاد في «مشارق الأنوار» (1/ 291): مع هزة المنْكبيْن.
(4) «شرح النووي على صحيح مسلم» (9/ 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
المرأة لا ترمل ولا تسعى بل تمشي»(1).
«قال الباحث»: خالف ابن حزم في المسألة، فقال: «فإذا قَدِم المعتمر، أو المعتمرة مكة فليدخلا المسجد، ولا يبدآ بشيء، لا ركعتين ولا غير ذلك قبل القصد إلى الحجر الأسود فيقبِّلانه، ثم يلقيان البيت على اليسار ولا بدَّ، ثم يطوفان بالبيت من الحجر الأسود إلى أن يرجعا إليه سبع مرَّات، منها ثلاث مرَّات خَبَبَا وهو مشْي فيه سرعة»(2).
فهذا كلام ابن حزم ينقض ما حكاه النووي من الإجماع، إلا إن كان النووي يقصد إجماع من قبل ابن حزم، أو أنه لا يعتد بخلافه، أو أنه لم يقف على كلامه، والله تعالى أعلم.
62 ـ إيهامه ضعف أثر عن ابن عباس وهو في الصحيحين:
قال النووي رحمه الله: «من بعث هديه لا يصير محرماً ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا حكاية رُويت عن ابن عباس … أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المُحرم»(3).
«قال الباحث»: كلام النووي يوهم ضعف أثر ابن عباس رضي الله عنهما، لكونه أسنده إليه بصيغة التمريض (حكاية رويت)، مع أنه أثر ثابتٌ عنه، أخرجه--------------------------------------------
(1) «المجموع شرح المهذب» (8/ 59).
(2) «المحلى» لابن حزم (5/ 8301).
(3) «شرح النووي على صحيح مسلم» (9/ 70).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
الشيخان، البخاري ومسلم، ولفظه عن ابن عباس: «من أهدى هدياً حَرُم عليه ما يحرُم على الحاجّ، حتى ينحر الهدي»(1).
63 ـ قوله بأن فضيلة تضعيف الصلاة في المسجد النبوي مختصةٌ بالمسجد الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم دون ما زيد فيه بعده والتعقُّب عليه:
قال النووي رحمه الله: «واعلم أن هذه الفضيلة مختصةٌ بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه، دون ما زيد فيه بعده، فينبغي أن يحرص المصلّي على ذلك»(2).
«قال الباحث»: يؤخذ على الإمام النووي أنه اقتصر على هذا القول مع أن جمهور العلماء على خلافه.
فقد قرر جمهور العلماء(3) أن الزيادة تأخذ حكم المسجد الأصلي في فضيلة التضعيف.
لذلك تعقَّب كلام النووي غير واحد، منهم: الحافظ العراقي، وقال:--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري»، كتاب الحج، باب من قلّد القلائد بيده (2/ 169)، (حديث: 1700)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم (2/ 959)، (حديث: 1321).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم» (9/ 166).
(3) ينظر: «وفاء الوفا» للسمهودي (1/ 274)، و «كوثر المعاني الدراري في كشف حبايا صحيح البخاري» للشنقيطي (11/ 139).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
«فيه بعد ونظر ظاهر»(1)، وكذا تعقَّبه السيوطي(2)، وملا علي القاري وأطال في الردّ عليه(3).
وليس من شرط هذا الكتاب مناقشة النووي رحمه الله في المسائل الخلافية، لأن ذلك يطول جداً كما أشرت إليه في المقدِّمة، وإنما ذكرت هذه المسألة لأن النووي اقتصر فيها على قول واحد خالفه فيه جمهور العلماء.
وقد ذكر العلامة السمهودي نقلاً عن الشيخ محب الدين الطبري أن النووي رحمه الله رجع عن قوله هذا(4).--------------------------------------------
(1) «طرح التثريب» (6/ 46).
(2) «حاشية السيوطي على صحيح مسلم» (3/ 428).
(3) «مرقاة المفاتيح» لملا علي القاري (2/ 585).
(4) ينظر: «وفاء الوفا» للسمهودي (1/ 274).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
ومن كتاب النِّكاح
64 ـ ذكره احتمالاً ضعيفاً في نسخ إباحة اللَّعب بعرائس البنات:
قال النووي رحمه الله: «المراد(1) هذه اللُّعب المسماة بالبنات، التي تلعب بها الجواري الصغار … ويحتمل أن يكون هذا منهياً عنه، وكانت قصة عائشة هذه ولُعَبُها في أول الهجرة قبل تحريم الصور»(2).
«قال الباحث»: يردّ هذا الاحتمال ما ثبت في سنن أبي داود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «قدِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أو خيبر وفي سَهْوتها سِتْرٌ، فهبَّت ريْحٌ فكشفت ناحية السِّتْر عن بنات لعائشة لُعَبٌ، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي، ورأى بينهن فَرَساً له جناحان من رِقَاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟»، قالت: فَرَسٌ، قال: «وما هذا الذي عليه؟» قالت: جناحان، قال: «فَرَسٌ له جناحان؟» قالت: أما سمعتَ أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالتْ: فضحك حتى رأيت نواجذه»(3).--------------------------------------------
(1) يشير إلى حديث زفاف السيدة عائشة رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولُعبها معها، صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة (2/ 1039)، (حديث: 1422).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم باختصار» (9/ 208 ـ 209).
(3) «سنن أبي داود»، كتاب الأدب، باب في اللعب بالبنات (4/ 283)، (حديث: 4932)، من طريق يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمارةُ بن غَزِيَّة، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة به، وإسناده صحيح، كما قال الحافظ العراقي (تخريج أحاديث الإحياء: 3/ 1329)، وصححه أيضاً الألباني في آداب الزفاف (ص: 275)، وشعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (7/ 292)، (حديث: 4932).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
فهذا نصّ يردّ ما ذكره النووي من احتمال أن إباحة اللعب بالبنات كان في أول الهجرة ثم نسخ، لأن هذه الحادثة وقعت في السنة السابعة أو التاسعة، وهي تاريخ غزوتي خيبر وتبوك.
65 ـ قوله في وَأْد العرب للبنات والتعقُّب عليه:
ذكر النووي رحمه الله مسألة وَأْدَ البنات، وهي دفنهن أحياء، وقال: «كانت العرب تفعله خشية الإملاق، وربما فعلوه خوف العار»(1).
«قال الباحث»: لو أنه قيّده ببعض العرب لكان أولى، فإن هذه العادة القبيحة لم تكن منتشرة ولا ذائعة بين جميع قبائل العرب، بل كان ذوو الشرف منهم لا يفعلونها، وينهون عنها، وإلا فكيف بقيت نساؤهم، بل كيف بقوا هم أصلاً.
وقد أشار إلى هذا جمع من الأئمة، كالقرطبي رحمه الله عندما كتب يقول: «وقد كان ذوو الشَّرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه، حتى افتخر به الفرزدق، فقال:--------------------------------------------
(1) «شرح النووي على صحيح مسلم» (10/ 17) و (11/ 12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ومنّا الذي منع الوائدات … فأحيا الوئيد فلم يُوأد
يعني جدَّه صَعْصَعَة كان يشتريهنَّ من آبائهنَّ، فجاء الإسلام وقد أحْيا سبعين موءودة» انتهى(1).
وأما القصة التي يذكرونها عن وَأْدِ عمَر بن الخطاب رضي الله عنه لابنته في الجاهلية، وأنه كان يبكي حين يذكر ذلك، فليس لها أصلٌ، ولم أجد لها أثراً في كتاب التراجم والتاريخ والسير القديمة بعد التفتيش الشديد عنها!!
66 ـ قوله في صفة رَضَاع الكبير والتعقُّب عليه:
ذكر النووي رحمه الله حديث عائشة في قصة دخول سالم مولى أبي حذيفة على سهْلة بنت سُهيل، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرضعيه تحرمي عليه»(2)، ثم نقل توجيه العلماء لقوله: «أرضعيه»، فنقل عن القاضي عياض قوله: «لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها ولا التقت بشرتاهما»(3)، ثم قال النووي: «وهذا الذي قاله القاضي حسن، ويحتمل أنه عفي عن مسّه للحاجة، كما خصّ بالرضاعة مع الكبر»(4)!!
«قال الباحث»: هذا الاحتمال الثاني غير صحيح، وكان الأولى عدم ذكره، إذ كيف يحلّ لرجل بالغ كامل الرجولة أن ينظر إلى ثدي امرأة أجنبية،--------------------------------------------
(1) «تفسير القرطبي» (19/ 233).
(2) وهو مخرج في صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير (2/ 1076)، (حديث: 1453).
(3) ينظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (4/ 641).
(4) «شرح النووي على صحيح مسلم» (10/ 31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)