إلى أن قال: فهل لنا أن نسأل أين هي عدالة الصحابة المزعومة التي يدعونها؟ وإذا كان خالد بن الوليد وهو من عظمائنا، حتى لقبناه (بسيف الله) أفكان ربنا يسل سيفه ويسلطه على المسلمين والأبرياء وعلى المحارم فيهتكها
فهذه من الأسباب القوية التي جعلتني أنفر من أمثال هؤلاء الصحابة، ومن تابعيهم الذين يتأولون النصوص، ويختلقون الروايات الخيالية، لتبرير أعمال أبي بكر وعمر وخالد بن الوليد، ومعاوية، وعمرو بن العاص وإخوانهم، اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أبرأ إليك من أفعال هؤلاء وأقوالهم التي خالفت أحكامك، واستباحت حرماتك، وتعدت حدودك، واغفر لي ما سبق من موالاتهم إذ كنت من الجاهلين».
قلت: ونحن نسأل الله أن يوليك ماتوليت، وأن يجزيك بما قلت، وأن ينتقم لأوليائه منك، وأن يري المسلمين فيك، وفي أمثالك آية تكون عبرة للمعتبرين، في الدنيا، وأن يلحقك يوم القيامة بإخوانك المنافقين الطاعنين في أولياء الله، المؤذين لهم بغير ما اكتسبوا إنه
سميع مجيب.
وأما طعنه في خالد بن الوليد، بقتله مالك بن نويرة ودخوله بزوجته مع أنه كان مسلماً.
فجوابه: أن مالك بن نويرة قد اختلف في أمره فقيل: إنه كان ممن منع الزكاة، وقيل: إنه صانع سجاح حين قدمت أرض الجزيرة، وقيل: إنه لما أُسر وأُتي به لخالد رضي الله عنه فأنبه على ماصدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر بضرب عنقه، فضربت عنقه، وإن ثبت عنه هذا فهذا يدل على ردته. وقيل: إن خالداً لما أسره ومن كان معه -وكان ذلك في ليلة شديدة البرد- فنادى مناديه، أن ادفئوا أسراكم فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم، وقتل ضرار بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
الأزور مالك بن نويرة، فلما سمع الداعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمراً أصابه.(1)
وعلى كل حال فقتل خالد لمالك بن نويرة: إما أن يكون لواحد من هذه الأسباب المذكورة، وإما أن يكون لسبب آخر لم نعلمه، وإما أن خالداً لم يرد قتله أصلاً، وإنما قتل خطأً، فإن كل ذلك محتمل. وحينئذ فخالد معذور على كل حال، سواء أكان قتله بحق لسبب يوجب قتله، أو بخطأ ناشئ عن تأويل يعذر به، أو بغير قصد لالوم عليه فيه.
وأما غضب عمر على خالد وقوله له ما قال، فهذا إن ثبت فلكونه يرى أن خالداً كان مخطئاً في قتل مالك، ومع هذا فما كان يتهمه في دينه، بل كان يقول: إن في سيفه رهقاً.
وقد تقدم أن أمر مالك بن نويرة كان مشتبهاً، ولهذا اختلف الصحابة في قتلة، فمنهم من كان على رأي خالد، ومنهم من كان على رأي عمر في تخطئه خالد بقتله، وقد كان الصديق يرى أن خالداً في ذلك كان مجتهداً معذوراً ولذا قال لعمر: (هبه ياعمر تأول فأخطأ).(2)
والمقصود أن كل واحد من الصحابة كان مجتهداً في إحقاق الحق، وأمرهم دائر بين الأجر والأجرين، فمجتهد مصيب له أجران، ومجتهد مخطئ له أجر واحد وخطؤه مغفور، ولا ينتقصهم في شيء من هذا إلا جاهل بأصول الشرع، أو زائغ عن الحق، كهذا الرافضي الذي امتلأ قلبه حقداً وضغينة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسخر نفسه للطعن فيهم، والنيل منهم، مع ماهم عليه من المقامات الشريفة العالية في الدين، والسبق إلى سائر خصال البر والتقوى، وتعديل الله لهم في كتابه والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، وما جعل الله لهم في قلوب المؤمنين من الحب والولاء، وما نشر لهم بينهم من الذكر الحسن وجميل الثناء.--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الطبري 3/ 278، وما بعدها. والبداية والنهاية لابن كثير 6/ 326.
(2) أورده الطبري في تاريخه 3/ 378.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
وأما طعنه في خالد بقتله بني جذيمة وبراءة الرسول صلى الله عليه وسلم من فعله.
فجوابه: أن خالداً قتلهم متأولاً وذلك أنه لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: صبأنا صبأنا، ومعنى: صبأنا: أي انتقلنا من دين إلى دين، وقد كانت قريش تطلق على من أسلم أنه صابئ على سبيل الذم(1)، فلم يقبل خالد منهم ذلك حيث لم يصرحوا بالإسلام، في حين أن بعض من كان معه من الصحابة كابن عمر وغيره أنكروا عليه، لأنهم عرفوا أنهم أرادوا الإسلام، ولذا قال ابن عمر راوي الحديث (فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا)(2) وقد كان خالد متأولاً في قلتهم، غير مذموم بفعله، وإن كان مخطئاً فيه.
قال الخطابي: «يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع على سبيل الأنفة، ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولاً».(3)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن هذه الحادثة: «فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلم يقبل ذلك
منهم، وقال: إن هذا ليس بإسلام، فقتلهم، فأنكر ذلك عليه من معه من أعيان الصحابة: كسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) لأنه خاف أن يطالبه الله بما جرى عليهم من العدوان
ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعزل خالداً عن الإمارة، بل مازال يؤمرُه ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك، وأُقرّ على ولايته، ولم يكن خالد معانداً للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كان مطيعاً له، ولكن لم--------------------------------------------
(1) انظر: فتح الباري 8/ 57.
(2) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى جذيمة)، فتح الباري 8/ 56 - 57، ح 4339.
(3) فتح الباري لابن حجر 8/ 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية».(1)
وقال ابن حجر في شرح الحديث: «وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم صبأنا أي: خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام».(2)
فهذه أقوال أهل العلم، تدل على أن خالداً إنما قتل بني جذيمة لظنه أنهم ما أرادوا الإسلام بقولهم (صبأنا) ولم يكن بفعله هذا عاصياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان مجتهداً متأولاً، لأن اللفظ مشتبه والاحتمال
الذي ذهب إليه وارد.
وأما براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من فعله فلخشية المؤاخذة به من الله، وهذا لا يوجب الطعن في خالد، فالبراءة من الفعل الخاطئ شيء، وتأثيم صاحبه وذمه شئ آخر، وذلك أن العبد لا يؤاخذ بشيء من الأخطاء سواء في باب الاعتقاد، أو في باب الفروع إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع التي يعذر بها عند الخطأ، على ماهو مقرر في أصول الاعتقاد عند أهل السنة.
أما قول الرافضي: فهل لنا أن نتساءل أين هي عدالة الصحابة المزعومة التي يدعونها الخ كلامه.
فيقال له: إن عدالة الصحابة ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، ولا يتَوَصل أحد إلى القدح فيها إلا بعد إنكار النصوص القاطعة بعدالتهم من الكتاب والسنة، المتضمنة أحسن الثناء عليهم وأبلغه من الله ورسوله، ولذا كان القدح في الصحابة علامة الزنادقة والملاحدة، وقد تقدم فيما مضى من البحث عرض النصوص وأقوال أهل العلم في القطع بعدالة الصحابة، مما يغني عن إعادتها، وإنما أكتفي هنا بما ذكره الإمامان الجليلان أبو زرعة وأحمد -رحمهما الله تعالى- في حكم من طعن في الصحابة وقدح فيهم.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 4/ 486.
(2) فتح الباري 8/ 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل يتنقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) .(1)
وقال الإمام أحمد: (إذا رأيت الرجل يذكر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء، فاتهمه على الإسلام) .(2)
وهذا الرافضي لم يقتصر على الطعن فقط، بل تعدى إلى ماهو أعظم منه وذلك باتهامه الصحابة بالردة كلهم، إلا القليل منهم.
يقول: «فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا، وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده صلى الله عليه وسلم إلا القليل، الذي عبر عنه بهَمَل النعم» .(3)
ويقول: «وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم، لأني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة الذين
ثبت عندي، أنهم ارتدوا على أعقابهم، ولم ينج منهم إلا القليل» .(4)
فهل يبقى مجال للشك بعد هذا في كفر هذا الرجل وزندقته، وبراءته من الإسلام، وأنه ما أراد بكتبه هذه التي تقوم على الزندقة والإلحاد، إلا--------------------------------------------
(1) رواه الخطيب في الكفاية ص49.
(2) ذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص209، وشيخ الإسلام
ابن تيمية في الصارم المسلول ص568.
(3) ثم اهتديت ص119-120.
(4) ثم اهتديت ص156.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
هدم أصول هذا الدين، وتقويض دعائمه بالطعن في رواته وحملته للأمة. مظهراً الرفض ومبطناً الكفر المحض، كما هو طريق كل زنديق وملحد في الكيد للإسلام وأهله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
احتجاج الرافضي بحديث: (مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح … )
قال الرافضي ص 189 ضمن ذكره الأحاديث التي زعم أنها توجب اتباع أهل البيت:
«2 - حديث السفينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما مثل أهل بيتي فيكم، مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق).
(إنما مثل أهل بيتي فيكم، مثل باب حطّة في بني إسرائيل، من دخله غفر له).
وقد أورد ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة هذا الحديث ثم قال: ووجه تشبيههم بالسفينة: أن من أحبهم وعظمهم، شكراً لنعمة مُشَرّفهم وأخذاً بهدي علمائهم، نجا من ظلمات المخالفات، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان».
قلت: هذان الحديثان لا يصحان، وادعاء المؤلف صحتهما عند أهل السنة كذب عليهم، كما هي طريقته، وطريقة سلفه من الرافضة، في إيرادهم المنكرات المتفق على وضعها أو ضعفها بين العلماء وادعاء صحتها، عند أهل السنة فلعنة الله على الظالمين الكاذبين.
قال شيخ الإسلام عن الحديث الأول، في رده على الرافضي في منهاج السنة: «وأما قوله: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح): فهذا لا يعرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
له إسناد صحيح، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها، فإن كان قد رواه مثل من يروي أمثاله من حطاب الليل، الذين يروون الموضوعات فهذا يزيده وهناً».(1)
قال الذهبي: في ترجمة مفضل بن صالح (رواي هذا الحديث): «قال ابن عدي: أنكر ما رأيت له حديث الحسن بن علي، وسائره أرجوأن يكون مستقيماً. قلت: وحديث سفينة نوح أنكر وأنكر».(2)
وقال ابن كثير بعد إيراده للحديث: «هذا بهذا الإسناد ضعيف».(3)
كما حكم بضعفه العلامة محمد ناصر الدين الألباني في ضعيف الجامع.(4)
وكذا الشيخ مقبل الوادعي في رياض الجنة حيث قال: «فيه سويد بن سعيد، وهو ضعيف، وحنش وهو ابن المعتمر وهو أضعف منه، ومفضل بن صالح وهو منكر الحديث».(5)
وأما الحديث الثاني: فقد حكم العلماء بضعفه لجهالة رواته، قال عنه الهيثمي: «رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم».(6)
ومع هذا فلو ثبت الحديثان لما كان للرافضة حجة فيهما، فإن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من أبعد الناس عن عقيدتهم. وأقوالهم في ذمهم والبراءة منهم ومن عقيدتهم مشهورة، وقد تقدم نقل طرف منها فيما مضى من البحث.(7)--------------------------------------------
(1) منهاج السنة /395.
(2) ميزان الاعتدال 4/ 167، وانظر: تضعيف الذهبي له أيضاً في التلخيص مع المستدرك 3/ 163.
(3) تفسير ابن كثير 4/ 114.
(4) انظر ضعيف الجامع الصغير رقم 1974.
(5) رياض الجنة في الرد على أعداء السنة ص 213.
(6) مجمع الزوائد 9/ 168.
(7) انظر: ص 112 - 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
وأما كلام ابن حجر الهيتمي فهو توجيه لمعنى الحديث لو ثبت، فإذا تقرر عدم ثبوت الحديث، فلا حجة فيه وحكمه حكم كلام غيره من العلماء معروض على النصوص، فما وافقها فهو حق مقبول، وما خالفهما فهو خطأ مردود. على أن ابن حجر من أشد الناس على الرافضة، وكتابه الصواعق المحرقة -الذي جاء هذا النص فيه- هو في الرد عليهم وعلى غيرهم من الزنادقة، وهذا يدل أنه مع تقريره وجوب المتابعة لأهل البيت، لم يقصد تصحيح معتقد الرافضة، بل كان يعلم براءة أهل البيت منه، وإنما هو في الحقيقة انتصار لعقيدة أهل السنة، الذين هم على عقيدتهم ولا يتميزون عنهم بشيء في دينهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
احتجاج الرافضي بحديث: (من سره أن يحيا حياتي … ) والرد عليه
قال الرافضي ص191 «3- حديث من سره أن يحيا حياتي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال علياً من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي) .
وهذا الحديث هو كما نرى من الأحاديث الصحيحة، التي لا تقبل التأويل، ولا تترك للمسلم أي اختيار، بل تقطع عليه كل حجة، وإذا لم يوال علياً، ويقتد بأهل البيت عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو محروم من شفاعة جدهم رسول الله، وتجدر الإشارة هنا: بأنه خلال البحث الذي قمت به شككت في البدء في صحة هذا الحديث، واستعظمته لما فيه من تهديد ووعيد لمن كان على خلاف مع علي وأهل البيت، وخصوصاً أن هذا الحديث لا يقبل التأويل، وخفت الوطأة عندما قرأت في كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني بعدما أخرج الحديث قوله: «قلت في إسناده يحيى بن يعلي المحاربي وهوواه» وأزال
ابن حجر بهذا القول بعض الإشكال الذي علق بذهني إذ تصورت أن
يحيى بن يعلي المحاربي هو واضع الحديث، وهو ليس بثقة، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يوقفني على الحقيقة بكاملها، وقرأت يوماً كتاب: (مناقشات عقائدية في مقالات إبراهيم الجبهان) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
وأوقفني هذا الكتاب على جلية الحال إذ تبين أن يحيى بن يعلي المحاربي هو من الثقات الذين اعتمدهم الشيخان مسلم والبخاري، وتتبعت بنفسي فوجدت البخاري يخرج له أحاديث في باب غزوة الحديبية من جزئه الثالث في صفحة عدد 31، كما أخرج له مسلم في صحيحه في باب الحدود من جزئه الخامس في صفحة عدد 119
وعرفت بعد ذلك أن بعض علمائنا يحاولون جهدهم تغطية الحقيقة، لئلا ينكشف أمر الصحابة والخلفاء الذين كانوا أمراءهم وقدوتهم».
وجوابه: أن ما ادعاه من صحة الحديث فكذب، والمرجع في الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف هم جهابذة هذا العلم من أهل السنة والجماعة، أهل الصدق والورع، لا هذا الرافضي الجاهل الأفاك وهذا الحديث قد حكم العلماء بضعفه بل بوضعه.
قال ابن منده: «لا يصح».(1)
وقال الذهبي في التلخيص معلقاً على كلام الحاكم في حكمه
بصحة الحديث: «أنى له الصحة، والقاسم بن أبي شيبة متروك وشيخه ضعيف، واللفظ ركيك، فهو إلى الوضع أقرب».(2)
كما حكم العلامة محمد ناصر الدين الألباني على الحديث بالوضع في سلسلة الأحاديث الضعيفة(3)، وبهذا يظهر كذب المؤلف في ادعائه صحة الحديث عند أهل السنة.
وأما ادعاء الرافضي بأن يحيى بن يعلي المحاربي قد روى هذا الحديث، وأن ابن حجر ضعفه ليرد الحديث، ويخفي الحقيقة، مع أن يحيى بن يعلي المحاربي هو من رجال الشيخين، وأخرجا له عدة أحاديث في الصحيحين.--------------------------------------------
(1) نقله عن ابن منده الحافظ ابن حجر في الإصابة 4/ 35.
(2) التلخيص مع المستدرك 3/ 139.
(3) 2/ 294 - 299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
فهذا من أعظم الكذب والتلبيس، فإن هذا الحديث لم يرد في سنده: يحيى بن يعلي المحاربي، وإنما روي من طريق: يحيى بن يعلي الأسلمي كما أخرجه الحاكم، وكذا رواه أبو نعيم في الحلية، والهيثمي في مجمع الزوائد من طريقه(1)، ويحيى الأسلمي: ضعيف كما صرح بذلك النقاد.
قال يحيى بن معين: «ابن يعلي الأسلمي ليس بشيء».(2)
قال البخاري: «مضطرب الحديث».(3)
وهذا بخلاف يحيى بن يعلي المحاربي فهو ثقة.(4)
فظهر بهذا ضعف الحديث، وافتراء المؤلف في رميه لابن حجر بالتزوير وقلب الحقائق، وهو بريء من كل ذلك رحمه الله رحمة واسعة- ومثله منزه عن هذه التهم، وإنما الذي حصل أنه قال في كتاب الاصابة بعد أن ذكر الحديث بسنده: «قلت في اسناده يحيى بن يعلي المحاربي وهو واه»(5)، فلفظة: (المحاربي) وهم من ابن حجر، أوتصحيف من النساخ، والمقصود قطعاً هو (الأسلمي) وذلك
لعدة أمور:
الأول: أن المحاربي لم يرد أصلاً في سند الحديث.
الثاني: أن ابن حجر قال: قلت: في سنده فلان فتبين أنه أراد راوي الحديث وهو الأسلمي لا المحاربي.
الثالث: التشابه الكبير بين الرجلين في الإسم حيث إن كلاً
منهما: يحيى بن يعلي وهذا سبب قوي في حصول مثل هذا الخطأ.--------------------------------------------
(1) انظر: المستدرك للحاكم 3/ 139، ح 4642، وحلية الأولياء لأبي نعيم 4/ 349، ومجمع الزوائد 9/ 108.
(2) الكامل في الضعفاء لابن عدي 7/ 2688.
(3) المصدر نفسه
(4) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي 4/ 415.
(5) الإصابة 4/ 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
الرابع: أن الحكم الذي ذكره ابن حجر في نقد الراوي مناسب لما ذكره العلماء في يحيى الأسلمي على ما تقدم نقل كلامهم فيه، مما
يدل على أنه هو المراد في كلام ابن حجر.
الخامس: أن ابن حجر نفسه صرح بتوثيق المحاربي، وتضعيف الأسلمي في التقريب(1) مما يقطع بأن ماوقع في الإصابة وهم أو خطأ من النساخ.
وهذا كله مما يدل على براءة ابن حجر رحمه الله مما رماه به هذا الرافضي، ومثل هذا الخطأ يحصل كثيراً في كلام أهل العلم، إما بسبب وهم للعالم، أو بسبب خطأ من النساخ، ولا يضر العالم في شيء. لكن هذا الرافضي يحمله الهوى والكذب، على اتهام هذا الإمام بما قال، وهذه طريقة الرافضة في الانتصار لمعتقدهم الفاسد، أنهم لا يتورعون عن الكذب والتزوير، ورمي الناس بالظلم في سبيل تقرير ما يريدون، وأشد من هذا تطاولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالتحريف والتغيير، والإنكار الصريح لمدلولات نصوصهما فأي خير يرجى منهم بعد هذا، وأي ثقة تبقى في نقلهم وأخبارهم.--------------------------------------------
(1) انظر: تقريب التهذيب ص598.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
دعوى الرافضي أن الصحابة كانوا يجتهدون
مقابل النصوص وأن أول من فتح هذا
الباب عمر والرد عليه في ذلك
قال الرافضي ص 197 تحت عنوان مصيبتنا في الاجتهاد مقابل النص: «استنتجت من خلال البحث، أن مصيبة الأمة الإسلامية انجرت عليها من الاجتهاد الذي دأب عليه الصحابة مقابل النصوص الصريحة، فاخترقت بذلك حدود الله، ومحقت السنة النبوية، وأصبح العلماء والأئمة بعد الصحابة يقيسون على اجتهادات الصحابة، ويرفضون بعض الأحيان النص النبوي، إذا تعارض مع ما فعله الصحابة
ومن أول الصحابة الذين فتحوا هذا الباب على مصراعيه هو: الخليفة الثاني، الذي استعمل رأيه مقابل النصوص القرآنية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعطل سهم المؤلفة قلوبهم، الذين فرض الله لهم سهماً من الزكاة، وقال: لا حاجة لنا فيكم».
قلت: لا يخفى ما في كلام هذا الرجل من الكذب والتلبيس، وقلب الحقائق، وعظيم الجرأة على إنكار ما هو معلوم بالضرورة من الدين والتأريخ والواقع، وذلك في رميه للصحابة برفض النصوص، وترك السنة، ومعارضتها بأقوالهم وآرائهم. مع أن المعلوم من حال الصحابة المقطوع به في المسلمين، أنه ما عرفت الأمة مثلهم في شدة الحرص على النصوص،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
وحسن المتابعة لها، وقوة العزيمة في الأخذ بها، والقيام بها أيّما قيام، وتطبيقها في كافة الظروف والأحوال، حتى أصبحو بذلك مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال، على مر السنين والقرون، في القوامة بأمر الدين. حتى إن عوام المسلمين إذا ما رأوا من رجل صدق التدين، وحسن الاستقامة، قالوا في وصفه على سبيل التمدح: (كأنه تربّى على الصحابة، أو كأنه يعيش بين الصحابة) وما ذلك إلا لما اشتهر في الأمة واستفاض من عدالة هؤلاء الصحابة، ورسوخ قدمهم في الدين، وقوة تمسكهم به.
ومرجع هذا كله إلى ما تضافرت عليه نصوص الشرع، مما يطرق أسماع المسلمين في كل وقت وحين، من وصف الله ورسوله للصحابة بأحسن الصفات، والثناء عليهم بأجمل الثناء، والشهادة لهم بالإيمان والتقوى، وأن الله قد رضي عنهم ورضوا عنه، وأعدلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وأن رسوله قد مات وهو راض عنهم، مبشرهم بالخير من ربهم.
ولذا فإن طعن هذا الرافضي في الصحابة بما يقدح في دينهم، وعدم تمسكهم بالشرع، لا أرى أنه يحتاج إلى تكلف رد، لرسوخ الاعتقاد في الأمة بعدالتهم، واستفاضة النصوص بعلو شأنهم في الدين ومكانتهم.
وإنما أشير هنا على وجه الخصوص، إلى كذب ما ادعاه الرافضي من توسع عمر رضي الله عنه في الاجتهاد والعمل برأيه مقابل النصوص، لخشية التلبيس في هذا الأمر على من لا علم عنده من العامة وأهل الجهل.
وبيان كذبه وفساد ما ادعاه في ذلك يكون من عدة وجوه.
الوجه الأول: أن هذه دعوى مجردة عن الحجة والدليل، لا قيمة لها عند أهل النظر والتحقيق، إذ المؤلف لم يقدم عليها دليلاً واحداً، يدل على ثبوت ما ادعاه.
الوجه الثاني: أن الطعن في عمر بهذا قدح في النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوصى الأمة باتباع سنته، وسنة الخلفاء الراشدين، وقد كان عمر منهم، وذلك في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
قوله كما في حديث العرباض بن سارية (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).(1)
وكذلك أمره بالاقتداء بأبي بكر وعمر كما في حديث حذيفة
رضي الله عنه أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).(2)
فاذا كان عمر على ما يدعي الرافضي من العمل بالرأي،
واطراح السنة، وأنه أول من غير وبدل، لزم من هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غاشاً لأمته غير ناصح لها بأمره باتباع سنة عمر والاقتداء به،
ولا يمكن للخصم أن يدعي أن ذلك التغيير من عمر حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن معلوماً له عند النطق بتلك الأحاديث وذلك لسببين.
الأول: أن الرافضي ذكر في كلامه أن معارضة عمر للسنة كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه عارض النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة.
الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشرع من عند نفسه، وإنما هو مبلغ عن ربه {وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا وحي يوحى}(3)، فلو كان حال عمر خفي على النبي صلى الله عليه وسلم، أفكان يخفى على رب العالمين!! فلما جاء الأمر بالاقتداء بعمر ممن لا ينطق عن الهوى، علمنا أن عمر كان على الحق والهدى، على رغم أنف هذا الرافضي الحاقد.
الوجه الثالث: أن عمر رضي الله عنه شهد له الصحابة الذين لا يخافون في الله لومة لائم، أنه كان يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أبو بكر في خلافته، فقد روى ابن أبي شيبة في خبر مقتل عمر وفيه أن الصحابة اجتمعوا إلى عمر بعد طعنه فقالوا له:
(جزاك الله خيراً قد كنت تعمل فينا بكتاب الله، وتتبع سنة صاحبيك لا تعدل عنها إلى غيرها، جزاك الله أحسن الجزاء).(4)--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه ص 560.
(2) تقدم تخريجه ص 560.
(3) سورة النجم 3 - 4.
(4) المصنف لابن أبي شيبة 7/ 440.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
ولهذا كان علي بن أبي طالب يغبطه على ما كان عليه من الخير
وتمنى لو لقي الله بمثل عمله كما ثبت في الصحيحين من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (وضع عمر على سريره فتكنّفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقي الله بمثل عمله منك، وأيم الله إنْ كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر).(1)
وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما إن لم يجد للمسألة حكماً في الكتاب أو السنة أفتى بقول أبي بكر وعمر، على ما روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن أبي زيد قال: (كان ابن عباس إذا
سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه).(2)
ففي هذه النقول عن الصحابة المتضمنة حسن الثناء على عمر، ورسوخ قدمه في الدين، وعظم شأنه في العلم والعمل بالسنة، أكبر دليل على دحض دعوى الرافضي الجائرة، كما أن في موقف علي من عمر على وجه الخصوص إلزاماً لهذا الرافضي بقول من يعتقد إمامته ويدعي عصمته. فإذا كان عمر على ما يعتقد فيه هذا الرافضي من القول بالرأي، وترك السنة، فلِمَ يتمنى علي رضي الله عنه أن يلقى الله بمثل عمله ولِمَ يفتى ابن عباس وهو الإمام الجليل من أئمة أهل البيت بقوله أم أن علياً وابن عباس كانا ضالين في هذا!!
الوجه الرابع: أن الثابت من سيرة عمر رضي الله عنه وأقواله المأثورة عنه،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب)، فتح الباري 7/ 41، ح 3685، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر) 4/ 1859، ح 2389.
(2) سنن الدارمي 1/ 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
يدل على بطلان دعوى الرافضي، فقد كان رضي الله عنه من أشد الناس تمسكاً بالنصوص، والوقوف عندها، وأقواله في ذلك مشهورة:
فمن ذلك ما أخرجه الدارمي والآجري وغيرهما بسند صحيح عنه أنه قال: (سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم
بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله).(1)
وقد أورد الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين فصلاً خاصاً في المنقول عن عمر رضي الله عنه في التحذير من الرأي.
ومما جاء فيه عن عمر أنه قال: (أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأي).
وعنه أنه قال: (اتقوا الرأي في دينكم).
وقال أيضاً: (السنة ما سنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة).(2)
قال ابن القيم: «وأسانيد هذه الآثار عن عمر، في غاية الصحة».(3)
فكيف يظن بمن هذا قوله، أن يعارض النصوص برأيه واجتهاده، فإن هذا من أبعد المحال عند التأمل والاعتبار.
الوجه الخامس: إن قول الرافضي: إن عمر عطل سهم المؤلفة قلوبهم جهل بالشرع ومقاصده، وتطاول على عمر رضي الله عنه بما لا علم
لهذا الرافضي به، وذلك أن سهم المؤلفة قلوبهم فرض في الشرع تألفاً لبعض الناس من سادات الناس وكبرائهم على الإسلام وللحاجة إليهم، فلما قوي الإسلام--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارمي 1/ 62، والآجرى في الشريعة ص 52، وابن بطة في الإبانة الكبرى 1/ 250، وذكر المحقق أن إسناده صحيح، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/ 123.
(2) أعلام الموقعين 1/ 54 - 55.
(3) المصدر نفسه 1/ 55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
وكثر أتباعه اجتمع رأي الصحابة رضي الله عنهم على عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم شيئاً، لعدم الحاجة إليهم، ولزوال السبب الذي كانوا يعطون من أجله.
قال القرطبي: «قال بعض علماء الحنفية: لما أعز الله الإسلام وأهله، وقطع دابر الكافرين -لعنهم الله-، اجتمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي الله عنهم على سقوط سهمهم» .(1)
وقال ابن قدامة «لم ينقل عن عمر، ولا عثمان، ولا علي، أنهم أعطوهم شيئاً» .(2)
وهذا يدل على اتفاق الصحابة على عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم في ذلك العهد، وأن هذا هو الذي عليه الخلفاء الثلاثة عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم لكن القطع بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم ونسبته للصحابة -كما نص على ذلك بعض علماء الحنفية ونقلوا إجماعهم عليه- محل نظر. فالمشهور عن الصحابة هو عدم إعطاء أهل التأليف
شيئاً، كما نقل ذلك عنهم ابن قدامة، وهذا لا يلزم منه أنهم كانوا يرون سقوط سهم المؤلفة قلوبهم بالكلية، بل يحتمل أنهم رأوا منع أولئك المعاصرين لهم، لعز الإسلام، وعدم الحاجة إليهم من غير قطع بسقوط سهمهم في كل عصر عند الحاجة إليهم.
يشهد لهذا أن العلماء من بعد الصحابة اختلفوا في سقوط سهم المؤلفة قلوبهم على قولين: فمنهم من يرى سقوط سهمهم، ومنهم من يرى أن سهمهم باق، وأن عطاءهم بحسب الحاجة إليهم، فإن احتيج إليهم أُعطوا، وإلا لم يعطوا، وهذا بناءً على ما فهموه من فعل الصحابة، الذي كان محتملاً لكل واحد من هذين القولين.
يقول القرطبي ناقلاً الخلاف بين العلماء في المسألة: «واختلف العلماء في بقائهم (أي: المؤلفة قلوبهم) قال عمر، والحسن، والشعبي وغيرهم:--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي 8/168.
(2) المغني 9/316.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره، وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي
وقال جماعة من العلماء: هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستأنف على الإسلام، وإنما قطعهم عمر لما رأي من إعزاز الدين.
قال يونس: سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخاً في ذلك.
قال أبو جعفر النحاس: فعلى هذا الحكم فيهم ثابت، فإن كان أحد يحتاج إلى تألفه، ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة، أو يرجى أن يحسن إسلامه بعد، دُفِعَ إليه.
قال القاضي عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أُعطوا من الصدقة.
وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم فإنّ في الصحيح (بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ)(1)».(2)
ومن خلال هذا العرض لأقوال الصحابة والعلماء في المسألة يتبين لنا أمران:
الأول: أن القول بمنع المؤلفة قلوبهم عطاياهم لما قوي الإسلام لم يكن قول عمر وحده، وإنما هو قول عامة الصحابة، وهو الذي درج عليه عمل الخليفتين الراشدين من بعد عمر: عثمان وعلي، كما نقل ذلك العلماء عنهم، فلِمَ التشنيع على عمر في قول شاركه فيه عامة الصحابة، وكان على العمل به الخليفتان الراشدان من بعده (عثمان وعلي) رضي الله عنهما!! وإذا كانت الرافضة تعتقد في علي رضي الله عنه أنه الإمام المعصوم من الخطأ، المنزه عن السهو، والغفلة، والزلل،
فما بال هذا الرافضي يطعن في عمر في أمر قد--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم: (كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً) 1/ 130، ح 145.
(2) تفسير القرطبي 8/ 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)