بعين الفقيه المتعمق في الفهم والاستنباط، ويزن عباراتها بميزان الأصول الضابط للحدود والتعاريف، وحسبك به فقيهاً، وأصولياً محققاً)) (1) .
وبعض النظر عن صحة هذه العبارة، القائلة إن: ابن الصلاح ضبط حدود المصطلحات وتعريفاتها بميزان الأصول، غلا أن هذا الميزان ـ في الحقيقة ـ هو الذي منه نفر (2) !! وإن كنت أوافق أن بعض ذلك قد وقع من ابن الصلاح، غلا أنه أقل ممن جاء بعده في ذلك!
لكن لما كان كتاب ابن الصلاح إماماً وقدوةً لمن بعده، وسن كتابه هذا المهج، وعمق أثر الأصول فيه، تدافع القوم على الاستنان بمنهجه، والاقتداء بطريقته!!
وأدلة ذلك تظهر من نواحي عدة:
من كثرة نقوله عن الأصوليين (3) .
ومن دمجه لآراء المحدثين والفقهاء والأصوليين (4) .
ومن نقله مع رأي المحدثين الرأي المخالف له للفقهاء والأصوليين، دون ترجيح، ومع وضعه لكلا الرأيين في ميزان واحد (5) .
بل ربما مال إلى ترجيح رأي الأصوليين على رأي المحدثين!--------------------------------------------
(1) مقدمة تحقيق نور الدين عتر لعلوم الحديث لابن الصلاح (18) .
(2) انظر (ص 164ـ 165) .
(3) انظر مثلاً في علوم الحديث (ص 56، 85، 141، 143، 151، 152، 154، 155، 168، 173- 174، 180- 181) .
(4) انظر علوم الحديث (143، 173- 174) .
(5) انظر علوم الحديث (168) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
كما فعل في صور المرسل المختلف فيها، حيث قال: ((إذا انقطع الإسناد قبل الوصول إلى التابعي، فكان فيه رواية واوٍ لم يسمع من المذكور فوقه. فالذي قطع به الحاكم الحافظ أبو عبد الله وغيره من أهل الحديث أن ذلك لا يسمى مرسلاً … والمعروف في الفقه واصوله أن كل ذلك يسمى مرسلاً، وإليه ذهب من أهل الحديث أبو بكر الخطيب وقطع به)) (1) .
وقال أيضا في الموضوع نفسه: ((اذا قيل في الا سنا د: فلان عن رجل أو ن عن شيخ عن فلان، أو نحو ذلك: فالذي ذكر الحاكم في (معرفة علوم الحديث) انه لا يسمى مرسلا، بل منقطعا0 وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه معدود من أنواع المرسل)) (2) .
تنبه الى تعبيره: ((والمعروف في الفقه وأصوله..)) و ((وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه)) .
وأنبه هنا أيضاً إلى أنه ليس من غرضي تأييد هذه المسائل الجزئية أو معارضتها (3) ، إنما غرضي بيان أثر الأصول وعمق هذا الأثر على ابن الصلاح.
ثم تابع معي في هذه المسألة الآتية (مسألة تعارض الوصل والإرسال) :
لما ذكر الخطيب البغدادي الاختلاف في هذه المسألة، قال: ((ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطاً للرواية، فيجب قبول خبره ويلزم العمل به، وإن خالفه--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (ص 51) .
(2) علوم الحديث لابن الصلاح (ص52) .
(3) لكن انظر (ص 230- 234) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
غيره، وسواء كان المخالف له واحداً أو جماعةً)) . ثم أيد الخطيب هذا القول، وصححه على غيره. ودلل عليه بتصرفات لبعض المحدثين، منهم الإمام البخاري (1) .
ففهم ابن الصلاح من كلام الخطيب هذا، أنه يقول بأن وصل الثقة مقدم على إرسال غيره من الثقات مطلقاً. وسوف نعود إلى كلام ابن الصلاح، بعد تقرير مذهب الخطيب من هذه المسألة أولاً.
والذي أراه أن الخطيب لم ير ذلك الرأي الذي ظن ابن الصلاح أنه رأيه! فالخطيب قال بتقديم رواية المسند بشرطٍ لا يخالف فيه أحد، وهو (إذا كان (الراوي) ثابت العدالة ضابطاً للرواية)) . فالذي يقدم قوله بالوصل عند الخطيب إذن، هو الراوي الذي ضبط روايته، ولا يضره بعد ضبطه لروايته من خالفه وكم خالفه!
فالخطيب لم يقدم الوصل على الإرسال مطلقاً، كيف وقد اشترط شرطاً واضحاً، كما سبق؟!
نعم.. هو لم يذكر الميزان الذي نعرف به ضبط الراوي لروايته، لكنه أشار إلى ملامحه في أمثلته التي ساقها بعد ذلك.
ويدل على ذلك أيضاً، هو أن الخطيب عارض ذلك الفهم الذي فهمه ابن الصلاح من كلامه، معارضة صارخةً، في كتابه (المزيد في متصل الأسانيد) . حيث قسم كتابه هذا إلى قسمين:
الأول: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها (2) . مما يدل دلالة صريحة أن--------------------------------------------
(1) الكفاية للخطيب (451-452) .
(2) انظر شرح علل التر مذ ي لابن رجب (2/637-638) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
الخطيب لا يقدم الوصل على الإرسل مطلقاً، كما فهم من كلامه.
بل وفي (الكفاية) للخطيب ما يدل على عدم صحة نسبة ذلك القول إليه، بتقديم الوصل على الإرسال مطلقاً. إذ بين الخطيب أسباب كتابة المحدثين للمراسيل من الأحاديث، فقال خلال ذلك: ((ومنهم من يكتبها على معنى المعرفة، ليعل المسندات بها. لأن في الرواة من يسند حديثاً يرسله غيره، ويكون الذي أرسله أحفظ وأضبط، فيجعل الحكم له)) (1) .
وهذا كله كما ترى، واضح من القول، في بيان مذهب الخطيب من هذه المسألة.
ثم جاء ابن الصلاح، ونظر في القول الذي رجحه الخطيب، فحمله على غير ظاهره، وبما يناقض به تصرفات الخطيب وأقواله الأخرى، مبيناً سبب اختياره له وموافقته عليه، فقال: ((وما صححه (يعني الخطيب) هو الصحيح في الفقه وأصوله)) ، ثم ذكر ابن الصلاح النقل الذي كان احتج به الخطيب لمذهبه (2) .
مع أن مذهب الخطيب واستدلاله له مختلف عن المذهب الذي اختاره ابن الصلاح واستدلاله!!
وقد بين الحافظ ابن رجب والحافظ ابن حجر وغيرهما أن كلام البخاري، الذي نقله الخطيب وتبعه ابن الصلاح، لا يدل على قبول الزيادة في لإسناد مطلقاً (3) . وهذا وحده ينفع أن--------------------------------------------
(1) الكفاية للخطيب (434) .
(2) علوم الحديث لابن الصلاح (72) .
(3) انظر شرح العلل لابن رجب (2/ 638) ، والنكت على كتاب ابن الصلاح (2/ 607- 608) ، وفتح المغيث للسخاوي (1/203) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
يكون دليلا جديداً، على عدم صحة فهم كلام الخطيب على ما فهم به، لأن دليله على قوله لا يصلح دليلاً لما فهم من قوله!!
ولما فهم ابن الصلاح ذلك الفهم عن الخطيب، عاب تصرفه في كتابه (المزيد في متصل الأسانيد) (1) ، لأنه في رأيه ناقض به القول الذي في (الكفاية) ، ذلك القول الذي صححه الأصوليون أيضاً!!
ثم لما وقف ابن رجب على ذلك كله، من كلام الخطيب وابن الصلاح، فهم كلام الخطيب على فهم ابن الصلاح، فلم يرض قوليهما. وقال بعد ذكره تصرف الخطيب في كتابه (المزيد في متصل الأسانيد) : ((ثم إن الخطيب على تناقض، فذكر في كتاب (الكفاية) للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقد مي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين. ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء.
وهذا يخالف تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) .
وقد عاب تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) بعض محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب (الكفاية) ..)) (2) .
ولا أشك أن مراد ابن رجب بـ (بعض محدثي الفقهاء) ابن الصلاح لأنه هو الذي عاب تصرف الخطيب، وطمع في قوله في (الكفاية) ، ولأن ابن الصلاح من (محدثي الفقهاء) !!
وأهم ما في كلام ابن رجب هذا، عندي هنا، هو أنه بين منشأ هذا الاختيار الذي رضيه ابن الصلاح، وأنه مذهب--------------------------------------------
(1) انظر علوم الحديث لابن الصلاح (287) .
(2) شرح علل الترمذي لابن رجب (2/638) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
المتكلمين من الأصوليين والفقهاء.
أما كلام ابن رجب عن الخطيب، فبينا أن الخطيب على خلاف ما فهم من كلامه. ثم الأقوال التي ذكرها الخطيب في هذه المسألة، وإن كانت مأخوذةً عن كتب المتكلمين كما قال ابن رجب، إلا أن ظواهر أقوال وتصرفات كثير من المحدثين تدل عليها، ولذلك ذكرها الخطيب، ثم رجح الراجح الصواب مما يدل عليه باطن علم المحدثين وحقيقة مذهبهم.
ومع هذا التأثر الكبير بالأصول عند ابن الصلاح، إلى درجة ترجيح رأي الأصوليين، على رأي أهل الفن من المحدثين؛ إلا أنه زاد في بيان عمق هذا الأثر، وأنه تعمد مخالفة المحدثين إلى رأي الأصوليين، عندما قال في نوع (العمل) : ((وكثيراً ما يعللون (يعني المحدثين) الموصول بالمرسل، مثل أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضاً بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول، وهذا اشتملت كتب علل الحديث على جمع طرقه)) (1) .
إذن فابن الصلاح كان على علم بحقيقة رأي المحدثين من هذه المسألة، وأنهم كانوا كثيراً ما يقدمون المرسل على الموصول، مع ذلك رجح قول الأصوليين على قولهم!!!
فهذا المثال وما سبقه يكفي لإثبات عمق أثر أصول الفقه على كتاب ابن الصلاح، ولذلك أمثلة أخرى ليس هذا موطن استقصائها.
لكن زاد الأمر خطورةً في كتاب ابن الصلاح، بظهور بوادر (فكرة تطوير المصطلحات) السابق شرحها وبيان خطرها على--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (90) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
السنة وعلومها (1) . وهي تتلخص في تغيير مدلولات المصطلحات عما كانت عليه عند (أهل الاصطلاح) من المحدثين، إما بتضييق مدلول المصطلح، أو بتوسيعه!
ولذلك مثالان:
الأول: في مبحث (الحديث المعَل) ، قال ابن الصلاح في تعريف العلة والحديث المعل، قال: ((وهي (يعني العلة) : عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه. فالحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها)) (2) .
كذا قيد ابن الصلاح (العلة) في الاصطلاح بقيد الخفاء وقيد القدح، مع أن ابن الصلاح نفسه يعلم أن اصطلاح المحدثين أوسع من ذلك بكثير!!!
قال ابن الصلاح في آخر مبحث (المعل) أيضاً: ((ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه، من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ (العلة) في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح: بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح.
وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح، من وجوه الخلاف. نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة--------------------------------------------
(1) انظر (ص176-178) .
(2) علوم الحديث لابن الصلاح (90) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
الضابط، حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ)) (1) .
إذن فابن الصلاح كان يعلم أن استخدام المحدثين للفظ (العلة) شامل: للعلة الخفية والظاهرة، والقادحة وغير القادحة؛ فلم قصره ابن الصلاح في (العلة الخفية القادحة) ؟!!!
ثم ما هي فائدة هذا التدخل في تفسير المصطلح؟!!
ثم كم سيشوش هذا المعنى الذي ذكره ابن الصلاح لـ (العلة) ، في فهم تعليلات الأئمة، فيما لو فهم كلامهم على ذلك المعنى الضيق المخالف لسعة معنى المصطلح
عندهم؟!!!
ثم انظر: كم قلد ابن الصلاح ممن جاء بعده في هذا التدخل؟!!
ولئن ذكر ابن الصلاح أن تفسيره لـ (العلة) في اصطلاح المحدثين يخالفه اصطلاحهم!!! فإن من جاء بعده ألقى بأقوال المحدثين المخالفة لذلك التفسير، واقتصر في تعريف (العلة) على تفسير ابن الصلاح لها (2) !!
وبذلك تزداد الهوة، ويفدح الخطر!!!
أما المثال الثاني: في مبحث (المنكر:
فيقول ابن الصلاح في هذا المبحث: ((وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أن النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثيرٍ من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل..)) (3)--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (92-93) .
(2) علوم الحديث لابن الصلاح (81) .
(3) علوم الحديث لابن الصلاح (81) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
ويكفي هذا!
فإذا كان الحكم بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجوداً في كلام كثيرٍ من أهل الحديث، فكيف يكون صواب الاصطلاح خلاف ما عليه أهل الاصطلاح!!!
وغاية ما يمكن أن يدعى في الدفاع عن ابن الصلاح (مع أنه ليس في حاجةٍ إلى دفاع، لأنه معذور مأجور إن شاء الله تعالى!) ، أن يقال: إن القول الذي نقل ابن الصلاح أنه قول كثير من أهل الحديث، يخالفه قول الأكثرين من أهل الحديث، ولذلك صوبه ابن الصلاح.
فأقول: هذه دعوى! فالبينة البينة؟!
وعلى افتراض صحة هذه الدعوى، فلا يحق ـ مع ذلك ـ لأحدٍ أن يخطىء الكثيرين من أهل الحديث، وأن يصوب قول الأكثرين منهم فقط؛ أولاً: لأن أولئك كثيرون، وليسوا قليلين لتكون أقوالهم وإطلاقاتهم شاذةً غير مغتبرة. وثانياً: لأن المصطلح لا مشاحة فيه، فالواجب علي فهمه على ما هو عليه عند: (الكثرين) و (الأكثرين) ، إن صح ذلك الافتراض!
كيف إذا علمت أن من أولئك (الكثرين) الذين أطلقوا لفظ (النكارة) على (التفرد) : الإمام أحمد، والنسائي (1) ؟!! وهما من هما: إمامةً في السنة، واعتماداً عليهما وعلى أقوالهما في علوم--------------------------------------------
(1) النظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (674) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
الحديث المبثوثة المنتشرة في أصول ومصنفات السنة.
وبهذا المثال وسابقه نستدل على محاولة ابن الصلاح تطوير المصطلح، وأنه كان معتنقاً لـ (فكرة تطوير المصطلحات) !
ومع هذه المؤخذات على كتاب ابن الصلاح، إلا أن قرب عهد ابن الصلاح من أسلاف المحدثين (بالنسبة إلى من جاء بعده) ، ورأيه المباشر في علم المنطق، واعتماده على كتب الخطيب البغدادي؛ كل ذلك قلص من اتساع الخرق بين معاني المصطلحات الحديثية والمعاني التي ذكرها لها ابن الصلاح. فلم يزل كتابه ـ في غالبه ـ رابطاً حسناً ومهماً بين المتقدمين والمتأخرين، وقائداً أميناً إلى فهم عبارات القوم وألقاب علمهم.
أما بعد ابن الصلاح: فقد أصبح كتابه هماً للاحقين: شرحاً، واختصاراً، ونظماً، وانتقاداً، وانتصاراً، متأثرين بمنهجه، سائرين على دربه. ولئن كان تأخر الزمان كافياً للدلالة على زيادة ضعف تلقي العلوم النقلية، وعلى تعمق أثر العلوم العقلية عليها أكثر من ذي قبل = فإن ظهور بعض المؤخذات المنهجية على كتاب ابن
الصلاح، جعلها مناهج سليمةً صحيحةً عند من جاء بعده، لإمامة ابن الصلاح وإمامة كتابه في علوم الحديث. مما خطا بعلوم الحديث خطوةً أخرى إضافية إلى التأثر بالعلوم الأجنبية عنها، وبالتوسع في تلك المؤخذات المنهجية خلال تفسير وتقعيد مصطلح الحديث وأصوله.
وليس أدل على ذلك من انتقادهم لابن الصلاح وغيره ممن تكلم في علوم الحديث قبله، بعدم انضباط تعريفه على قواعد الأصوليين، وعدم تحريرها على صناعة المناطقة!!
فهذا تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد (ت 702هـ) ، في كتابه (الاقتراح في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
بيان الاصطلاح) ، ينتقد تعريف ابن الصلاح للحديث الصحيح، فيقول: ((وزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذاً ولا معللاً، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث، لا تجري على أصول الفقهاء.. (إلى أن قال:) لن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعاً مانعاً)) (1) .
وغاب عن ابن دقيق العيد هنا، أن الكلام عن مصطلح الحديث عند أهل الحديث!! ثم لا وزن لغير أهل الحديث إذا خالفوا أهله فيه!!!
وانتقد ابن دقيق العيد أيضاً الإمام الخطابي في تعريفه للحديث الحسن، فقال: ((وهذه عبارة ليس فيها كبير تلخيص، ولا هي على صناعة الحدود والتعاريف)) (2) .
وبالنظر السابق نفسه، بل وباللفظ نفسه أيضاً، انتقد الإمام الذهبي (ت 748هـ) تعريف الخطابي، فقال في (الموقظة) : ((وهذه عبارة ليست على صناعة الحدود والتعريفات، إذ الصحيح ينطبق ذلك عليه)) (3) .
والغريب أن كلاً من ابن دقيق العيد والذهبي ممن نصر القول بدخول الحسن في الصحيح، وأن كل صحيحٍ حسن، وليس كل حسن صحيح (4) .--------------------------------------------
(1) الاقتراح لابن دقيق العيد (153- 155) .
(2) الاقتراح (163- 164) .
(3) الموقضة للذهبي (26) .
(4) انظر الاقتراح (165- 167) ، والموقظة (27- 32) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
وذلك فيه بعض النقاقض، والذي قادهما إليه التزام صناعة الحدود المنطقية!!
ويستمر هذا النظر، بالانتقاد نفسه، إلى الحافظ ابن حجر. فعندما ذكر الحافظ تعريف الخطابي للحديث الحسن، وما وجه إليه من انتقاد، ذكر جواباً عن ذلك الانتقاد للحافظ العلائي (خليل بن كيكلدي، الموفى سنة 761هـ) . فقال الحافظ ابن حجر، مشيراً إلى جواب العلائي: ((وعلى تقدير تسليم هذا الجواب، فهذا القدر غير منضبط، فيصح ما قال القشيري (يعني ابن دقيق العيد) : أنه على غير صناعة الحدود والتعريفات)) (1) .
فالانتقاد المتوجه على تعريف الخطابي للحديث الحسن، عند الحافظ ابن حجر: أنه على غير صناعة الحدود المنطقية!
ثم يهاجم علامة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير (ت 1182هـ) الحافظ ابن حجر، فيقول في (توضيح الأفكار) : ((ويقال للحافظ: وكذلك تعريفك (الحسن) في النخبة وشرحها بقولك: (فإن خف: أي قل الضبط، مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح فحسن لذاته) = غير منضبطًٍ أيضاً، فإن خفة الضبط أمر مجهول)) (2) .
ثم أخذ الأمير في بيان العموم والخصوص المذكور بين (الصحيح) و (الحسن) ، وتوسع غاية التوسع في شرح (العموم) و (الخصوص) عند الأصوليين (3) ، حتى إن الناظر في كلامه ليعجب من هذا المبحث الأصولي البحت، ما الذي جاء به إلى مبحث (الحديث الحسن) ؟ --------------------------------------------
(1) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (1/404) .
(2) توضيح الأفكار للأمير الصنعاني (1/ 155) .
(3) انظر توضيح الأفكار (1/156- 158) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
ثم ينتقل الأمير إلى علم المنطق الخالص: إلى الكلام عن الحدود والرسوم، والفرق بينهما، وعلاقتهما بالمعرفات.. وغير ذلك من علم المنطق الصرف (1) ؛ وهذا كله في مبحث (الحديث الحسن)
وخلال كلام الأمير هذا، جاءت كلمة ابن الوزير الفاصلة، والقول الحق، الذي كنا قد ذكرناه سابقاً، وهو قوله: ((وذكر الحدود المحققة أمر أجنبي عن هذا الفن، فلا حاجة إلى التطويل فيه)) (2)
وأكتفي بهذا القدر اليسير في حجمه، العظيم في دلالته، من الكلام عن منهج من جاء بعد ابن الصلاح، لنقف عند تحولٍ جديد وأعمق في هذا العلم.
ونحن في هذه الوقفة، عند هذا التحول في منهج التصنيف في علوم الحديث، لنرى (فكرة تطوير المصطلحات) ماثلةً أمام أعيننا، ونمسك أثر علوم المنطق وأصول الفقه متجسداً في أحد تصانيف هذا العلم.
أعني بهذا كتاب (نزهة النظر (3) في توضيح نخبة الفكر) ، كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) . و (النخبة) وشرحها هذان، من حين ما صنفا، احتلاً مكان الصدارة في كتب علوم الحديث، (فلا يحصى كم ناظمٍ لها--------------------------------------------
(1) انظر توضيح الأفكار (1/158) .
(2) المصدر السابق، وانظر (ص 164- 165) .
(3) يشكك بعض طلبة العلم في أن يكون اسم (شرح النخبة) : (نزهة النظر) ، وقد رد على هذا الظن محقق (النزهة) الشيخ الفاضل علي بن حسن الحلبي في مقدمة تحقيقه (ص 24) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
ومختصر، ومستدرك عليها ومقتصر، ومعارضٍ لها ومنتصر) (1) . لذلك كان للمنهج الذي سار عليه الحافظ فيهما أكبر الأثر فيمن جاء بعده، إلى عصري هذا
وقبل دخولي في بيان المؤخذات على (نزهة النظر) ، أحيل القارىء الكريم إلى كلامٍ سابقٍ لي، اعتذرت فيه عن تكرير ديباجة الاعتذار عند كل نقدٍ علمي موضوعي (2) ، فلا تأثم - لا أثمت - بسوء النية قبل الوقوف عليها
أقول هذا لما لـ (تزهة النظر) من قدسيةٍ لا تنال عند أهل عصري، وكأنها كتاب ناطق أو سنة ماضية
وليس عندي - بحمد الله - لغير كتاب الله وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أرشدا إليه قدسية، فالكتاب وحده الذي اختص بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الثابتة وحدها المعصوم صاحبها صلى الله عليه وسلم، وما أرشدا إليه وحده هو شرع الله العظيم الكامل التام.
وليس عندي أيضاً ـ بحمد الله ـ أدنى شك في أهمية كتاب (نزهة النظر) ، وفي كثيرٍ من مباحثه الجليلة العظيمة النفع.
كل ما في الأمر أني رأيت لـ (نزهة النظر) في بعض مباحثه منهجاً غريباً على علوم السنة، وغاية أغرب في تفسير مصطلحاتها. وأحسب هذا المنهج والغاية خطيرين على السنة النبوية وعلومها، فلم أر الأمر يسعني بالسكوت عن ذلك.
وإياك إياك أن تتفرس الأسطر، وتقرأ ما بينها (بزعمك) ،--------------------------------------------
(1) من كلام الحافظ ابن حجر في (نزهة النظر) عن كتاب ابن الصلاح (ص 51) .
(2) انظر (ص 205- 206) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
لتقول علي ما لم أقل، وتنسب 'لي ما لا علاقة لي به. فمرادي هو المنطوق دون المفهوم ولازم مذهبي بلازم
والله يعينني وإياك على طريق الحق وقبوله
وأقول هذا، لنه قد بلغ الأمر على درجة أن الناظر في (نزهة النظر) يحسب أن الحافظ يصنف في بيان مصطلحه الخاص به، أو أن للحافظ الحق في التحكم بمصطلحات المحدثين، بتصويب هذا وتخطيء ذاك، وباختيار مدلول دون آخر، وبابتداع فروق وقيود جديدة على المصطلحات ومعانيها
بل لقد قيل لي مرة، عندما عرضت رأيي من هذه المسألة، وهوجم ـ بالطبع للدفاع عن (النزهة) ، قيل لي: لا مشاحة في الاصطلاح، والحافظ حر فيما يقول ويصطلح
فقلت جواباً عن هذا ـ ولا حاجة لهذا إلى جواب، بعد بيان خطر (فكرة تطوير المصطلحات) وخططها (1) ـ: لقد سمى الحافظ كتابه بـ (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) ، ولم يقل: في (مصطلح)
أما أدلة هذا الهجوم (عند من لا يعرفني مع الحافظ والنزهة) ، والبيان والتوضيح للحق (عند من يعرفني معها) ،
فالآتي:
حيث يبدأ عمق التأثر بعلم المنطق بالوضوح، من حيث النظر في ترتيب (النزهة) ، الترتيب المغاير لكل الكتب السابقة في علوم الحديث.--------------------------------------------
(1) انظر (ص 176- 178) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
فالكتاب مبني في ترتيبه على أساس (التقسيم العقلي) (1) . عند المناطقة، أو ما يشبه (السبر والتقسيم) (2) المعروف عند الأصوليين في مسالك العلة من باب القياس.
وليس في هذا الترتيب مؤاخذة على الحافظ، لكن ذلك يدل على تغلغل أثر (علم المنطق) وتعمق (الأصول) في فكر الحافظ ومنهجيته،، إلى درجة بناء الكتاب في ترتيبه على أساسها. ثم أول ما يبدأ به الكتاب: تقسيم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، وقد خطا الحافظ في هذا التقسيم خطوةً جديدة، دالةً على مزيد تأثره بأصول الفقه على ابن الصلاح. وقد سبق ذكر بعض ما يتعلق بذلك (3) ، وقي أشياء لا أطيل بها
وفي أثناء هذا التقسيم، وعند كلامه عن أقسام (الآحاد) ، حصر الحافظ (العزيز) فيما لم يروه أقل من أثنين عن اثنين (4) ، و (المشهور) فيما رواه ثلاثة فصاعداً، ما لم يبلغ حد التواتر (5) .
مع أن الذي قرره أبو عبد الله ابن منده (ت 301هـ) ، وهو من (أهل الاصطلاح) ، وتابعه ابن الصلاح: أن (العزيز) ما رواه--------------------------------------------
(1) التقسيم العقلي: هو تقسيم المقسم إلى لاشيء ونقيضه، أو إلى الشيء وما يشبه نقيضه. مثاله: في الأول: (الموجود ـ المعدوم) ، وفي الثاني (العدد: زوج ـ فرد) .
انظر آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (2/9 - 10) .
(2) السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف، وإبطال كل علةٍ علل بها الحكم المعلل، إلا واحدة فتتعين.
انظر البرهان للجويني (2/815) ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (4/142) .
(3) انظر (ص 123-127) .
(4) نزهة النظر (ص 64) .
(5) نزهة النظر (ص 62) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
اثنان أو ثلاثة (1) .
فما حجة الحافظ في ذلك الحصر؟ وفي مخالفة أهل الاصطلاح؟
وفي أثناء ذلك المبحث أيضاً، بل في آخره، تعرض الحافظ لمصطلحي (المرسل) و (المنقطع) ، كما أنه تعرض لهذين المصطلحين في موضعهما من بيان أنواع السقط في الإسناد.
وخلاصة ما ذهب إليه هو أن:
(المرسل) : ما سقط من آخره من بعد التابعي (2) .
و (المنقطع) : ما سقط من أثنائه واحد، أو أكثر بشرط عدم التوالي (3) .
وقال: ((أكثر المحدثين على التغاير، لكنه عندإطلاق الاسم. وأما عند استعمل الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلاً أو منقطعاً.
ومن ثم أطلق غير واحدٍ، ممن لم يلاحظ مواضع استعماله، على كثيرٍ من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع. وليس كذلك، لما حررناه)) (4) .
فالحافظ ـ بدءاً ـ يعترف بأن المغايرة بين (المرسل) و (المنقطع) ، ليس إجماعاً من المحدثين، وإنما ذلك ـ بزعمه ـ عند أكثر المحدثين. فربما قابلهم كثيرون لا يغايرون، أو قليلون --------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (270) ، وانظر فتح المغيث للسخاوي (4/ 8) ، وتدريب الراوي للسيوطي (2/167) .
(2) نزهة النظر (109) .
(3) انظر نزهة النظر (112) .
(4) نزهة النظر (81- 82) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
إذن فحصره المصطلح في أحد معانيه عند بعضهم دون بعضٍ تحكم لا دليل ولا مسوغ له، والواجب علي فهم أن في الاصطلاح اختلافاً في مدلوله بين المحدثين، حتى يمكنني تنزيل كلامهم منزلته وفهمه على وجهه.
وأحسب أن الحافظ أراد بنقده (لمن لم يلاحظ مواضع الاستعمال) ـ كما قال ـ الخطيب البغدادي، حيث قال في (الكفاية) : ((أما (المرسل) : فهو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال:
ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم) (1) .
وكلام الخطيب هذا هو الصواب في تعريف (المرسل) ، وهو من بديع كلام الخطيب في شرح مصطلح الحديث.
والتدلي على صوابه يكون بالرد على الحافظ ابن حجر!
فالحافظ يزعم أن المغايرة بين (المرسل) و (المنقطع) تظهر في الاسم، دون الفعل المسشتق، كما سبق نقل كلامه.
فأين الحافظ في زعمه هذا عن (المراسيل) لأبي داود؟ !
وفيه من رواية التابعي عمن لم يدركه من الصحابة روايات عدة (2) . فهي عند الحافظ من (المنقطع) دون (المرسل) ، مع ذلك ذكرها أبو داود في (المراسيل) ، و (المراسيل) اسم لا فعل!!
كلا.. لا (أين) ! فالحافظ كان عالماً برأي أبي داود هذا (3) !! لكن يبدو أنه ألغاه من الاعتبار في شرح المصطلح،--------------------------------------------
(1) الكفاية (37) .
(2) انظر المراسيل لأبي داود (رقم 47، 110، 154، 193، 241) ، وغيرها.
(3) انظر انكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (2/544) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
لأنه من الكثيرين الذي خالفوا الأكثرين!!!
أم كيف غاب عن الحافظ (المراسيل) لا بن أبي حاتم، وجله في الانقطاع قبل الصحابي؟!!! وفيه أقوال بالغة الكثرة لأئمة كثيرين من أهل الحديث، يعبرون فيها عن عدم سماع راوٍ
من راوٍ بأنه (مرسل) ، كذا بالصيغة الاسمية!!
ثم أخيراً: أين (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) للعلائي عن الحافظ؟! وهو على نمط سابقه!!
وهذا كله في إطلاق (المرسل) بالصيغة الاسمية على (المنقطع) عند الحافظ، فماذا يقول؟!!
وأما إطلاق (المنقطع) على (المرسل) ، فوارد في صريح كلام الإمام الشافعي في (الرسالة) ، حيث قال: ((المنقطع مختلف: فمن شاهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فحدث حديثاً منقطعاً عن النبي= اعتبر عليه بأمور … )) (1) .--------------------------------------------
(1) الرسالة للشافعي (رقم 1263- 1264) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
هذا هو الكلام الذي نقل عن الحاكم، وفهم منه أن الحاكم يحصر مصطلح (المرسل) في الصورة التي ذكرها، وهي رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل ظاهر كلام الحاكم، أن الإجماع منعقد على ذلك.
لكن سبب الخطأ في فهم كلام الحاكم على ذلك أنه حذف منه أوله! حيث ابتدأ الحاكم هذا النوع بقوله: ((النوع الثامن من هذا العلم: معرفة المراسيل المختلف في الاحتجاج بها … )) (1) .
فالحاكم إذن لا يتكلم عن (المرسل) بإطلاق، إنما يتكلم عن (المرسل) الذي وقع الاختلاف في الاحتجاج به.
هذا ظاهر كلام الحاكم، وصريح عبارته!!
ثم يؤده إطلاق الحاكم في غير موطن من كتبه لفظ (المرسل) واشتقاقاته على غير ما حصر فيه. وذلك في مثل قوله عن حديثٍ للحسن البصري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:--------------------------------------------
(1) معرفة علوم الحديث (25) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)