قال المعترض
وقد استفاض عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يبرد البرد من الشام يقول له: سلم (لي) على رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن ذكر ذلك ابن الجوزي، ونقلته من خطة في كتاب: مثير العزم الساكن، وقد ضبطه بإسكان الياء الموحدة وكسر الراء المخففة، وهو كذلك يقال: أبرد فهو مبرد.
وذكر (أيضاً) الإمام أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم (النبيل) ووفاته سنة سبع وثمانين ومائتين في مناسك له لطيفة جردها من الأسانيد ملتزماً فيها الثبوت قال فيها: وكان عمر بن عبد العزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام ثم يرجع، وهذه المناسك رواية شيخنا الدمياطي.
ثم ذكر إسناد شيخه (إلى) ابن أبي عاصم وقال: فسفر بلال في زمن صدر الصحابة ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلا للزيارة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك، لا من أمر الدنيا ولا من أمر الدين، لا من قصد المسجد، ولا من غيره، انتهى ملام المعترض.
وللجواب: من وجوه:
أحدهما: المطالبة بصحة الإسناد إلى عمربن عبد العزيز، ولم يذكر المعترض الإسناد في ذلك إلى عمر لينظر فيه، هل هو صحيح أم لا؟ وكأنه لم يظفر به، فإنه لو ظفر به ووقف عليه لبادر إلى ذكره، ولو كان إسناداً ضعيفاً كما هي عادته، وكما ذكر إسناد الأثر المروي عن بلال، وإن كان غير صحيح.
الوجه الثاني: إن ما نقل عن عمر بن عبد العزيز من إيراده البريد من الشام قاصداً إلى المدينة لمجرد الزيارة، ليس بصحيح عنه، بل في إسناده عنه ضعيف وانقطاع وأمثل ما روي عنه في ذلك ما ذكره البيهقي في كتاب: شعب الإيمان فقال: حدثنا أبو سعيد بن ابي عمرو، أنبأنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن أبي حاتم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
المدائني، حدثنا ابن أبي فديك، عن رباح بن أبي بشير، عن يزيد بن أبي سعيد مولى المهري، قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز إذا كان خليفة بالشام، فلما ودعته قال: إن لي إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام.
هذا أجود ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا الباب مع أن في ثبوته عنه نظراً فإن رباح بن أبي بشير شيخ مجهول (1) لم يرو عنه غير ابن أبي فيدك، ولو فرض أنه شيخ معروف ثقة، فليس في روايته ذكر إيراد البريد لمجرد الزيارة، وإنما فيها إرسال السلام مع بعض من قدم على عمر من أهل المدينة، فإن يزيد بن أبي سعيد مولى المهري، هو من أهل المدينة، وكان قدم منها إلى الشام على عمر بن عبد العزيز، فلما ودعه وأرد الرجوع إلى بلده، قال له عمر: سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاقرئه مني السلام، وقد عرف أن شيخ الإسلام لم يذكر نزاعاً في الجواب فيمن سافر إلى المدينة لحاجة، وزار عند قدومه، أو اجتمع في سفره قصد الزيارة مع قصد آخر.
وإنما ذكر الخلاف فيمن قصد مجرد القبر، ويزيد بن أبي سعيد قصد الرجوع إلى بلده المدينة، وانضم إلى ذلك قصد آخر، وليس هذا محل النزاع، وإنما الخلاف في شد الرحل وأعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور.
وقول المعترض: فسفر بلال في زمن صدر الصحابة ورسول عمر بن العبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلا للزيارة هو مجرد دعوى عرية عن الدليل فتقابل بالمنع والرد (وعدم القبول) بل إنما كان لها ولغيرها كما قد بينا ذلك والله أعلم.
فإن قيل: ذكر البيهقي في آخر الأثر المذكور أن (عمر) كان يرد البريد، فإن فيه بعد قوله: فأقرئه مني السلام، قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، فحدث به عبد الله بن جعفر، فقال: أخبرني فلان أن عمر كان يبرد إليه البريد من الشام.
فالجواب: أن هذا ليس بصحيح بل (هو) ضعيف منقطع، وعبد الله بن جعفر محدث أبي فديك هو والد ابن المديني، وهو ضعيف غير محتج بخبره، قال يحيى بن معين--------------------------------------------
(1) الذي في الجرح والتعديل 3/490 رباح بنبشير أبو بشر روى عن يزيد بن أبي سعيد روى عنه ابن أبي فديك سمعت أبي يقول: هو مجهول، وانظر اللسان 2/442.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
ليس بشيء (1) ، وقال النسائي (2) ، متروك الحديث، والمخبر لعبد الله بن جعفر رجل مبهم وهو أسوأ حالاً من المجهول.
فإن قيل: قد روى البيهقي، نحو هذا من وجه آخر، فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنبأنا إبراهيم بن فراس بمكة، حدثني محمد بن صالح الرازي، حدثنا زياد بن يحيى، عن حاتم بن وردان، قال: كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصداً إلى المدينة ليقرئ عنه النبي صلى الله عليه وسلم السلام. كذا رواه في شعب الإيمان وهذه الرواية هي التي ذكرها المعترض من المناسك لابن أبي عاصم بلا سند.
والجواب: أن يقال هذه روية منقطعة غير ثابتة وحاتم بن وردان (3) شيخ من أهل البصرة لم يلق عمر بن عبد العزيز،ولم يدركه فروايته عنه مرسلة غير متصلة،ـ وقد توفي عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وكانت وفاة حاتم بن وردان سنة أربع وثمانين ومائة وأكبر شيخ لحاتم، أيوب السختياني،وكانت وفاة أيوب سنة إحدى وثلاثين ومائة.
الوجه الثالث: إنه لو ثبت عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أنه كان يبرد البريد من الشام قاصداً إلى المدينة لمجرد الزيارة والسلام، كان في فعله ذلك من جملة المجتهدين، ومن المعلوم أنه رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين ومن كبار الأئمة المجتهدين، فإذا قال قولاً باجتهاده وفعل فعلاً برأيه: فإن قام دليله وظهرت حجته تعين المصير إليه والاعتماد عليه، وإلا فهو ممن يحتج لقوله: ويستدل لفهعله، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء 059) وقد ذكر فيما تقدم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأتي إلى القبر للسلام عند القدوم من سفر، ومع هذا فقد قال--------------------------------------------
(1) انظر كلامه في الميزان.
(2) انظر الضعفاء والمتروكين ص148، رقم 346، وانظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري 5/62 والصغير ص64 والجرح والتعديل 5/22 والمجروحين لابن حبان 2/14 والميزان 2/401 والكاشف 2/69 والمغني 1/334 واللسان 7/259 والتهذيب 5/174 وأحوال الرجال للجوزجاني ص110، رقم 175، قال الذهبي، متفق على ضعفه وقال ابن المديني، أبي ضعيف، وقال الجوةزجاني واه.
(3) ترجمته في الجرح والتعديل 3/260، قال ابن معين ثقة وقال أبو حاتم: لا بأس به، مات سنة 184 كما في التقريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
عبيد الله بن عمر العمري الكبير الثقة (الثبت) ما نعلم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذل إلا ابن عمر.
وقال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في كل مكان: وأما السلام عليه عند القبر، فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه، إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه - إلى أن قال ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة، ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب هذا لهؤلاء، وكراهته لهؤلاء، حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، ولا يمكن أحداً أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرع لأهل المدينة الاتيان عند الوداع للقبر، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه.
ولم يشرع ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم،ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة ن كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك، بل (أبوه) عمر كان ينهي عن مثل ذلك، والله أعلم.
قال المعترض
وفي فتوح الشام أنه لما كان أبو عبيدة منازلاً بيت المقدس أرسل كتاباً إلى عمر مع ميسرة بن مسروق يستدعيه الحضور، فلما قدم ميسرة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلها ليلاً، ودخل المسجد وسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قبر أبي بكر الصديق، وفيه أيضاً أن عمر لما صالح أهل بيت المقدس،وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه، قال عمر (له) هل لك أن تسير معي إلى المدينة،وتزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتتمتع بزيارته؟ فقال:نعم يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ما ذكره.،
وهو مطالب:أولاً بيان صحته، وثانياً: بيان دلالته على مطلوبه، ولا سبيل له إلى واحد من الأمرين.
ومن المعلوم أن هذا من الأكاذيب والموضوعات على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفتوح الشام فيه كذب كثير، وهذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، ولكن شأن هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
المعترض الاحتجاج دائماً بما يظنه موافقاً لهواه،ولو كان من المنخنقة والموقوذة والمتردية، وليس هذا شأن العلماء،بل المستدل بحديث أو أثر عليه أن يبين صحته ودلالته على مطلوبه،وهذا المنقول عن عمر رضي الله عنه لو كان ثابتاً عنه، لم يكنفيه دليل على محل النزاع،وقد عرف أن شيخ الإسلام لا ينكر الزيارة على الوجده المشروع ولا يكرهها، (بل يحض عليها) ويندب إلى فعلها، والله الموفق للصواب.
ثم قال المعترض
وقد ذكر المؤرخون والمحدثون منهم أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب، وأحمد بن يحيى البلاذري في تاريخ الأشراف، وابن عبد ربه في العقد أن زياد بن أبيه أراد الحج فأتاه أبو بكرة، وهو لا يكلمه فأخذ ابنه فأجلسه في حجرة ليخاطبه ويسمع زياداً فقال:إن أباك فعل وفعل وأنه يريد الحج، وأم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هناك (فإن) أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله، وإن هي حجته فأعظم بها حجة عليه، فقال زياد: ما تدع النصيحة لأخيك، وترك الحج في تلك السنة، هكذا حكاها البلاذري.
وحكى ابن عبد البر ثلاثة أقوال.
أحدهما: أنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة.
والثاني: أنه دخل المدينة وأراد الدخول على أم حبيبة، فذكر قوله أبي بكرة فانصرف عن ذلك.
والثالث: أن أم حبيبة حجته ولم تأذن له، والقصة على كل تقدير تشهد، لأن زيارة الحاج كانت معهودة من ذلك الوقت، وإلا فكان زياد يمكنه أن يحج من غير طريق المدينة، بل هي أقرب إليه لأنه كان بالعراق، والإتيان من العراق إلى مكة أقرب، ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمراً لا يترك، انتهى ما ذكره.
فالجواب: أن يقال: هذا من نمط ما قبله في الاحتجاج بما ليس بثابت عند العلماء وليس فيه دليل على المطلوب، بل هو على نقيض مراد المعترض أدل منه على مطلوبة، وهذه القصة المروية في أمر أبي بكرة وزياد، مختلف فيها، وعلى كل تقدير فزياد بن أبيه،ليس ممن يحتج بقوله، ولا يعرج على فعله، وزياد الحاج لم ينكرها الشيخ ولا كرهها، بل استحبها كغيره من العلماء، وذكرها في مناسكه ومصنفاته وفتاويه وقد قال في بعض مناسكه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
ثم ذكر ما يقوله إذا دخل (المسجد) وقال: ثم يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيستقبل جدار القبر ولا يمسه، ولا يقبله، ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبين وقائد الغر المحجلين، ثم ذكر الكلام إلى آخره، وذكر السلام على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقد تبين أن الشيخ رحمه الله لم ينكر زيارة الحاج قبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى يشنع عليه بما لم يقله، أو يضاف إليه ما لم يعتقده، وإنما ذكر نزاع العلماء في شد الرحال وأعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، ومال إلى النهي عن ذلك محتجاً بما ثبت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) (1) والله أعلم.
ثم قال المعترض: واختلف السلف في أن الأفضل البداءة بالمدينة قبل مكة، أو بمكة قبل المدينة، قال: وممن نص على هذه المسألة وذكر الخلاف فيها الإمام أحمد في كتاب المناسك الكبير من تأليفه، ثم ذكر أن ابن ناصر رواها بإسناد له ذكره إلى عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقال في هذه المناسك، سئل عمن يبدأ بالمدينة قبل مكة، فذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد وعطاء ومجاهد، قالوا: إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة، فإذا قضيت حجتك فأمرر بالمدينة إن شئت.
قال: وذكر بإسناده عن الأسود قال: أحب أن يكون نفقتي وجهادي وسفري أن أبدأ بمكة وعن إبراهيم النخي إذا أردت مكة فاجعل كل شيء لها تبعاً، وعن مجاهد إذا أردت الحج أوالعمرة فبدأ بمكة واجعل كل شيء لها تبعاً، وعن إبراهيم قال: إذا حججت فابدأ بمكة ثم مر بالمدينة بعد.
وذكر الإمام أحمد أيضاً بإسناده عن عدي بن ثابت أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يبدأون بالمدينة إذا حجوا يقولون: نهل من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه هذا الأثر أيضاً، وذكر بإسناده عن علقمة والأسود، وعمر بن ميمون أنهم بدأوا بالمدينة قبل مكة، ثم قال: وقال الموفق ابن قدامة: قال: - يعني أحمد -: إذا حج الذي لم يحج فقط يعني من غير طريق الشام، لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق ولا--------------------------------------------
(1) تقدم تخريج هذا الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
يتشاغل بغيره، قال: وهذا في العمرة متجه، لأنه يمكنه فعلها متى وصل إلى مكة، وأما الحج فله وقت مخصوص، فإذا كان الوقت متسعاً لم يفت عليه بمروره بالمدينة شيء، وممن نص على هذه المسألة من الأئمة أبو حنيفة، وقال: الأحسن أن يبدأ بمكة، روى ذلك الحسن بن زياد عنه (1) ، فيما حكاه أبو الليث السمرقندي، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في البداية بمكة ليس فيه ما يحصل مراده ومطلوب ثم قال: فانظر كلام السلف والخلف في إتيان المدينة، إما قبل مكة، وإما بعدها، ومن أعظم ما تؤتي له المدينة الزيارة، ثم أخذ في الاستدلال على هذه الدعوى المجردة بما لا يصلح أن يكون شبه فقال: ألا ترى أن بيت المقدس لا يأتيه إلا القليل من الناس، وأن كان مشهوداً له بالفضل والصلاة فيه مضاعفة فتوفر الهمم خلفاً عن سلف على إتيان المدينة، إنما هو لأجل الزيارة، وإن اتفق معها قصد عبادات أخرى فهو مغمور بالنسبة إليها.
ولا يخفى على من له أدنى فهم ومعرفة بالمعلم أن ما زعمه المعترض من الحكم ودليله في هذا المحل دعوي مجردة عن دليل، فتقابل بالمنع وعدم القبول، وقد ذكر قريباً عن النفر عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا إذا حجوا يبدأون بالمدينة وأنهم عللوا ذلك بما زعمه وادعاه.
ثم ذكر المعترض في هذا المكان كلاماً عليه فيه مؤاخذات ومناقشات يطول الكتاب بذكرها، ثم ذكر كلام الأجري في الشريعة، وابن بطة في الإبانة المتضمن للرد على بعض الملحدة في إنكاره دفن أبي بكر وعمر مع النبي صلى الله عليه وسلم واشتمل كلامهما على ذكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزعم المعترض أنه استفيد منه السفر للزيارة، وأن ذلك لم يزل في السلف والخلف.
وهذا الذي زعمه غير مقبول منه، وليس في كلامهما ذكر السفر للزيارة، وإنما فيه ذكر الزيارة فقط والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا المعترض لا يفرق بين السفر لزيارة القبور، وبين زيارتها بلا سفر، بل كل منهما مندوب مستحب، والعلماء قد فرقوا بين الحكمين وميزوا بين المسألتين.--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في الضعفاء والمجروحين 35 والجرح والتعديل 3/15 وتاريخ بغداد 7/314 وميزان الاعتدال 1/491 واللسان 2/208 وشذرات الذهب 2/12 وأخبار القضاء 3/188 وسير أعلام النبلاء 9/543 وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
وابن بطه الذي ألزم المعترض كلامه مالا يلزمه، قد ذكر الزيارة وصفتها فيما حكاه عنه من العلم بأنه أحد القائلين بالنهي عن السفر إلى القبور.
وقد ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جمل أقوال أهل السنة وما خالفها من البدع فقال: ومن البدع البناء على القبور وتحصينها، وشد الرحال إلى زيارتها، فأبن بطه (1) يستحب الزيارة مع نهيه عن شد الرحل لمجردها، فعلم أنه يفرق بين السفر، وبين الزيارة بلا سفر لا كما زعمه المعترض.
ثم قال: قال القاضي عياض: قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه، مما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتربك برؤية روضته ومنبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه،وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله، ثم قال: وسنذكر في الباب الرابع من كلام العبدي المالكي في شرح الرسالة أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس.
وقال في الباب الرابع: وقال العبدي في شرح الرسالة: وأما النذر بالمشي إلى المسجد الحرام،والمشي إلى مكة فله اصل في الشرع وهو الحج والعمرة وإلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس، وليس عنده حج ولا عمره، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاث لزمه فالكعبة متفق عليها، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين.
قال المعترض: قلت: الخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين لا في الزيارة انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه عن هذا العبدي المالكي مكرراً له في غير موضع من الكتاب راضياً به ومقرراً له ومتبعاً له بيان موضع الخلاف، وأنه في إتيان المسجدين لا في الزيارة شيء لم يسق قائله إليه، ولم يتابعه أحد من العلماء عليه، بل قول القائل: إن المشي--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في ميزان الاعتدال 3/15 ولسان الميزان 4/112-115 وسير أعلام النبلاء 16/529 وتاريخ بغداد 10/371 - 375 والعبر 3/35 وطبقات الحنابلة 2/114-153 وشذرات الذهب 3/122-124 وهو متكلم فيه وحديثه أنزل من الحسن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
إلى المدينة لمجرد زيارة القبر أفضل من الكعبة قول محدث في الإسلام،مخالف لإجماع جميع العلماء الأعلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين المتقدمين منهم والمتأخرين، وذلك كاف في رده وظهور بطلانه والله أعلم.
ثم قال المعترض: وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب ممن حكينا كلامهم في باب الزيارة يقتضي استحباب السفر، هكذا قال، وذلك خطأ منه، فإن القول باستحباب الزيارة لا يقتضي استحباب السفر لها كما سيأتي بيان ذلك (مستوفي) إن شاء الله تعالى، والفقهاء الذي حكينا كلامهم، في الزيارة متفقون على استحبابها، مع أنه مختلفون في السفر لمجردها، فلو كان استحباب الزيارة مقتضياً لاستحباب السفر لم يقع بينهم فراغ في السفر لها.
قال: وحكاية الأعرابي المشهورة التي ذكرها المصنفون في مناسكهم وفي بعض طرقها أن الأعرابي ركب راحلته وانصرف وذلك يدل أنه كان مسافراً، والحكاية المذكورة ذكرها جماعة من الأئمة عن العتبي، وأسمه محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان: صخر بن حرب كان من أفصح الناس صاحب أخبار ورواية للأدب، وحدث عن أبيه وسفيان بن عيينة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، يكنى أبا عبد الرحمن.
وذكرها ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير العزم الساكن وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست حذاءه فجاء إعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} (النساء 064) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في نومي وهو يقول: إلحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم اجده، قال وقد نظم أبو الطيب أحمد بن عبد العزيز بن محمد المقدسي، وسأله بعضهم الزيارة على هذين البيتين وتضمينهما فقال: ورواه ابن عساكر عنه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
أقول والدمع من عيني منسجم … لما رأيت جدار القبر يستسلم
والناس يغشونه ياك ومنقطع … من المهابة أو ذاع فملتزم
فما تمالكت أن نأديت من حرق … في الصدر كادت لها الأحشاء تضطرم
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طبيهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وفيه شمس التقى والدين قد غربت
… من بعد ما أشرقت من نوره الظلم
حاشى لوجهك أن يبلى وقد هديت … في الشرق والغرب من أنواره الأمم
وإن تمسك أيدي الترب لامسة … وأنت بين السموات العلى علم
لقيت ربك والإسلام صارمه … ماض وقد كان يحر الكفر يلتطم
فقمت فيه مقام المرسلين إلى … إن عز فهو على الأديان يحتكم
لئن رأيناه قبراً إن باطنه … لروضه من رياض الخلد يبتسم
طافت به من نواحيه ملائكة
… تغشاه في كل ما يوم وتزدحم
لو كنت أبصرت حباً لقلت له … لا تمش إلا على خدي لك القدم
هدي به الله قوماً قال قائلهم … بطن حكه لما ضمه الرحم
إن مات أحمد فالرحمن خالقه … حين ونعبده ما أروق السلم
قال الجوهري: الرجم بالتحريك القبر، هذا آخر ما أو رده المعترض في الباب الثالث، وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي، بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني، عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد بن البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ثم ذكر نحو ما تقدم، وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما سيأتي ذكره.
وفي الجملة: ليست هذه الحكاية المنكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضاً،ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
الباب الرابع: في نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين
قال المعترض
قال القاضي عياض رحمه الله زيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.
قلت: هذا الإجماع الذي حكاه القاضي عياض رحمه الله تعالى حكاه شيخ الإسلام أيضاً، في غير موضع، وقد قدمناه غير مرة ذكر في مصنفاته وفتاويه ومناسكه استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعاً بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض مع حكايته هذا الاجماع.
ومقصوده المعترض الاحتجاج على الشيخ بهذا الإجماع الذي ذكره القاضي عياض، والشيخ لا يخالف هذا الإجماع، بل يوافقه ويذهب إليه ويحكيه في مواضع مع قوله بالنهي عن السفر لزيارة القبور، كما ذهب إليه القاضي عياض ناقل هذا الإجماع، وينبغي للمعترض وأمثاله أن يعرفوا الفرق بين مواقع الاجتماع ومحال النزاع ولا يخلطوا بعضها ببعض.
ولا ريب أن الإنسان إذا أتى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم استحب له أن يفعل فيه ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء (عليه) ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته، وهذا هو المقصود من الزيارة الشرعية والسفر إلى مسجده للصلاة فيه، وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع، والسفر لمجرد زيارة القبر فيه نزاع.
قال الشيخ في أثناء كلامه (1) : والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاث محرم كقبور الأنبياء، فقول القاضي عياض: إن زيارة--------------------------------------------
(1) انظر الرد على الأخنائي ص167.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها، المراد، به الزيارة الشرعية، كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده، ثم يسلم عليه ويصلي عليه كما ذكره في كتبهم، ثم أطال الكلام وقال.
والمقصود أمن ما حكى القاضي عياض فيه الاجتماع لم ينه عنه في الجواب، بل السفر إلى مسجده وزيارته على الوجه المشروع سنه مجمع عليها، كما ذكره القاضي عياض وبعضهم يسميها زيارة لقبره، وبعضهم يكره أن يسميها زيارة، ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاث، كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ومن سافر لمجرد قبورهم فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية، فلهذا يقول أحمد أنه مجمع على أنه سنة، ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس؛ فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجتمع عليه من المتنازع فيه.
فإن الزيارة فيها مسائل متعددة فيها، ولكن لم يتنازعوا فيها علمت في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه فيه ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا غفير ذلك فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال)) حديث متفق على صحته وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه، فإما أن يكون نهياً، وإما أن يكون نفياً للاستحباب، وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحاً فتعين أنه نهي.
فهذان طرفان لا أعلم فيهما نزاعاً بين الأئمة الأربعة والجمهور، والأئمة الأربعة وسائر العلماء لا يوجبون الوفاء على نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم، أو غير قبورهم، وما علمت أحداً أوجبه غير ابن حزمن فإنه أوجب الوفاء على ما نذر مشياً أو ركوباً، أو نهوضاً إلى مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس.
قال: وكذلك إلى أثر من آثار الأنبياء، قال: فإن نذر مشياً، أو نهوضاً أو ركوباً إلى مسجد من المساجد غير الثلاث لم يلزمه، وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال:من نذر المشي إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد، وابن حزم فهم من قوله: ((لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) أي لا تشد إلى مسد، وهو لا يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه، فلا يجعل هذا نهياً عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى بل يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه)) إنه لو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
بال، ثم صب البول فيه لم يكن منهياً عن الاغتسال فيه وداود الظاهري عنه في فحوى الخطاب، روايتان هذه إحداهما، وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي داود الظاهري، يقولون: إن قوله: ((ولا تقل لهما أف)) لا يدل على تحريم الشتم والضرب، وهذا قول ضعيف جداً، في غاية الفساد عند عامة العلماء، فإنهم يقولون: إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهى أن يبول فيه، ثم يغتسل فيه، فالذي بال في إناء، ثم صبه فيه أولى بالنهي، كما أنه لما نهى عن الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم العظام والروث كان ذلك تنبعاً على النهي، عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى، وكل ما نهى عنه الاستجمار به فتلطيخه بالعذرة أولى بالنهي، فإنه لا حاجة إلى ذلك، ولهذا فهم الصحابة من نهيه أن يسافر إلى غير المساجد الثلاث، أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي وإن لم يكن مسجداً، كما جاء عن بصره بن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم.
وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ قال لأبي هريرة، وقد أقبل من الطور لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) .
وأما ابن عمر فروي أبو زيد شبه النميري في كتاب أخبار المدينة حدثنا ابن أبي الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور؟ فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته، رواه أحمد بن حنبل في مسنده، وهذا النهي من بصرة بن أبي بصرة، وابن عمر، ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم النهي، فلذلك نهوا عنه لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة.
وكذلك أبو سعيد الخدري وهو رواية أيضاً، وحديثه في الصحيحين، فروى أبو زيد حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، قال سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة، في الطور، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) (1) فأبو سعيد جعل الطور مما نهى عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه بلفظ لا تشد الرحال.. وهذا الإسناد وفيه شهر بن حوشب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي.
والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله سماها الوادي المقدس والبقعة المباركة، وكلم الله موسى هناك، وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجداً فإنه ليس هناك قرية للمسلمين، وأن كان هناك مسجد فإذا نهى الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد، فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى.
وهذا ظاهر لا يخفى على أحد فالصحابة سمعوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فهموا منه النهي، وفهموا منه تناوله لغير المساجد، وهم أعلم الناس بما سمعوه، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا ذكر ما تنازع فيهما الأئمة المشهورين، أو غيرهم، وما لم يتنازعوا فيه، فإن بين الطرفين الذين لم يتنازع فيهما الأئمة مسائل متعددة فيها نزاع، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ويفعلون ذلك ويعظمونه، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين تحكى أقوالهم، وتجعل خلافاً على من قبلهم من أئمة المسلمين؟ هذا مما يجب النظر فيه، والله أعلم.
قال المعترض
وقال القاضي أبو الطيب: ويستحب أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يحج ويعتمر، ثم حكى كلام جماعة من الشافعية في الزيارة كالمحاملي (1) والحليمي (2) والماوردي (3)--------------------------------------------
(1) هو الفقيه الإمام أبو الحسن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي المحاملي البغدادي من كبار الشافعية،انظر ترجمته في طبقات الشافعية 4/103 - 104 وشذرات الذهب 3/185 والعبر 3/97 وتاريخ بغداد 1/333 وسير أعلام النبلاء 17/265.
(2) هو القاضي العلامة رئيس المحدثين والمتكلمين، بما وراء النهر أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي.
انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 3/103 والعبر 3/48 وطبقات السبكي 4/333 وطبقات الأسنوي 1/404 -405 وطبقات ابن هداية الله 120 وسير أعلام النبلاء 17/231-232 وكشف الظنون 2/1047 وشذرات الذهب 3/407-408.
(3) هو الإمام العلامة أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي صاحب التصانيف، انظر ترجمته في تاريخ بغداد 12/102-103 والكامل لابن الأثير 9/651 ووفيات الأعيان 3/282-284 وميزان الاعتدال 3/155 وطبقات السبكي 5/267-285 وطبقات الأسنوي 2/387-388 والبداية والنهاية 12/80 وسير أعلام النبلاء 18*-64 ولسان الميزان 4/260-261 وطبقات المفسرين للداوردي 1/423-425 وطبقات المفسرين للسيوطي 25 وطبقات ابن هداية الله 151-152 وشذرات الذهب 3/285-287 وهداية العارفين 1/689 وانظر كشف الظنون وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
وصاحب المهذب (1) ، والقاضي حسن (2) والروياني (3) ، ثم قال: ولا حاجة إلى تتبع كلام الأصحاب في ذلك مع العلم بإجماعهم،وإجماع سائر العلماء عليه، ثم نقل كلام غير واحد من الحنفية في ذلك ثم قال: وكذلك نص عليه الحنابلة أيضاً، قال: أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني (4) الحنبي في كتاب الهداية في آخر باب صفحة الحج.
فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبره صاحبيه رضي الله عنهما. ثم ذكر كلام صاحب المستوعب، وقال بعد حكايته: وأنظر هذا المنصف من الحنابلة الذين الخصم متمذهب بمذهبهم،كيف نص على التوجيه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم نقل كلام ص (4) المغني، وابن حمدان، وذكر أن ابن الجوزي عقد لذلك باباً في كتاب مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، ثم قال: وكذلك نص عليه المالكية، وقد تقدم حكاية القاضي عياض الإجماع، وفي كتاب: تهذيب الطالب (5) ، لعبد الحق الصقلي عن--------------------------------------------
(1) هو يحي بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الفقيه الحافظ الزاهد أحد الأعلام شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا النووي، انظرترجمته في طبقات السبكي 5/165 والبداية والنهاية 13/278 وشذرات الذهب 5/354 وطبقات ابن قاض شهبند 2/153.
(2) هو القاضي حسين بن محمد بن أحمد العلامة شيخ الشافعية بخراسان أبو علي المروذي
انظر ترجمته في وفيات الأعيان 2/134-135 وطبقات السبكي 4/356-365 والعبر 3/249 وسير أعلام النبلاء 18/260-362 وطبقات الأسنوي 1/407-408 وطبقات ابن هداية الله 163-164 وشذرات الذهب 3/310 وكشف الظنون 1/424-517 وغيرها.
(3) هو القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية أبو المحسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني الطبري الشافعي؟
انظر ترجمته في الكامل في التاريخ 10/473 ووفيات الأعيان 3/198-199 والعبر 4/4-5 وطبقات السبكي 7/193 وطبقات الأسنوي 1/565-566 وشذرات الذهب 4/4 وكشف الظنون 1/266-355 وهداية العارفين 1/634 وسير أعلام النبلاء 19-260-262.
(4) هو الشيخ الإمام العلامة الورع شيخ الحنابلة أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن بنحسن العراقي الكلوذاني ثم البغدادي الأزجي، انظر ترجمته في الكامل لابن الأثير 10/524 والعبر 4/21 وسير أعلام النبلاء 19/348-350 وسذرات الذهب 4/27-28.
(5) في كتاب السبكي " تهذيب الطالب " وهو خطأ والصحيح ما ها هنا كما في " معجم المؤلفين 5/94 لعمر رضا كحالة: قال: عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي الصقلي أبو محمد فقيه حج مرات وتوفي بالإسكندرية من تصانيفه: كتاب النكت والفروق لمسائل مدونة وتهذيب الطالب استدراك على مختصر البرادعي وجزء في ضبط ألفاظ المدونة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
الشيخ أبي عمران المالكي، أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة.
وهذا الذي نقله المعترض عن هؤلاء الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة بمعزل عما ذكر فيه الشيخ النزاع بين العلماء، فلا حاجة إلى التطويل باستقصاء ذكر كلامهم، وما نقله عبد الحق الصقلي عن الشيخ أبي عمران فيه نظر وإيهام، والوجوب لم يذهب إليه أحد من العلماء، ثم ذكر فرعاً فيمن استؤجر بمال وشرط عليه الزيارة،وحكى فيه بعض كلام المالكية والشافعية، ثم قال: وقد روى القاضي عياض في (الشفاء) .
قال حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري، وأبو القاسم أحمد بن بقي الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث، حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج، حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد (1) قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين ملكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله عز وجل أدب قومه فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} (الحجرات 002) ومدح قوماً فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} (الحجرات 003) وذم قوماً فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ} (الحجرات 004) وأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر، وقال يا ابا عبد الله: استقبل القبلة وأدعو أم استدبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام (إلى الله يوم القيامة) بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} (النساء 064)
قال المعترض
فانظر هذا الكلام من مالك رحمه الله تعالى، وما اشتمل عليه من الزيارة والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وحسن الأدب معه.
قلت: المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي--------------------------------------------
(1) هو محمد بن حميد الرازي ولم يشهد القصة ولو شهدها فلا يعتمد عليه فهو ضعيف وكذبه أبو زرعة وابن واره،انظر التوسل ص64 وسيأتي كلام المصنف ونقل أقوال أهل العلم فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناد عن مالك ليست بصحيحة عنه، وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد، وهو مخطئ في هذا القول خطأ فاحشاً، بل إسنادها إسناد ليس بجيد، بل هو إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه،بل روايته عنه منطقة غير متصلة وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقات المخرج لهم في صحيح مسلم قال:فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشاً ووهم وهماً قبيحاً.
فإن ومحمد بن حميد المعمري رجل متقدم لم يدركه يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل راوي الحكاية عن ابن حميد، بل بينهما مفازة بعيدة، وقد روى المعمري عن هشام بن حسان ومعمر الثوري، وتوفي سنة اثنتي وثمانين ومائة قبل أن يولد يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن المعمري كان خيثمة وابن نمير وعمرو والناقد وغيرهم، وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين ومائتين فرواية يعقوب بن إسحاق عنه ممكنة بخلاف روايته عن المعمري، فإنها غير ممكنة، وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي، وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير واحد من الأئمة ونسبه بعضهم إلى الكذب.
قال يعقوب بن شيبة الدوسي (1) : محمد بن حميد الرازي كثير المناكير، وقال البخاري (2) ، حديثه فيه نظر، وقال النسائي (3) ليس بثقة، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (4) : رديء المذهب غير ثقة، وقال فضلك الرازي (5) عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث، لا أحدث عنه بحرف، وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري (6) : سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان، وقال صالح بن محمد الحافظ (7) : كان كل ما--------------------------------------------
(1) انظر كلامه في التهذيب 9/129.
(2) انظر التاريخ الكبير 1/69 والضعفاء الصغير له ص205 رقم 315.
(3) الضعفاء والمتروكين ص32.
(4) انظر أحوال الرجال ص207 رقم 382.
(5) انظر التهذيب 9/129
(6) انظر التهذيب 9/129
(7) انظر التهذيب 9/129.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن (أبي) قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه.
وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد وما رأيت أحد أجرأ على الله منه كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي كان يحفظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يزيد، وقال أبو القاسم: عبد الله بن محمد بن عبد الكريم الرازي ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بأصبعه إلى فمه فقلت له: كان يكذب؟ فقال: برأسه: نعم.
فقلت له (كان) قد شاخ لعله يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا، بني كان يتعمد وقال أبو حاتم (1) الرازي: حضرت محمد بن حميد وحضره عون بن جرير، فجعل ابن حميد يحدث بحديث عن جرير فيه شعر فقال عون: ليس هذا الشعر في الحديث، إنما هو من كلام أبي فتغافل ابن حميد فمر فيه.
وقال أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (2) : سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي في منزله، وعنده عبد الرحمن بن يوسف بن خراش، وجماعة من مشايخ أهل الرأي وحفاظهم للحديث، فذكروا ابن حميد فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً وأنه يحدث بما لم يسمعه، وأنه يأخذ أحاديث لأهل البصرة والكوفة فيحدث بها عن الرازيين. وقال ابن عباس بن سعيد: سمعت داود بن يحي يقول: حدثنا عنه يعني محمد بن حميد أبو حاتم قديماً، ثم تركه بآخره، قال: سمعت عبد الرحمن بن يوسف بن خراش، يقول حدثنا ابن حميد، وكان والله يكذب.
وقال أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب الضعفاء (3) : محمد بن حميد الرازي كنيته أبو عبد الله: يروي عن ابن المبارك وجرير، حدثنا عنه شيوخنا مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات، ولا سيما إذا حدث عن شيوخ--------------------------------------------
(1) انظر الجرح والتعديل 7/232 - 233.
(2) انظر الكامل 6/2277.
(3) 2/303.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
بلده، سمعت إبراهيم بن عبد الواحد البغدادي، يقول: قال صالح بن أحمد بن حنبل كنت يوماً عند أبي إذ دق عليه الباب، فخرجت فإذا أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن واره يستأذنان على الشيخ فدخلت وأخبرته فأذن لهم فدخلوا وسلموا عليه فأما ابن واره فباس يده فلم ينكر عليه ذلك، وأما أبو زرعة، فصافحة فتحدثوا ساعة فقال ابن واره: يا أبا عبد الله إن رأيت تذكر حديث أبي القاسم بن أبي الزناد فقال: نعم حدثنا أبو القاسم ابن أبو الزناد عن إسحاق بن حازم، عن ابن مقسم يعني عبيد الله، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر؟ فقال: ((الطهور ماؤه، الحلال ميتته)) وقام فقالوا: ما له قلنا شك في شيء ثم خرج والكتاب بيده فقال في كتابه ميته بتاء واحدة والناس يقولون ميتته، ثم تحدثوا ساة فقال له ابن واره: يا أبا عبد الله رأيت محمد بن حميد، قال نعم، قال: كيف رأيت حديثه؟ قال: إذا حدث عن العراقيين يأتي بأشياء مستقيمة، وإذا حدث عن أهل بلده مثل إبراهيم بن المختار وغيره أتى بأشياء لا تعرف لا يدري ما هي.
قال: فقال أبو زرعة وابن واره: صح عندنا أنه يكذب، قال: فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده.
وقال العقيلي في كتاب الضعفاء (1) : حدثني إبراهيم بن يوسف، قال: كتب أبو زرعة ومحمد بن مسلم، عن محمد بن حميد، حديثاً كثيراً، ثم تركا الرواية عنه، وقال الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى: أبو عبد الله محمد بن حميد الرازي ليس بالقوي عندهم تركه أبو عبد الله بن يحيى الذهلي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة.
فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن، فكيف يقال في حكاية رواها منقطعة: إسنادها جيد مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف.
وقد قال المعترض بعد أن ذكر هذه الحكاية، وتكلم على رواتها: فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها وموافقتها، لما رواه ابن وهب عن مالك، هكذا قال، والذي حمله على ارتكاب هذه السقطة قلة علمه ومتابعته هواه، نسأل الله التوفيق.
والذي ينبغي أن يقال: فانظر هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها وتكارتها وجهالة بعض رواتها ونسبة بعضهم إلى الكذب ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء.
وقد قال شيخ الإسلام في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب--------------------------------------------
(1) 4/61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
الجحيم (1) ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم،وعلى صاحبه واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لا يستقبل قبره وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه وهو الذي ذكره أصحاب الشفاعي، وأظنه منصوباً عنه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه.
وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط، والقاضي عياض وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضاً في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو له ولأبي بكر وعمر (2) ، فقيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة، أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين، أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا، ويؤيده من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده للدعاء،ومن يرخص منهم في شيء من ذلك، فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه، ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبلاً القبلة، إما مستدبراً القبر، وإما منحرفاً عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعوا ولا يدعو مستقبلاً القبر،وهكذا المنقول عن سائر الأئمة ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء أن يستقبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو عنده.
وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله أدب قوماً فقال {أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات 002)--------------------------------------------
(1) ص393-394.
(2) في اقتضاء الصراط المستقيم ص394 ويصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)