والثاني: أن دليلكم دليل التطبيق والموازاة مبناه على أن ما لا يتناها لا يكون بعضه أكثر من بعض.
قالوا: فإذا فرضنا الحوادث من الطوفان والحوادث من الهجرة وطبقنا بينهما فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص وهو محال وإن تفاضلا لزم فيما لا يتناهى أن يكون بعضه أزيد من بعضه قالوا وهذا محال.
فقيل لهم: هذا ينقض عليكم بالحوادث في المستقبل فإن الحوادث المستقبلة من الطوفان أزيد منها في الهجرة ففرق بعضهم بأن ذاك وجد وهذا لم يوجد وهو فرق ضعيف كما ترى.
وأما قولهم: ما لا يتناهى لا يتفاضل فإنهم منعوهم ذلك وقالوا بل كلما دام الشيء كان بقاؤه أطول وإن كان لا أول له وكلما حدثت الحوادث كانت أكثر مما وجد وإن كان لا نهاية له كما أن العدد كلما ضعفته كان أزيد وإن كان لا نهاية له وإذا ضعفت الواحد والعشرة والألف تضعيفا دائما فآحاد الألف أكثر من آحاد العشرة وآحاد العشرة أكثر من آحاد الواحد فتضعيف الجميع لا يتناهى.
ومنهم من فرق بين الماضي والمستقبل.
فإنك إذا قلت لا أعطيتك درهما إلا أعطيتك آخر كان ممكنا وإذا قلت لا أعطيك درهما حتى أعطيك درهما كان غير ممكن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 32)
وهذا ذكره صاحب الإرشاد وغيره وليس هو بتمثيل مطابق إنما المطابق أن يقال ما أعطيتك درهما إلا وقد أعطيتك قبله درهما فأما إذا قال لا أعطيك حتى أعطيك فهنا نفى المستقبل حتى يحصل المستقبل.
والمقصود أن ما هو إثبات ماض قبله ماض لا إثبات مستقبل قبله مستقبل فالتقديرات أربعة مستقبل بعده مستقبل وماض قبله ماض ومستقبل قبله مستقبل وماض بعده ماض فهذان متماثلان وذانك متماثلان والممتنع هنا ذانك لا هذان.
وأيضا فالاعتماد في تنزيه الباري على نفي الجسم طريقة مبتدعة في الشرع متناقضة في العقل فلا تصح لا شرعا ولا عقلا.
أما الشرع فإنه لم يرد بذلك كتاب ولا سنة ولا قول أحد من السلف والأئمة بل الكلام في صفات الله بنفي الجسم أو إثباته بدعة عند السلف والأئمة ولو كان ذلك مما يعتمد في الشرع لدل الشرع عليه وقد عاب الله على اليهود ما وصفوه به من النقائص كقولهم إن الله فقير وقولهم يد الله مغلولة وقولهم استراح والتوراة مملوءة من الصفات فلم يعب عليهم ما فيها ولا ذكر أنهم حرفوا ذلك.
وكثير من أهل الكلام يرد على اليهود بالطريقة المبتدعة ويدع طريقة القرآن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 33)
وأما التناقض في العقل فإنه ما من أحد يثبت شيئا وينفي شيئا لكونه مستلزما للتجسيم إلا أمكن النافي أن يقول له فيما أثبته نظير ما قاله له فيما نفاه.
وهذه عادة الطوائف بعضها مع بعض فالمعتزلة لما قالت للصفاتية من الأشعرية وغيرهم إذا قلتم إن لله حياة وعلما وقدرة وكلاما فلا تعقل هذه المعاني إلا أعراضا والعرض لا يقوم إلا بجسم.
فقالت لهم الصفاتية نحن وأنتم متفقون على أن الله حي عليم قدير ونحن لا نعقل حيا عليما قديرا إلا جسما فإذا جاز إثبات حي عليم قدير ليس بجسم فكذلك قد يجوز إثبات حياة وقدرة تقوم به وليست عرضا وليس هو جسما.
وطائفة من الباطنية والفلاسفة قالت للمعتزلة إذا قلتم إن الله حي عليم قدير فلا نعقل مسمى بهذه الأسماء إلا جسما.
فقالت لهم المعتزلة وأنتم قلتم إن الله موجود قائم بنفسه ولا يعقل موجود قائم بنفسه إلا جسما فإن جاز إثبات موجود قائم بنفسه ليس بجسم جاز إثبات كونه حيا عليما قديرا ولا يكون جسما.
وقالت معتزلة الصفاتية الذين ينفون الصفات الخبرية كصاحب الإرشاد وأتباعه لأئمتهم كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 34)
ابن مجاهد والقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري وغيرهم واليد لا تعقل إلا أبعاض الجسم فإذا أثبتموها وقلتم ليست أبعاض جسم كان هذا غير معقول.
فقال المثبتون كما أنا لا نعقل حياة وعلما وقدرة وكلاما وسمعا وبصرا إلا عرضا قائما بجسم ثم أثبتنا هذه الصفات وقلنا جميعا نحن وأنتم إنها ليست أعراضنا فكذلك نثبت هذه الصفات ونقول ليست أبعاضا فليس نفي الأعراض عن هذه بأولى من نفي الأبعاض عن هذه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 35)
ثم إن المثبتة دارت على النفاة فقالوا للمعتزلة إذا أثبتم حيا عليما قديرا بلا حياة ولا علم ولا قدرة كان هذا تناقضا مثل إثبات أسود بلا سواد وأبيض بلا بياض وطويلا بلا طول وجميلا بلا جمال فإن اسم الفعل المشتق يستلزم ثبوت ما منه الاشتقاق فإثبات اسم فاعل بلا مسمى مصدر تناقض عقلا وسمعا.
وقالوا للفلاسفة إذا قلتم موجود ومعقول وعاقل وعقل وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجعلتم هذا كله واحدا فهذا مكابرة للعقل وإذا قلتم العشق هو العاشق واللذة هو الملتذ به والعلم هو العالم فهذا أعظم تناقضا فمن جعل الصفة هي الموصوف أو هذه الصفة هي تلك كان مكابرا للعقل.
وقال المثبتون للصفات الشرعية لنفاتها لماذا نفيتم أن الله يرضى ويغضب ويحب ويفرح ونحو ذلك مما نطق به الكتاب والسنة.
قالوا لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم والتشبيه فإنا لا نعقل الغضب إلا غليان دم القلب لطلب الإنتقام أو ما يحصل عنه الغليان وكذلك سائرها.
قالوا وكذلك إثبات السمع والبصر والكلام والإرادة ونحو ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم فإنا لا نعقل الإرادة إلا ميل المريد إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره أو ما يلازم هذا المعنى وإلا فإرادة لمراد لا ينفع صاحبه ولا يضره لا يعقل في الشاهد قالوا إرادة الحق لا تشبه إرادة المخلوقين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 36)
قالوا: وكذلك غضب الحق ورضاه لا يشبه غضب خلقه ورضاهم فالقول في أحدهما كالقول في الآخر أما تجويز أحدهما ومنع الآخر فهو مكابرة.
قالوا: الدليل العقلي دل على إثبات الإرادة دون الغضب.
قالوا: فالدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول ونحن أنكرنا عليكم نفيكم لما لم يقم دليل على نفيه فكيف إذا دل السمع على إثباته.
وأيضا فيمكن أن تثبت هذه بأدلة عقلية من جنس أدلة تلك الصفات فإن الفعل دل على القدرة والإحكام دل على العلم والتخصيص دل على الإرادة وإكرام المطيع وعقوبة العاصي دل على الحب والبغض والرضا والغضب أو يقال هذه صفات كمال لا نقص فيها فيجب اتصاف الرب بها ونحو ذلك من الطرق العقلية ولهذا وصف الرب بالرضا والغضب والحب والبغض والفرح ولم يوصف بالحزن والبكاء فإن هذه صفات نقص تستلزم العجز وأما الأولى فصفات كمال تستلزم القدرة وغيرها من صفات الكمال.
وقد تقدم أن العقل يدل على استحقاق الرب لصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص وهو يوجب أن لا يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فإن المثلين ما يجوز على أحدهما ما يجوز
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 37)
على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو جاز مماثلة شيء من الأشياء له في شيء من الأشياء للزم أني جوز عليه ما يجوز عليه ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه.
ما يمتنع عليه وهو سبحانه يجب له الوجود والقدم والبقاء ويمتنع عليه الحدوث والعدم والإمكان فلو ماثله شيء من المحدثات الممكنات للزم أن يجب للمحدث القدم وللممكن الوجوب وأن يجب للواجب القديم الحدوث والإمكان وذلك يستلزم الجمع بين النقيضين من وجوه متعددة.
فإن قيل فالواجب والممكن يتفقان في مسمى الوجود والقيام بالنفس وأن كلا منهما حي عليم قدير فيلزم أن يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر.
قيل: هما لم يتماثلا في هذا الذي اتفقا فيه ولم يتساويا في ذلك بل الثابت لله من ذلك ليس مماثلا للثابت للمخلوق من ذلك بل بينهما من التفاضل أعظم من التفاضل الذي بين أعظم المخلوقات وأدناها.
وإذا قيل: اشتركا في ذلك فمعناه أنهما اشتركا في الكلي المطلق الذي لا يوجد كليا مطلقا إلا في الذهن لا في الخارج وإلا فما لكل منهما من ذلك يختص به لا يشركه فيه غيره ثم ذلك المشترك لا يلزمه شيء من صفات النقص وما وجب له وجاز عليه وامتنع عليه فلا محذور في اتصاف الرب به فمسمى كون الشيء موجودا قائما بنفسه حيا عليما قديرا سميعا بصيرا وإن قيل إنه متفق مشترك فما لزم هذا المشترك ووجب له وجاز عليه أو امتنع عليه فالرب موصوف به
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 38)
ولا محذور في ذلك فإنما المحذور فيما كان من خصائص المخلوق فالرب تعالى منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين إذ خصائصهم كلها تنافي ما استحقه من الكمال الواجب له فهي نقائص بالنسبة إليه وإن قدر أنها كمال للمخلوق.
وكمال كل شيء بحسب ما يمكن وجوده له والمخلوق لا يمكن أن يكون قديما واجبا بنفسه ربا غنيا عما سواه إلى غير ذلك من خصائص الرب فهذا الكمال اختص به الرب كما اختص الرب تبارك وتعالى من الكمال الذي يوصف العبد بما يتفق فيه الاسم كالحياة والعلم والقدرة بما لا يماثله فيه المخلوق فالرب مختص إما بنوع لا يوصف به غيره مثل كونه رب العالمين ونحو ذلك وإما بما لا يماثله فيه غيره كالحياة والعلم.
ثم إنه إذا علم استحقاق الرب تعالى لصفات الكمال لزم أن يكون متكلما سميعا بصيرا لأن هذه الصفات من صفات الكمال وإن لم يتصف بها لزم اتصافه بنقائصها.
ومن ظن أن الكمال لا يعلم إلا بالسمع كصاحب الإرشاد أثبت صدق الرسول بدلالة المعجزة الجارية مجرى تصديق الرسول
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 39)
وقال: إن العلم بكونه رسولا وتصديق المرسل له لا يقف على العلم بكونه متكلما ثم يعلم تنزيهه عن النقائص بالسمع.
فقال له آخرون: فإذا كان مرجعكم في نفي النقائص إلى السمع فأثبتوا هذه الصفات بالسمع من أول الأمر ولا حاجة بكم إلى جعل ذلك موقوفا على مقدمة نفي النقائص التي لا تثبت إلا بالسمع.
وأما أئمة الصفاتية فيقولون إن إثبات الكمال ونفي النقص يعلم بالعقل ولهذا أثبت هذه الصفات بالعقل أئمة السلف وأئمة متكلمة الصفاتية كالأشعري وأمثاله فإنهم كلهم يثبتون استحقاق الرب لهذه الصفات بالعقل.
ومما أنكر عليهم الناس في النفي بطريقة نفي الجسم أن قالوا إن هذه الطريقة هي التي ولدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن وكلام الله تعالى حتى صار كثير من الناس أو أكثرهم في ذلك إما حائرا وإما مخطئا مبتدعا وكفر بعضهم بعضا بسبب ذلك وصار الذين سلكوا هذه الطريق يذكرون ما يمكن من الاختلاف ولا يعلمون أن في المسألة قولا سوى ما ذكروه.
كما نجد أرباب المقالات والملل والنحل يذكرون ذلك مثل كتب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 40)
المقالات لأبي عيسى الوراق والنوبختي ولأبي الحسن الأشعري ولأبي القاسم الكعبي ولأبي الفتح الشهرستاني ولأبي محمد بن حزم وغير هؤلاء.
وكذلك كتب البحث والمناظرة وذلك أن الجهمية والمعتزلة الذين هم أئمة هذه الطريق لما اعتقدوا أن حدوث العالم إنما علم بحدوث
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 41)
ما قام به من الأعراض كالحركات وغيرها وأن ما قام بذلك يكون حادثا قالوا لأن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
وكثير منهم لم يتفطنوا في هذا المقام للفرق بين مقارنة الحوادث المعينة وبين مقارنة حادث بعد حادث إلى غير نهاية بل إذا قيل ذلك تصور العقل أن هذا حادث ليس بقديم وأن ذاك لا يكون قبله بل معه أو بعده فلزم أن يكون قرين الحادث حادثا.
ولكن حكم العقل بهذا على معين ليس حكما على حوادث متعاقبة وعلى النوع المتعاقب من الواحد المعين ولكن تفطن للفرق كثير منهم فاحتجوا على امتناع حوادث لا أول لها بما نبهنا على بعضه وقد استوفينا الحجج في هذا الباب في درء تعارض العقل والنقل وذكرنا كل ما بلغنا أنه ذكر في هذا الباب.
وكذلك أيضا أصحاب هذه الطريق لم يفرقوا بين أن يكون مقارن الحوادث مخلوقا مفعولا محتاجا إلى غيره بحيث لا يمكن أن يفعل دون الحوادث في الأزل وبين أن يكون هو الفاعل المحدث الغنى عن غيره لأن حجتهم وهي امتناع دوام الحوادث تتناول النوعين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 42)
والذين عارضوا هؤلاء من الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك كأرسطو وأتباعه فإنهم جوزوا حوادث لا أول لها ولم يفرقوا بين النوعين.
وأما أئمة أهل الملل وأساطين الفلاسفة ففرقوا بين النوعين فإنه إذا كان المقارن للحوادث الذي لا يخلو عنها مفعولا لغيره هو والحوادث لزم أن يكون أزليا مربوبا وأن يكون ربه موجبا له بذاته بحيث يقارن وجودُه وجودَه والموجب بذاته في الأزل لا يوجب الحادث وحده ولا الحادث وقرينه فإن إيجاب النوع الحادث في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث وقرينه فإن إيجاب النوع الحادث في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث وقرينه في الأزل فإنه يقتضي أن يكون الحادث لازما للموجب في الأزل وهذا ممتنع بل الحادث لا يكون إلا شيئا بعد شيء.
وإذا قيل: اللازم هو النوع الذي يحدث شيئا فشيئا لم يكن شيء من هذا لازما للموجب بذاته ولم يكن أيضا في الأزل موجبا له وإنما يكون إيجابه له شيئا بعد شيء فلا يتصور في الأزل موجب بذاته فلا يتصور قديم يكون غيره ربه وذلك لأن كونه موجبا في الأزل يستلزم كمال إيجابه ومؤثريته فإن ما يسمى الفاعل أو الموجب أو المقتضي أو المؤثر أو نحو ذلك من الأسماء التي تقال في هذا الباب لا يكون مؤثرا حتى يستكمل جميع الشروط التي بها يكون مؤثرا وإذا استكملها وجب حصول الأثر لأن وجود الأثر بدون استكمال شروط التأثير
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 43)
ممتنع وتخلفه بعد استكمالها ممتنع لأنه لو تخلف ولم يجب حينئذ لكان إما ممتنعا وإما ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن يكون الفعل بعد استكمال الفاعل جميع الشروط ممتنعا وهذا تناقض.
ثم إذا قدر أنه كان ممتنعا فإن دام امتناعه لزم أن لا يمكن الفعل بحال وهو خلاف الواقع وإن أمكن بعد ذلك لزم أن يصير ممكنا بعد أن كان ممتنعا مع انه لم يتجدد شرط من شروط التأثير يصحح كون الفاعل مؤثرا.
ومعلوم أن الإمكان بعد الامتناع لا يكون إلا لتجدد أمر يمكن معه الفعل وإن لم يتجدد شيء لزم استواء الحالين فيلزم تخصيص أحدهما بالامتناع والآخر بالإمكان ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا ممتنع في بدائة العقول.
وإن قيل إن الفعل كان ممكنا مع استكمال المؤثر وشروط التأثير ليس بواجب ولا ممتنع.
قيل فحينئذ يمكن وجوده في تلك الحال ويمكن وجوده بعد هذا فتخصيص أحدهما بالوجود إن لم يفتقر إلى مرجح لزم الترجيح بلا مرجح وإن افتقر إلى مرجح كان ذلك المرجح من جملة شروط التأثير وكان الفعل بدونه ممتنعا لا ممكنا فأحد الأمرين لازم إما وجود الممكن وذلك عند وجود مقتضيه التام وإما عدمه وذلك عند عدم مقتضيه التام.
ولهذا قال المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 44)
كونه وجب كونه لا يمكن أن لا يكون وما لم يشأ كونه يمتنع كونه فلا يكون بدون مشيئته.
وإذا كان كذلك فوجود شيء من حوادث العالم وسائر أجزائه في الأزل ممتنع لأنه لا يوجد إلا مع وجود مجموع المؤثرية ولو وجد في الأزل مجموع المؤثرية لزم وجود جميع الآثار ولو وجد جميع الآثار في الأزل لم يحدث في العالم شيء.
ولو قيل: وجد مجموع المؤثرية لحادث بعد حادث.
قيل: كل حادث لا يكون مجموع المؤثرية موجود إلا عند وجوده لأنه لو وجد مجموع المؤثرية ولم يوجد لزم وجود مجموع المؤثر التام بدون أثره ووجوب الموجب التام بدون موجبه والعلة التامة بدون معلولها وهو باطل.
ووجود المخلوق المستلزم للحوادث بدون الحوادث ممتنع فامتنع وجود شيء من المخلوقات في الأزل كما امتنع وجود شيء من الحوادث في الأزل ولو قدر أن بعض العالم قديم وهو خال عن الحوادث ثم تجددت فيه الحوادث لقيل فحينئذ فيلزم حدوث الحادث بلا سبب مرجح وذلك يقتضي ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح فتبين أن الممكنات مستلزمة للحوادث وأن الممكن المستلزم للحوادث لا يكون شيء منه قديما فليس مع الله شيء قديم من العالم.
وبهذا يظهر الفرق بين ما قارن الحوادث من الممكنات وبين ما قارن الواجب بذاته كأفعاله القائمة به ونحو ذلك فإن الواجب هو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 45)
قديم أزلي واجب الوجود بنفسه لا يفتقر في ذلك إلى علة قديمة ولا موجب قديم ولا فاعل قديم بل قدمه ووجوبه من لوازم ذاته القديمة فإذا قدر أنه كما قال أئمة السلف لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا أفعالا تقوم به كان غاية ما يلزم دوام الحوادث فإن كان هذا ممتنعا لزم حدوث ما لا يخلو عن الحوادث وأن الحوادث لها أول فيلزم حدوث العالم وإن كان هذا ممكنا لزم حدوث كل شيء من العالم أيضا لأن الحوادث لا تكون إلا شيئا بعد شيء يمتنع وجودها في آن واحد فليس من الأوقات في الأزل إلى الأبد وقت يمكن فيه وجود جميع المحدثات وهو فاعل لكل حادث وقت إحداثه إياه وهو لا يفتقر في إحداثه الحوادث إلى شيء مباين له بل هو الغني بنفسه عما سواه فليس كونه محدثا لهذا الحادث أو لهذا الحادث بحيث يكون محدثا له بالفعل أمرا قديما لازما لذاته في الأزل ولا هو في الأزل محدثا لجميع الحوادث ولكن هو في الأزل فاعل كما هو في الأبد فاعل لم يزل ولا يزال فاعلا أي فاعلا شيئا بعد شيء وليس في الأزل شيئا محدودا كان فيه فاعلا للجميع بل هو في كل حال أزلي قديم كما لم يزل أزليا قديما.
ففي كل حال يفعل كما كان فيما قبلها يفعل وفيما بعدها يفعل ولم يقارنه على الدوام شيء من الأفعال فأن لا يقارنه شيء من المفعولات بطريق الأولى والأحرى فلا يكون شيء من الأفعال أزليا قديما فلا يكون شيء من المفعولات أزليا قديما ولا يجوز أن يكون في وقت من الأوقات مؤثرا في جميع الحوادث ولا فيما يستلزم جميع الحوادث ولا يكون في وقت من الأوقات يصير مؤثرا في حادث بعد حادث ولكن هو لا يزال مؤثرا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 46)
في حادث بعد حادث لكن لا يقال إنه كان في الأزل أو وقت بعينه مؤثرا في حادث بعد حادث فكونه مؤثرا في حادث بعد حادث هي صفة قديمة النوع باقية ليست قديمة منقطعة.
ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما زال موجودا ليس لوجوده أول ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئا بعد شيء فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديما ولا مجموعه قديم ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار فالتأثير الدائم الذي يكون شيئا بعد شيء وهو من لوازم ذاته هو قديم النوع وليس شيء من أعيانه قديما فليس شيء من أعيان الآثار قديما لا الفلك ولا غيره ولا ما يسمى عقولا ولا نفوسا ولا غير ذلك فليس هو في وقت معين من الأوقات مؤثرا في حادث بعد حادث ولكنه دائما مؤثر في حادث بعد حادث كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثرا في مجموع الحوادث بل هو مؤثر شيئا بعد شيء وهو مؤثر في حادث بعد حادث وقتا بعد وقت فإذا كان المفعول مستلزما للحوادث لم يفعل إلا والحوادث مفعوله معه وهي وإن كانت مفعولة فيه شيئا بعد شيء فالمحدث لها شيئا بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت بعينه لزم أن يكون محدثا من جملتها وهو المطلوب.
وإن قيل: هو مقارن له قديم معه بحيث يوجد معه كل وقت.
قيل: فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له لا محدثا له ولا بد أن يكون علة تامة فيكون في الأزل مؤثرا تام التأثير مستجمعا لشروط
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 47)
التأثير لشيء معين وإذا كان مؤثرا قديما دائما لشيء معين كانت لوازم ذلك المعين معه لا يمكن تأخر شيء منها عنه لامتناع وجود الملزوم بدون اللازم فيلزم وجود الحوادث كلها في الأزل.
فإذا قيل: هي تلزم العالم شيئا بعد شيء.
قيل: فيجب أن يكون محدثها يحدثها شيئا بعد شيء فلا يكون التأثير المعين فيها ولا في شيء منها ولا في واحد بعد واحد أزليا فإن ما يوجد شيئا بعد شيء لم يكن أزليا إلا باعتبار النوع كما تقدم وإنما يكون الأزلي نوع التأثير والكلام إنما هو في شيء معين من العالم فلا يكون شيء معين من العالم أزليا.
يبين هذا أن العالم مفعول له فإذا كان الفعل لا يكون إلا شيئا بعد شيء فالمفعول بطريق الأولى والأحرى.
وإذا قدر مفعول قديم لازم له لزم أن يقدر معه فعل قديم لازم له وإذا كان فعل هذا قديما لازم له وفعل الحوادث الملازمة له شيئا بعد شيء كان له فعلان ومفعولان مع تلازمهما أحدهما قديم لازم له في القدم لا يتأخر عنه شيء في الأزل والآخر دائم يحدث شيئا بعد شيء لا يجوز أن يقارنه شيء في الأزل.
والتقدير أن أحدهما مقارن للآخر ملازم له وهذا جمع بين المتناقضين فإنه إذا قدر أن العالم أو شيء منه قديم لازم له في الأزل لا يجوز تأخره عنه لكونه معلولا له مفعول الفعل القديم اللازم له والعالم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 48)
مقارن للحوادث التي ليس شيء منها قديم لازم له في الأزل بل كان كل واحد منها متأخر عنه ووجودها واحد بعد واحد ليس هو نفيا قديما ثابتا في الأزل بل موجودا شيئا بعد شيء كان ما لا يمكن وجوده في الأزل مقارنا لما يجب وجوده في الأزل وهو متناقض فتبين أن فعلها في الأزل شيئا بعد شيء ممتنع كما أن فعل مجموعها ممتنع وكما أن كل فعل واحد منها في الأزل ممتنع فإذا امتنع فعلها في الأزل على كل تقدير امتنع فعل ما يلزم منها على كل تقدير فإنه إن فعل معها كان ممتنعا وإن فعل معها تقدم فعلها أيضا وهو ممتنع.
وإذا كان قدم العالم أو شيء من المستلزم للحوادث يتضمن فعل الحوادث في الأزل وهو ممتنع على كل تقدير ثبت امتناع قدم شيء من العالم على كل تقدير.
والفرق ثابت بين فعل الحوادث في الأزل وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث فإن الأول يقتضي أن فعلا قديما معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء والثاني يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئا بعد شيء فهذا يقتضي قدم نوع الفعل ودوامه وذاك يقتضي قدم فعل معين وقد تبين أنه يمتنع قدم فعل معين للحوادث فيمتنع فعل الحوادث بدون ملازمها فثبت امتناع فعل الملازم لها في القدم وذلك أن التلازم من الطرفين فإن التقدير أن كل شيء من العالم فإنه مقارن للحوادث ملازم لها يلزم من وجود شيء من العالم وجود حادث معه ويلزم من وجود شيء من حوادث العالم وجود شيء آخر معه ولو كان الملزوم من أحد الطرفين لكفى فإن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 49)
المقصود أن يكون كل شيء من العالم لا يسبق الحوادث المعلوم حدوثها بل يكون معها أو بعدها فإذا كان كل شيء من العالم مستلزما للحوادث كفى ذلك فإن ذلك الجزء من العالم لو كان قديما لكان قديما بفعل قديم معين له وللحوادث معه فإن وجوده بدون وجود الحوادث ممتنع وفعل قديم للحوادث ممتنع ففعل قديم ملزومها ممتنع فقدم ملزومها ممتنع وهو المطلوب.
وإذا أخذت التلازم من الطرفين قلت فعل الحوادث بفعل قديم ممتنع وفعلها بدون ملازمها المقارن لها ممتنع فيلزم إذا فعلت أن تفعل مع ملزومها وذلك لا يكون إلا بفعل قديم وهو ممتنع.
وهذا بين كيفما قلبته فإنك إذا فرضت الملزوم يفعل بفعل قديم وفعلت هي أيضا بفعل قديم آخر لزم قدم الفعلين جميعا لامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر فإنه كما تلازم المفعولان تلازم الفعلان وإذا كان أحد المتلازمين يمتنع قدمه فالآخر أيضا يمتنع قدمه لأنه لو لم يمتنع قدمه للزم إما وجودهما وهو ممتنع أو وجود أحد المتلازمين دون الآخر وهو ممتنع.
فقد تبين أن مع القول بجواز حوادث لا أول لها بل مع القول بوجوب ذلك يمتنع قدم العالم أو شيء من العالم وظهر الفرق بين دوام الواجب بنفسه القديم الذي لا يحتاج إلى شيء وبين دوام فعله أو مفعوله وقدم ذلك فإن الأول سبحانه هو قديم بنفسه واجب غني وأما فعله فهو شيء بعد شيء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 50)
فإذا قيل: هو قديم النوع وأعيانها حادثة لزم حدوث كل ما سواه وامتناع قدم شيء معه وأنه يمتنع أن يكون شيء من مفعولاته قديما إذ كل مفعول فهو مستلزم للحوادث والإلزام حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح لأنه لا يكون قديما إلا بفعل قديم العين لا قديم النوع وفعل قديم العين للحادث ممتنع ولملازم الحادث ممتنع وفعلان قديمان مقترنان أحدهما للحادث والآخر لملازم الحادث ممتنع فتبين امتناع قدم فعل شيء من العالم على كل تقدير لأن وجود المفعول بدون الفعل المشروط فيه ممتنع.
وقد عرف أيضا أن وجود العالم منفكا عن الحوادث ثم إحداث الحوادث فيه أيضا ممتنع فثبت امتناع قدمه على كل تقدير.
ويمكن تقدير حدوث كل العالم بالنظر إلى نفس الفاعل المؤثر فيه مع قطع النظر عن العالم خلاف ما يزعمه ابن الخطيب وطائفة أن القائلين بالقدم نظروا إلى المؤثر والقائلين بالحدوث نظروا إلى الأثر.
وذلك أن يقال قد ثبت أنه موصوف بصفات الكمال وأن الكمال الممكن الوجود لازم له واجب له وأنه مستلزم لذلك.
وحينئذ فيقال الفاعل الذي يمكنه أن يفعل شيئا بعد شيء ويحدث الحوادث أكمل ممن لا يمكنه الإحداث بل لا يكون مفعوله
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 51)