طغيانها، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك إلا الخروج على ذلك الدين ـ الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين ـ والتمرد عليه وإبعاده، وطرده من كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والأخلاقية وغيرها.
وعلى ذلك، فالعلمانية هي ذلك اللفظ الخادع الذي استخدم بدلاً من عبارة اللادينية والتي تعتبر أصل الحركة التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي لتعبر عن وجهة نظر المنكرين لوجود الله أو الذين يفصلون بين وجود الله وتأثيره في الحياة، فعلى فرض أن الحركة لم تنكر الدين من أساسه وإنما تعزله عن المجتمع وتدع الفرد يباشر عبادته في نطاق حياته الفردية، فإن فكرة بهذه الصورة فكرة لا دينية، والمجتمع الذي يتبناها مجتمع لا ديني، لأن المجتمع الذي يلجأ إلى التخلص من الدين بعزله عن تيار الحياة وحركتها وحبسه داخل جدران الكنيسة إنما هو مجتمع لا ديني، وإن ادعى غير ذلك.
صور العلمانية:
إن للعلمانية صورتين، كل صورة منها أقبح من الأخرى:
الصورة الأولى: العلمانية الملحدة: وهي التي تنكر الدين كلية، وتنكر وجود الله الخالق البارئ المصور، ولا تعترف بشيء من ذلك، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها إلا أن الحكم عليها أمر ظاهر ميسور لكافة المسلمين، لا ينطلي ـ بحمد الله ـ أمرها على المسلمين، ولا يقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه. وخطر هذه الصورة من العلمانية من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 782)
حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب أو السجن أو القتل.
وأصحاب هذه العلمانية لا ينادون إلى نيل بغيتهم مباشرة؛ لأنهم يعرفون أن أغلب الناس يرفضون، ولهذا تراهم دائمًا يتسترون بإحدى الستائر المعروفة من الشيوعية أو الاشتراكية أو الداروينية، أو الفرويدية أو القومية أو الوطنية مثلاً، فهذه الستائر ما هي إلا صور حية واقعية للعلمانية الملحدة.
لأن العلمانية الملحدة ليست لديها من الأدلة التي تستطيع من خلالها أن تقنع المخالف لها، فلهذا هي دائمًا تتستر بإحدى النظريات المذكورة، لأن هذه النظريات يرى واضعوها ومؤيدوها ومناصروها أن لها أدلة علمية ثابتة، وإن كانت ما هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
فهذه العلمانية الملحدة هي المقصودة عندنا في هذا الباب، لأنها شرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه والمخلوق عن خالقه، وهؤلاء ليست لهم شبهة خاصة بهم إلا ما هو موجود عند الشيوعية المادية والداروينية التطورية، وقد سبق الرد عليها مفصلاً، فلينظر إليه.
الصورة الثانية: العلمانية غير الملحدة: وهي علمانية لا تنكر وجود الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 783)
وتؤمن به إيمانًا نظريًا، لكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة، وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله، وعدم ظهور محاربتها للدين يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الفكرية، فلا يتبينون ما فيها من الكفر لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية، والكثرة الكاثرة والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك. وسيأتي تفصيل البيان في حكم هذه الصورة وشبهها فيما بعد.
والمقصود هنا: بيان كون العلمانية الملحدة من الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن الصانع والمخلوق عن الخالق.
الفرع الخامس: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في القومية:
القومية: مصدر صناعي، ونسبتها إلى قوم، وقوم الرجل: شيعته وعشيرته. ولفظ قوم ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة مطلقًا ومقيدًا، وسمي القوم قومًا؛ لأنهم في الأصل يقومون بمهام الأمور ويقيمونها بما يقوم به وتصلح عليه بمشيئة الله.
وأما المقصود بالقومية: فاختلف دعاتها على أقوال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 784)
منهم من يقول: هي مجرد انتساب إلى جنس معين. أو هي نتيجة التكلم بلغة واحدة، أو هي آثار من آثار وحدة الأرض والوطن والولاء للدولة القومية، أو هي نتيجة الرغبة في التعايش الاقتصادي المشترك.
أو هي: ارتباط الفرد بجماعة من الناس تعرف باسم الأمة والحرص على مصالح هذه الجماعة والعمل من أجلها.
أو هي: شعور أبناء الأمة الواحدة بأن ثمة ما يجمعهم ليكونوا أمة واحدة وما يميزهم عن غيرهم من الأمم الأخرى، سواء أكانت هذه المميزات حضارية أو تاريخية أو اقتصادية أو سياسية.
فيظهر لنا: أن عناصر القومية هي:
1 - وحدة الأصل والعِرق.
2 - وحدة اللغة.
3 - وحدة التاريخ.
4 - وحدة الثقافة.
5 - المصالح المشتركة.
6 - وحدة المشاعر حول آلام الماضي وآمال المستقبل.
ويصرون على حذف وحدة الدين، بل هذا في مقدمة ما يحذفونه من عناصر؛ لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين، وعزله عن السياسة والمجتمع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 785)
نشأتها:
ليس هناك تاريخ محدد لظهور الحركة القومية، ويتفق المؤرخون: أن شعار (القومية) شعار معاصر، ظهر في أوروبا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وكان ظهور القومية في أوروبا بديلاً للرابط الديني، في أعقاب سيادة الاتجاه الألماني، وضعف الرابط الديني شعبياً، وبتره سياسيًا بترًا كليًا.
لقد كان لابد من بديل للرابط الديني الذي كان أقوى في أوروبا من الرابط القومي أما وقد تقطع الرابط بسيادة الاتجاه الألماني فإن البديل التلقائي هو ظهور الرابط القومي؛ لأن له في النفس الإنسانية دوافع فطرية ومصلحية.
وكان بعد ذلك حركة الإصلاح التي قام بها لوتر؛ فقد فقدت النصرانية سلطانها على النفوس، وتحولت دول أوروبا إلى شتات من البشر لا تربط بينها رابطة، فلجأت إلى طريق القوميات كوسيلة تربط بها بين شعوبها وتجمع بها الشتات الضائع، فجمعت نفسها في قوميات عدة: كقومية ألمانية، وفرنسا والنمسا، وغيرها.
ثم أقبل القرن العشرون الميلادي وقامت فيه حربان عالميتان كبيرتان، دمرتا دمارًا عظيمًا، وأهلكتا الحرث والنسل، وكانت دوافعهما قومية، على مستوى الشعور الجماهيري العام، إذ انفجرت القومية في ألمانيا وإيطاليا، وكان لها ظهور قومي في فرنسا وبريطاني وغيرها.
ثم خبت وقدة النزعات القومية لما أحست الشعوب الغربية بلعنتها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 786)
واتجه العالم الغربي إلى نزعات غير قومية، ضمن الاتجاه العلماني اللاديني، فمنها ما اتجه شطر الالتقاء على المصالح المشتركة الاقتصادية أو السياسية أو الدفاعية، ومنها ما كان لقاءً على وحدة فكرية عالمية، غير ذات حدود إقليمية أو وطنية أو قومية. ولم يكن باستطاعتهم أن يجتمعوا على دين؛ لأنهم قد أسقطوا الدين من عقائدهم ومن روابطهم السياسية، ومعظم روابطهم الاجتماعية، وبقايا الدين فيهم أمست شخصية.
ولما أذنت شمس القومية تتجه إلى الغروب في أوروبا والعالم الغربي كله، بدأت تظهر في بعض شعوب العالم الإسلامي، بمكايد مدبرة، من أبرزها:
القومية العربية، والقومية الطورانية، والقومية الكردية، والقومية الفارسية، وغيرها، بل أغلب شعوب العالم الإسلامي في العصر الحالي اتجهت إلى هذه الدعوة الخبيثة الهدامة، وغيرت حدود أوطان على الخارطة السياسية.
فالقومية التي سبق إيرادها ليست بمعنى الرابطة التي يرتبط فيها الإنسان بقومه ووطنه، فتلك من فطر البشرية المركوزة في جبلة الإنسان، وليست بمعنى محبة الإنسان لوطنه وأمته وسعيه في سبيل تقدمها وازدهارها والعمل على أن تكون كرامتها مصونة وحصونها محمية. وإنما القومية المقصودة هنا: هي التي فرغها دعاتها من كل معنى إسلامي وأطلقوها قومية علمانية، والتي عزلت القوم عن الإسلام واستبدلت بعقيدته ورابطته عقيدة وروابط أخرى هي التي غالى فيها دعاتها ورفعوها إلى مقام الربوبية أحيانًا وإلى مقام التقديس والعبادة في حين آخر، وضمنوها محتوي فكريًا بعيدًا عن دين هذه الأمة، مقطوع الصلة عن أعظم نبي عرفه التاريخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 787)
حكم القومية في الإسلام:
هذه القومية الملعونة هي (دعوة باطلة، وخطأ عظيم، ومنكر ظاهر، وجاهلية نكراء، وكيد سافر للإسلام وأهله … ). يقول الأستاذ تقي الدين الهلالي في حديث له عن القومية: (كل من دعا إلى رابطة نسبية، أو وطنية مذهبية، وتعصب لها وجعلها أصلاً في الموالاة والمعاداة والتناصر والتخاذل، فقد خرج عما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا بدعوى الجاهلية وضيع حقوقا لأخوة الإسلامية، واتبع سنة هتلر، وموسوليني، واستالين، وتشرشيل، وآيزنهاور).
وكان من توصيات المؤتمر العالمي للدعوة وإعداد الدعاة، المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: 24 - 29/ 2/1397 هـ. اعتبار القومية (من الدعوات والاتجاهات المضادة للإسلام، كالباطنية والبهائية والقاديانية والتبشير والماسونية، واليهودية العالمية، والإباحية والوجودية).
فما هو السبب في اعتبارها ضمن الدعوات المضادة للإسلام؟ لقد كشف الدكتور صالح بن عبد الله العبود النقاب عن هذا السؤال فأخبر في رسالته (فكرة القومية العربية) بأنها شرك في الربوبية وشرك في الألوهية معًا؛ أما كونها شركًا في الألوهية والعبادة فسيأتي بيانه عند استعراض شرك العصر الحديث في الألوهية والعبادة. وهنا يكتفي ببيان كونها شركًا في الربوبية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 788)
الدعوى إلى القومية شرك بالله في الربوبية:
يقول الدكتور صالح بن عبد الله العبود ـ حفظه الله ـ في كتابه المذكور مبينًا كونها من الشرك في الربوبية: (إن الاعتقاد بأن القومية … ذات قوة رابطة فعالة موحدة ـ كما هو المبدأ الأوروبي في القومية ـ سواء جعل محور هذه الرابطة الوطن أو اللغة أو التاريخ أو الجنس أو هي مجتمعة أو بعضها أو أي شيء من دون الله اعتقاد باطل.
وقول القوميين: بأن اللغة حياة الأمة وروحها، إذا فقدت الأمة لغتها فقدت حياتها وروحها، وبأن التاريخ خلاق، وهو ذاكرة الأمة وشعورها، إذا فقدت تاريخها فقدت خلاقيتها وذاكرتها وشعورها، وهما مع الوطن والجنس ونحو ذلك عوامل مكونة للأمة، وروابط تربط أبناءها برابطة ذات قوة لا حتمية، وأن ذلك اعتقاد كل متنور، كل ذلك القول أو بعضه، وما أشبهه شرك في ربوبية الله تعالى أغلظ من شرك العرب في الجاهلية، الذين يتوجه إليهم الخطاب؛ لأن أولئك كانوا يقرون باختصاص الله بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة والرزق والتدبير، إنما نسبوا إلى معبوداتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عند الله، ولا قالوا في الطبيعة ما قاله القوميون، بل يعلمون أنها مطبوعة مخلوقة لها طابع خالق، وإنما أنكر بعضهم البعث بعد الموت … ولكن القوميين بقولهم ذلك في الطبيعة والقومية في درك من الجهل والسفه أدنى من كل الناس … وفي غفلة وإعراض عن توحيد الربوبية المقرر فيها …
وأنى للقوميين مع عدم معرفتهم لتوحيد [هم] الله بأفعاله ضرورة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 789)
ونسبتهم ذلك إلى العوامل الأخرى، وأن هذا التكوين الذي أقروا به يظنونه لها، أو أنهم عرفوا الحق لكن جحدوا سياسةً واصطيادًا للرغبة، أنى لهم مع هذا أن يلتزموا بتوحيد الله بأفعالهم التعبدية وأن يقيموا أعمالهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولذا مالوا إلى الماركسية الملحدة، وقالوا بالاشتراكية المبيحة، وعملوا بالثورة الفوضوية، ونادوا بالحرية الفاسدة، لتبرير مفاسدهم).
فدعاة القومية في حقيقة أمرهم مشركون بالله في الربوبية بالتعطل؛ لأن من أفكارهم ومعتقداتهم: (تحرير الإنسان من الخرافات والغيبيات والأديان) كما يزعمون.
فهذا استعراض مجمل لأبرز المشركين بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، وقد أعرضت صفحًا عن كثير من الملحدين المعطلين للمصنوع عن الصانع؛ وذلك لعدم وجود أي شبهة لديهم في تعطيلهم، ولعدم وجود المقتضي لقبول هذه الأديان والمذاهب الهدامة لأي أحد، بل هي في سبيلها إلى الزوال والفناء، ولعدم فتح أصحاب هذه الأديان والمذاهب أبوابهم لأحد في مجتمعاتهم.
المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:
مدخل: في بيان كون تعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله شركًا.
سبق معنا على العموم بيان كون التعطيل شركًا بالله جل شأنه بذكر نصوص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 790)
أئمة هذا الشأن، ويمكن أن أذكر ملخص ما مضى بالعبارات التالية.
أولاً: لا خلاف بين المحققين: أن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، وإذا قلنا: إن التوحيد له أجزاء ثلاثة: الربوبية، والأسماء والصفات، والألوهية، فإننا قد أثبتنا كل ما يقابل هذه الثلاثة ويضادها بأنه شرك، وهذه المضادة والمقابلة تكون في شيئين:
أ- بتعطيلها.
ب- بإثباته لغيره سبحانه.
أما التعطيل: فيكون بإنكار الربوبية مطلقًا، أو بإنكار كماله المقدس الثابت له، أو بإنكار كليهما معًا، أما الأول: فهو الشرك بالله في الربوبية بتعطيل الله الصانع عن مصنوعه، وقد سبق الكلام عليه في المطلب الأول. وأما الثاني: فهو الشرك بالله في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال بتعطيله عن كماله، وهذا ما سيكون الكلام عليه في هذا المطلب بمشيئة الله. وأما الثالث: فإن الكلام عليه سيكون في المطلب الثالث بمشيئة الله.
وأما إثباتها لغيره سبحانه: فإنه يكون في الذات والصفات والأفعال، وهذا الجانب سيكون الكلام عليه في المبحث الثاني بمشيئة الله.
فعلمنا: أن التعطيل يكون شركًا بالله في الربوبية وفي الأسماء والصفات والأفعال من حيث كون الربوبية والأسماء والصفات والأفعال من أجزاء التوحيد.
ثانياً: إن العبد لا يخلو عن العبادة مطلقًا، فإنه فقير بذاته، وهو حارث وهمام، والفقر يحوجه إلى من يغنيه عن هذا الفقر، فإذا عطل المصنوع عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 791)
صانعه، أو عطله عن أسمائه وصفاته وأفعاله، أو عطل كليهما، فإنه لابد أن يطلب من الآخر ما يسد به حاجاته ـ شاء أم أبى ـ، ومن طلب منه سد الحاجات، يكون قد جعله ربًا له.
مثال ذلك؛ أن من أنكر أن يكون له رب أو خالق، فإنه لابد أن يعيش في هذا الكون، والعيش لا يكون بلا مواجهة المشاكل والمتاعب، فالمنكر للربوبية لا يخلو في التخلص عن هذه المتاعب والمشاكل عن حالين: إما أن يقول: إني سيد نفسي، أستطيع أن أتخلص عن هذه المشاكل بنفسي بدون تدخل من أحد، فإنه حينئذ يكون كاذبًا لا محالة. وإما أن يقول: إن فلانًا أو نظامًا معينًا سيحل لي المشاكل كلها، فإنه حينئذ أقام الشخص الفلاني أو النظام الفلاني في مقام الربوبية ـ وإن لم يصرح به، ولم يعترف به ـ.
وهكذا الأمر فيمن أنكر أسماء الله وصفاته وأفعاله الذي هو عدله وحكمته، فإنه يكون قد أثبت هذه الأسماء والصفات والأفعال لغيره سبحانه وإن أنكر وادعى غير ذلك، وذلك؛ أن أسماء الله وصفاته وأفعاله كلها من لوازم ذاته، ومن مستلزمات العباد، فكون هذه الأسماء والصفات والأفعال ثابتة له تعني أن العباد محتاجون إلى دعائه بهذه الأسماء، ومحتاجون لمعرفة هذه الصفات، ومحتاجون إلى هذا الأفعال. فوجود هذه الأسماء والصفات والأفعال لدى الرب تقتضي أن يكون العبد محتاجًا إلى العبودية بها، ولهذا يقول الإمام ابن القيم: (والأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 792)
فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وعلمه بسمعه تعالى وبصره، وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ـ يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله ـ وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك الحياء باطنًا ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك في أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.
وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، تثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.
وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها، فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها).
وقال في موضع آخر: (فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التخلية بين العبد وبين الذنب، فإنه الغفار التواب العفو الحليم، وهذه أسماء تطلب آثارها وموجباتها ولابد).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 793)
وقال أيضًا: (أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، ولكل اسم من أسمائه أثر من الآثار في الخلق والأمر، لابد من ترتبه عليه؛ كترتب المرزوق والرزق على الرازق، وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم، وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير … ونظائر ذلك في جميع الأسماء … فإن هذه الأمور متعلقة بالغير، ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها، وهذا باب أوسع من أن يدرك، واللبيب يكتفي منه باليسير، وغليظ الحجاب في واد ونحن في واد).
والمقصود من نقل كلام ابن القيم: بيان كون الله عز وجل لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات ولم يفعل أفعاله إلا لأن العباد محتاجون إليها لا محالة، ولا يستغنون أبدًا عن العبودية بها، بل كونه عبدًا يلزم أن يكون معبوده معه هذه الأشياء، وإلا لا فائدة في وجود هذه الأشياء لدى المعبود، فأسماء الله وصفاته وأفعاله تستلزم أن يكون وجودها ضروريًا للعباد، وإلا لا يمكن أن يعيش العبد مطلقاً، فإذا أنكر العبد هذه الأشياء للرب الحق فإنه لابد وأن يحتاج إلى هذه الأشياء ويصرفها إلى غير الحق سبحانه، وبهذا يقع في الشرك بالله جل شأنه. وإن كان هو ينكر ذلك عنادًا وتكبرًا.
فإذا كان هذا فيمن أنكر أسماءه وصفاته وأفعاله، فيقاس عليه من أنكر وعطل حقيقة ذاته ووجوده، وأنكر وعطل جميع أسماءه وصفاته.
فعرفنا بهذا البيان: كيف دخل المعطل في الشرك بالله، سواء كان معطلاً للمصنوع عن الصانع، أو كان معطلاً لكماله، أو كان معطلاً لكليهما، فإذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 794)
علمنا هذا فلنبدأ بمقصودنا، وهو بيان شرك التعطيل بتعطيل كماله الصانع المقدس له سبحانه. فأقول:
إن هؤلاء على صنفين:
الصنف الأول: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات:
لقد وجدت في هذه الأمة عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أسمائه وصفاته، وبيان هذه الفرق وأقوالها، وشبهاتها، مع الردود عليها في الفروع التالية:
الفرع الأول: الجهمية:
وذلك؛ أن مذهبهم في التوحيد هو إنكار جميع الأسماء والصفات لله جل وعلا، ويجعلون أسماء بالله من باب المجاز. قال الأشعري: (إنه ـ أي الجهم ـ كان يقول: لا أقول إن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء). وقال الشهرستاني: (الجهمية: أصحاب جهم … وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء، منها: قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلاً خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق. ومنها إثباته علومًا حادثة للباري تعالى لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان، أو لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 795)
يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم، … وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو إمّا أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلاً للحوادث، وإمّا أن يحدث في محل، فيكون المحل موصوفًا به لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علومًا حادثة بعدد المعلومات الموجودة).
فهؤلاء الجهمية أنكروا أسماء الله وصفاته واستندوا في إنكارها إلى أشياء زعموها أدلة عقلية، وهي:
1 - أن إثباتها يستلزم التشبيه.
2 - أن إثباتها يستلزم الجسم لله.
3 - أن إثباتها يستلزم أن يكون الله محلاً للحوادث.
فهذا مجمل شبهاتهم في وقوعهم في شرك التعطيل. وقد تأثر بهم المعتزلة، وذلك؛ لأنهم جهمية في باب الصفات، إذ كل من أنكر الصفات أوبعضها فهو جهمي، كلٌ بقدر ما وافق فيه الجهم من مذهبه، ولهذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية قسم الجهمية إلى ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: وهم الجهمية الغالية النافون لأسماء الله وصفاته. وإن سمّوه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز.
الدرجة الثانية من الجهمية: وهم المعتزلة، ونحوهم، والذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته.
الدرجة الثالثة: وهم قسم من الصفاتية المثبتين المخالفين للجهمية، ولكن فيهم نوع من التجهم، وهم الذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 796)
ولكنهم يردون طائفة من الصفات الخبرية وغير الخبرية ويؤولونها.
ومنهم من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة.
والمقصود: بيان كون الجهمية من المشركين بالله بتعطيل أسمائه وصفاته، وهؤلاء وإن لم يكن لهم وجود بهذا الاسم في الحاضر، إلا أن هناك طوائف قد أخذت أقوالهم وشبهاتهم، كالمعتزلة العصريون ـ وهم بعض العقلانيين ـ والقاديانيون، وغيرهم.
الآثار المترتبة على أقوال الجهمية:
إن الذي يدقق النظر في مقالة الجهمية يعلم أنها تفضي إلى إنكار الخالق، ولذا رأى علماء أهل السنة؛ أن الذين ابتدعوا هذه المقالة هم من الزنادقة الذين ينكرون الخالق ويجحدونه، ولكنهم تستروا وراء فلسفات ونظريات ضالة توصل إلى مرادهم، وتخفي قصودهم على خصومهم.
فالذين يجحدون صفات الخالق قولهم كقول فرعون ونمرود الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 797)
يجحدون الخالق؛ لأن الذي لا صفات له لا وجود له، ولا تمكن معرفته.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (رؤساء الرافضة والجهمية كانوا زنادقة؛ وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهم أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم).
ويقول أيضًا: (المأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة الذين ينكرون الصفات … ).
ويقول: (وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون، وهو جحد الخالق، وتعطيل كلامه ودينه، كما كان فرعون يفعل، فكان يجحد الخالق جل جلاله، ويقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) … وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى، أو يكون لموسى إله فوق السموات، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته، ويكون هو المعبود المطاع. فلما كان قول الجهمية المعطلة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين وإنكار عبادته، وإنكار كلامه، حتى ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان، فصاروا يقولون: العالم هو الله، والوجود واحد، والموجود القديم الأزلي هو الموجود المحدث المخلوق، والرب هو العبد، ما ثم رب وعبد، وخالق ومخلوق … ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم، ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم وغيرهما، ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع المخلوقات … ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 798)
تأثير الجهمية فيمن جاء بعدهم:
قد يظن بعض أهل العلم: أن مقالة الجهمية في نفي الصفات ـ الدرجة الأولى ـ قد غاضت وزالت بزوال قالتها ودعاتها، ولكن العالم بالفرق ومقالاتهم يعلم أن كثيرًا من الأصول التي أصّلها الجهمية والتأويلات التي ابتدعوها لم يزل لها وجود على مرّ التاريخ الإسلامي، وقد تبناها وذهب إليها من يدعي أنه من أهل الحق، وحسبنا أن نعلم أن المعتزلة كانت امتدادًا للجهمية وفرعًا من فروعها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذه التأويلات الموجودة ـ اليوم ـ مثل التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سمّاه: (تأسيس التقديس)، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمداني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 799)
حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها تأويلات بشر المريسي، التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء ردّ التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي.
ويدل على ذلك كتاب الردّ الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، … حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره).
ويقول في موضع آخر: (أخذ هذا المذهب عن الجعد بن درهم، الجهم بن صفوان فأظهره، وناظر عليه، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم أثناء خلافة المأمون).
وقال في موضع آخر: (ثم إن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله في القدر والوعيد دخلوا في مذهب جهم، فأثبتوا أسماء الله تعالى، ولم يثبتوا صفاته … ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 800)
وقال أيضًا: (غلا جهم في النفي، ووافقه على ذلك الباطنية والفلاسفة ونحوهم، والمعتزلة في الصفات دون الأسماء، والكلابية ومن وافقهم … في نفي الصفات الاختيارية، والكرامية ونحوهم وافقوه على أصل ذلك، وهو امتناع دوام ما لا يتناهى، وأنه يمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا إذا شاء، وفعالاً إذا يشاء، لامتناع حوادث لا أول لها … ).
ويقول جمال الدين القاسمي: (قد يظن أن الجهمية أمست أثرًا بعد عين، مع أن المعتزلة فرع منها، وهي في الكثرة تعدّ بالملايين، على أن المتكلمين المتأخرين المنسوبين للأشعري يرجع كثير من مسائلهم إلى مذهب الجهمية كما يدريه المتبحر في فن الكلام).
الفرع الثاني: المعتزلة (الغلاة).
وذلك: لتعطيلهم صفات الله جل وعلا، قال الرازي: (اعلم أن المعتزلة كلهم متفقون على نفي صفات الله تعالى)، قال الشهرستاني: (الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا: هو عالم لذاته، قادر لذاته، حي لذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، هي صفات قديمة ومعاني قائمة به، لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية … ).
وقال الأشعري: (أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 801)