اللبيب إلى عدم ثبوتها ولو كان جاهلا بعلم الحديث ونقد الأسانيد ألا وهو قوله (2 / 129) :
(فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم ب (الجرف) فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار () أفررتم من سبيل الله؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله؟)
فقلت: فهذا منكر بل باطل ظاهر البطلان إذ كيف يعقل أن يقابل الجيش المنتصر مع قلة عدده وعدده على جيش الروم المتفوق عليهم في العدد والعدد أضعافا مضاعفة كيف يعقل أن يقابل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثو التراب في وجوههم ورميهم بالفرار من الجهاد وهم لم يفروا بل ثبتوا ثبوت الأبطال حتى نصرهم الله وفتح عليهم كما في حديث البخاري: (. . . حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) ؟
ومن العجائب أن الدكتور بعد أن ذكر هذا الحديث الصحيح وأتبعه بقوله:
(وهذا الحديث يدل كما ترى أن الله أيد المسلمين بالنصر أخيرا) . فإنه مع ذلك أورد هذه الزيادة المنكرة فقال (2 / 180) :
(وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة: يا فرار. . . فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم. . .)
فنقول: إن هذا التأويل بعيد جدا ثم إن التأويل فرع التصحيح كما هو مقرر في (الأصول) فهلا أثبت هذه الرواية يا فضيلة الدكتور حتى يسوغ لك أن تتأولها لتقضي به على هذا المعنى المستنكر الظاهر منها؟ وإلا فالواقع أن الأمر كما تقول العامة: هذا الميت لا يستحق هذا العزاء
[31]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
وإن كان هذا التأويل يدل على شيء فهو أن الدكتور لا يفرق بين ما صح وما لم يصح من الأخبار فهو يسوقها كلها مساقا واحدا ويعاملها معاملة واحدة فهو مثلا لا يفرق بين ما رواه البخاري وما رواه ابن سعد ولو بدون إسناد؟ وما هكذا يكون صنيع العلماء
وإذا شئت مثالا على نقيض صنيعه مصدره حافظ من حفاظ المسلمين فخذ الحافظ ابن كثير مثلا فإنه ذكر هذه الرواية المستنكرة في كتابه (البداية) (4 / 248) من رواية ابن إسحاق عن عروة مرسلا ثم قال: (وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور: الجيش وإنما كان الذين فروا حين التقى الجمعان وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وهو على المنبر فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما)
فليت أن الدكتور رجع إلى كتاب هذا الحافظ فاستعان به على تجلية ما قد يغمض عليه من الحقائق والمعارف لا سيما وموضوعه في نفس موضوع كتابه وفي متناول يده ولكن العجلة في التأليف وعدم التروي في البحث والعجز عن التحقيق فيه وشهوة التأليف فيما ليس من اختصاصه هو الذي يوقع صاحبه في مثل هذه الأخطاء الظاهرة والله المستعان
الحديث الثامن عشر قال (2 / 188) : (ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)
قلت: هذا الحديث على شهرته ليس له إسناد ثابت وهو عند ابن هشام معضل وقد ضعفه الحافظ العراقي كما بينته في (تخريج فقه السيرة) (ص 415) فلست أدري ما الذي منع الدكتور من أن يستفيد من هذا الحافظ تضعيفه
[32]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
للحديث فلا يورده في كتابه الذي وصفه بأنه اعتمد فيه على ما صح من أخبار السيرة أليس في هذا إخلالا صريحا بهذا الشرط أم أن الدكتور عنده من العلم ما ليس عند الحافظ فهو يرى أن الحديث صحيح لا يخرج عن شرطه فإن كان كذلك فليثبت لنا ذلك نكن له من الشاكرين؟ أم هو يجري على المشهور أيضا () : الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور؟
الحديث التاسع عشر: قال (2 / 189) : (روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح. . . ولم أجد ترجمة لفضالة هذا في (الإصابة) ولا في (الاستيعاب)
قلت:
فيه أولا: أن هذا الحديث كالأحاديث السابقة لا يصح لأن ابن هشام لم يذكر له إسنادا متصلا لينظر في رجاله فإنه قال (4 / 59) :
(وحدثني (يعني من يثق به من أهل الرواية في إسناد له كما في حديث قبله) أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد)
وثانيا: أن فضالة هذا قد ترجم له في (الإصابة) (ج 3 ص 201 - 202 رقم الترجمة 6996 طبعة مصطفى محمد بمصر) وهي الطبعة التي يحيل الدكتور عليها فلا أدري كيف لم يجدها فيه لعله لا يحسن حتى المراجعة أو كلف بها بعض طلابه الذين لا يحسنونها أو هم على الأقل لا ينشطون لها
وقد ترجمه مصدر آخر أقدم منه وهو ابن أبي حاتم فقال في (الجرح والتعديل) (23 / 77 / 234) وسبقه البخاري في (التاريخ الكبير) (4 / 1 / 124) :
(فضالة الليثي أدرك الجاهلية روى عنه ابنه عبد الله بن فضالة)
وساق له البخاري حديثا يدل على صحبته لكنه من رواية ابنه عبد الله ابن فضالة ولم يوثقه غير ابن حبان (1 / 137) وقيل له صحبة
[33]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وثالثا: ما فائدة معرفة ترجمة فضالة هذا والسند إليه لا يصح؟ أليس هذا من الأدلة الكثيرة على أن الدكتور لا معرفة عنده مطلقا بطرق التصحيح والتضعيف وإلا فما باله أضاع وقته أو وقت غيره من تلامذته في البحث عن ترجمة فضالة ثم لم يوفق ولو وفق إليها لم يفد ذلك صحة الحديث باتفاق أهل العلم لأنه أعرض عن دراسة الإسناد إليه هذا لو كان بحاجة إلى دراسة فإنه ظاهر الجهالة فإذا كان البوطي بهذه المثابة من الجهل بالحديث فحري به أن لا يدعي ما لا قبل له بتحقيقه من تصحيح أحاديث السنن والسيرة وأن يشتغل بغيره من العلم إن كان يحسنه
الحديث العشرون: قال (2 / 216) : (وقال بعض الصحابة: يا رسول الله ادع الله على ثقيف. فقال: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم. رواه ابن سعد في (الطبقات) وأخرجه الترمذي في (سننه) وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكلابي عن الأشهب عن الحسن)
قلت فيه أمران:
الأول: أن إسناده عند الترمذي لا يصح فيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس كما بينته في (تخريج الفقه) ص 432
والآخر: أنه عند ابن سعد في (الطبقات) 2 / 159 بدون إسناد
وقوله: (رواه ابن سعد عن عاصم. . .) الخ مع ما فيه من التكرار الذي لا فائدة فيه ففيه وهمان:
أولا: أن هذا الإسناد عن ابن سعد في المكان الذي أشرت إليه إنما هو لحديث آخر غير هذا فإن لفظه: (. . . فأتى عمر فقال: يا نبي الله ادع على ثقيف؟ قال: إن الله لم يأذن في ثقيف. قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم؟ قال: فارتحلوا فارتحلوا)
[34]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
فأنت ترى أن هذا الحديث هو غير حديث الباب فإن كان هذا العزو لابن سعد من الدكتور في المرة الثانية لم يكن عن وهم منه فهو من الأدلة الكثيرة على أنه لا يحسن صناعة التخريج البتة إذ لا يجوز أن يقال: روى ابن سعد عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم اهد ثقيفا وأت بهم) لأن الحسن لم يرو ذلك عند ابن سعد وكل من وقف على تخريج الدكتور هذا يفهم منه خلاف ذلك؟ ويغلب على الظن أن ذلك لم يكن إلا عن قصد منه فهو دليل على ما ذكرت لأني رأيته فيما سيأتي لما خرجت حديثا لابن عباس عزوته لأحمد وابن ماجه تعقبني بأنه في (الصحيحين) وتعجب من عدم عزوي الحديث إليهما مع أن هذا العزو لو صدر مني - وأرجو الله أن يصونني من مثله - لكان خطأ محضا كخطأ الدكتور هذا في عزو هذا الحديث لرواية ابن سعد عن الحسن وسيأتي تفصيل الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى
الحديث الواحد والعشرون: قال (2 / 246 - 247) في تخريج قصة مسجد الضرار: (تفسير ابن كثير 2 / 387 - 388 ورواه ابن هشام في سيرته على نحو قريب في ج 2 / 322)
قلت:
فيه أولا: أن التخريج لا يعطي - ككثير من تخريجاته - أن القصة صحيحة فإنها عند ابن هشام من طريق ابن إسحاق بدون إسناد وعند ابن كثير من طريقه عن جماعة ذكرتهم في (تخريج الفقه) (ص 488)
وثانيا: أن هذا التخريج اختصره الدكتور من تخريجنا المذكور ويكاد يكون ما ذكره منقولا عنه بالحرف الواحد غير أنه حذف منه تصريحنا في مطلعه بأنه (ضعيف) فما الذي حمل الدكتور على هذا الحذف وعدم ذكر المصدر الذي أخذ منه تخريجه؟ إن كان يجيز له ذلك خشيته أن يقول الناس: إن الدكتور استفاد من تخريج الألباني فهل يجيز له ذلك حذف الحكم بالضعف الذي
[35]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
يقتضيه التخريج الحديثي وإيهام الناس أن هذا الحديث من (ما صح من أخبار السيرة) وهو لم يصح ألا فليعلم أن الله تعالى سائله ومحاسبه عن هذا الذي صنعه في هذا الكتاب من تصحيح ما لم يصح من الروايات لا تقليدا منه لأهل العلم ولا اجتهادا منه لأنه ليس من أهل الاجتهاد - باعترافه - في الفقه الذي شهادة الدكتور فيه فضلا عن هذا العلم الشريف الذي لم يشم رائحته بعد
الحديث الثاني والعشرون: قال (2 / 250) في قصة وفد ثقيف: (روى ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه)
قلت فيه مؤاخذات:
الأولى: أن ابن سعد لم يسق إسناده فكيف عرف صحته واعتمد عليه؟
الثانية: أن اقتصاره في العزو عليه يشعر الطالب بأنه لم يروه من هو أشهر منه وأولى بالاعتماد عليه وليس كذلك فقد أخرجه أبو داود في (قيام رمضان) وابن ماجه في آخر (إقامة الصلاة) كلاهما من حديث أوس بن حذيفة وأحمد أيضا (4 / 343) دون المراوحة
الثالثة: أن إسناده لا يصح لأنه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس الطائفي وهذا لم يوثقه غير ابن حبان لكن روى عنه جمع من الثقات غير أن الأول ضعفه الذهبي والعسقلاني فهو علة الحديث
الحديث الثالث والعشرون: قال (2 / 251) في قصة وفد ثقيف أيضا: (قال ابن إسحاق: وسألوه أيضا أن يضع عنهم الصلاة فقال لهم: لا خير في دين بلا صلاة)
قلت: وتمام هذه الرواية عند ابن إسحاق في (السيرة) (4 / 183 - 185) : (فقالوا: يا محمد فسنؤتيكها وإن كانت دناءة)
[36]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
قلت: وهذا لا يصح كالأحاديث السابقة لأنه عنده بإسناد معضل والمرفوع منه أخرجه أبو داود وأحمد بإسناد منقطع كما بينته في (تخريج الفقه) (ص 540) فتجاهل الدكتور هذا كغيره - مما سبق - وصححه فالله المستعان
الرابع والعشرون: قال في (حجة الوداع) (2 / 270) : (فلما رأى صلى الله عليه وسلم البيت قال: (اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتنظيما وبرا) رواه الطبراني وابن سعد)
قلت: وهذا ضعيف جدا بل موضوع. أما ابن سعد فذكره بدون إسناد (2 / 173) وأما الطبراني فأخرجه في (المعجم الكبي) (ج 1 ق 149 / 2 مخطوط) عن حذيفة بن أسيد وفي إسناده عاصم بن سليمان الكوزي. قال الذهبي في (الميزان) : (قال ابن عدي: يعد ممن يضع الحديث وقال الفلاس: كان يضع ما رأيت مثله قط. . . وقال الدارقطني: كذاب)
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (3 / 238) بعد أن عزاه للطبراني: (وهو متروك)
قلت: وعلى هذا يرد على الدكتور أمران لا بد له من أحدهما:
الأول: إن كان يعلم هذه العلة ومع ذلك جزم بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد شمله وعيد قوله صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) أخرجه مسلم في مقدمة (صحيحه) (1 / 7) بإسنادين صحيحين عن سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة
والآخر: إن كان لا يعلمها - وهو الظن به - فكيف رواه وحدث به ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) ؟ أخرجه مسلم أيضا (1 / 8) بإسناد صحيح بل كيف أورده في كتابه الذي زعم
[37]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
فيه أنه اعتمد على ما صح من الأخبار؟ والظن به أيضا أنه لا علم عنده بهذين الحديثين وإلا لكانا كافيين في ردعه عن رواية الأحاديث الضعيفة وتحت ستار أنها صحيحة؟ والله المستعان وإنا لله وإنا إليه راجعون
وبهذا ينتهي ما أردت ذكره من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية التي عثرت عليها في كتاب الدكتور البوطي وهي تبين أوضح البيان أن ما قاله في نصوص كتابه (اعتمدت فيها أولا على صحاح السنة. ثانيا على ما صح من أخبار السيرة في كتبها) (1) لم يكن إلا لمجرد الدعاية للكتاب ولفت أنظار الناس إليه وفي تضاعيف الكلام عليها ما يبين أنه ليس عنده من الثقافة والمعرفة بالسنة ومصطلح الحديث وتراجم الرواة ما يمكنه من تنفيذ هذا المنهج الذي زعم أنه اعتمده في كتابه حتى ولو بالاعتماد على العلماء في ذلك وتقليدهم فهو لا يحسن حتى تقليدهم لأنه لا معرفة له بأقوالهم ومع ذلك فهو يحاول أن يعمل عمل الفحول منهم وهيهات فما أشبهه بقول بعض السلف: (ما مثلك إلا مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها)
وقد بقيت لدي أمثلة أخرى من أخطائه التي تدل على مبلغ علمه بهذا الفن الشريف وهي تمثل أنواعا شتى من البعد عن النهج العلمي الصحيح فأقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
1 - قال (1 / 31) : (وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد بن بكر كانت تعاني إذ ذاك سنة مجدبة قد جف فيها الضرع ويبس الزرع فما هو إلا أن صار محمد صلى الله عليه وسلم في منزل حليمة واستكان إلى حجرها وثديها حتى عادت منازل حليمة من حول خبائها ممرعة خضراء. . .)--------------------------------------------
(1) وأكد ذلك في مقدمة الطبعة الثالثة بقوله: (وأنا أعلم أنني لم أسجل في كتابي هذا من أحداث السيرة إلا أهمها وأصحها) فهل صدق
[38]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
قلت: لنا عليه مؤاخذتان:
الأولى: الإجماع المذكور لم يدعه أحد قبل الدكتور فيما علمت فلا قيمة له
والأخرى: أن القصة لم تأت بإسناد تقوم به الحجة وأشهر طرقها ما رواه محمد بن إسحاق عن جهم بن أبي جهم عن عبد الله بن جعفر عن حليمة بنت الحارث السعدية
أخرجه أبو يعلى (ق 128 / 1) وعنه ابن حبان (2094 - موارد) وأبو نعيم في (دلائل النبوة) (1 / 47) عن ابن إسحاق به وأخرجه البيهقي في (دلائل النبوة) (1 / 108) عنه أيضا إلا أنه قال: حدثنا جهم بن أبي الجهم - مولى لامرأة من بني تميم كانت عند الحارث بن حاطب وكان يقال: مولى الحارث بن حاطب - قال: حدثنا من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: حدثت عن حليمة بنت الحارث
قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علتان:
الأولى: الاضطراب في إسناده كما هو ظاهر ففي الرواية الأولى عنعنة ابن إسحاق من جميع رواته وفي الأخرى تصريحه بالتحديث مع تصريح الجهم بأنه لم يسمعه من عبد الله بن جعفر وتصريح هذا بأنه لم يسمعه من حليمة فعلى الرواية الأولى فيه انقطاع بين ابن إسحاق والجهم لأن الأول مشهور بالتدليس وعلى الرواية الأخرى الانقطاع في موضعين منه ومنه تعلم وهم الحافظ في (الإصابة) حيث قال (4 / 266) : (وصرح ابن حبان في (صحيحه) بالتحديث بين عبد الله وحليمة) فإنه لا أصل لهذا التحديث عند ابن حبان ولا عند غيره ممن ذكرنا ويستبعد جدا أن يدرك عبد الله بن جعفر حليمة مرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عبد الله ابن عشر سنين وهي وإن لم يذكروا لها وفاة فمن المفروض عادة أنها توفيت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم
[39]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وسواء كان الراجح الرواية الأولى أو الأخرى فالإسناد منقطع لا محالة والعلة الأخرى أن مداره على جهم بن أبي الجهم وهو مجهول الحال قال الذهبي في (الميزان) : (لا يعرف له قصة حليمة السعدية)
وأما ابن حبان فذكره في (الثقات) (1 / 31) على قاعدته في توثيق المجهولين وللقصة عند أبي نعيم طريقان آخران مدارهما على الواقدي وهو كذاب أحدهما عن شيخه موسى بن شيبة وهو لين الحديث كما قال الحافظ في (التقريب) والأخرى عن عبد الصمد بن محمد السعدي عن أبيه عن جده قال: حدثني بعض من كان يرعى غنم حليمة. . . وهؤلاء مجهولون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
2 - قال (1 / 55) : (وجزع النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك جزعا عظيما حتى أنه كان يحاول - كما يروي الإمام البخاري - أن يتردى من شواهق الجبال)
قلت: هذا العزو للبخاري خطأ فاحش ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري وليس كذلك وبيانه أن البخاري أخرجها في آخر حديث عائشة في بدء الوحي الذي ساقه الدكتور (1 / 51 - 53) وهو عند البخاري في أول (التعبير) (12 / 297 - 304 فتح) من طريق معمر: قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة. . . فساق الحديث إلى قوله: (وفتر الوحي) وزاد الزهري: (حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى منه نفسه تبدى له
[40]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك)
وهكذا أخرجه بهذه الزيادة أحمد (6 / 232 - 233) وأبو نعيم في (الدلائل) (ص 68 - 69) والبيهقي في (الدلائل) (1 / 393 - 395) من طريق عبد الرزاق عن معمر به
ومن هذه الطريق أخرجه مسلم (1 / 98) لكنه لم يسق لفظه وإنما أحال به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب وليس فيه الزيادة وكذلك أخرجه مسلم وأحمد (6 / 223) من طريق عقيل بن خالد: قال ابن شهاب به دون الزيادة وكذلك أخرجه البخاري في أول الصحيح عن عقيل به
قلت: ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة
الأخرى: أنها مرسلة معضلة فإن القائل: (فيما بلغنا) إنما هو الزهري كما هو ظاهر من السياق وبذلك جزم الحافظ في (الفتح) (12 / 302) وقال: (وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا)
قلت: وهذا مما غفل عنه الدكتور أو جهله فظن أن كل حرف في (صحيح البخاري) هو على شرطه في الصحة ولعله لا يفرق بين الحديث المسند فيه والمعلق كما لم يفرق بين الحديث الموصول فيه والحديث المرسل الذي جاء فيه عرضا كحديث عائشة هذا الذي جاءت في آخره هذه الزيادة المرسلة
واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها كما بينته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) برقم (4858) وأشرت إلى ذلك في التعليق على (مختصري لصحيح البخاري) (1 / 5) يسر الله تمام طبعه
[41]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلنا الحق أن نقول إنها زيادة منكرة من حيث المعنى لأنه لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع له على ذلك وهو القائل: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا) أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في (تخريج الحلال والحرام) برقم (447)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
3 - قال (1 / 115) : (وكان عليه السلام قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحا ومثليهما مساء كما كان يفعل إبراهيم عليه السلام
أقول: لا أعرف لهذا الحديث إسنادا فإن كان الدكتور قد وقف عليه فليذكر لنا مصدره لندرسه وما إخاله يصح نعم ذكر ابن سيد الناس في (عيون الأثر) (1 / 91) عن مقاتل بن سليمان: (فرض الله أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ثم فرض الخمس ليلة المعراج) ثم ذكر نحوه عن الحربي (1 / 149) ونقل عن ابن عبد البر أنه قال:
(لا يوجد هذا في أثر صحيح) ثم أشار ابن سيد الناس (1 / 152) إلى تضعيف قول الحربي
قلت: ومقاتل بن سليمان متروك شديد الضعف قال الحافظ: (كذبوه وهجروه ورمي بالتجسيم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
4 - قال (ص 147) : (ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متخفيا غير عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ فقد روى علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ أنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما (وفيه أنه قال:) (من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا
[42]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
الوادي) قال علي: فما اتبعه إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه. أسد الغابة ج 4 ص 58)
قلت: وعليه مؤاخذتان:
أولا: قوله: (ولم يهاجر. . .) هذا النفي ما مستنده؟ فإن الرواية التي ذكرها عن علي رضي الله عن هـ ليس فيها شيء من ذلك وإن كان عمدة الدكتور فيه إنما هو أنه لم يعلم ذلك إلا عن عمر فالجواب أن العلماء يقولون: إن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه. وهذا إذا صدر النفي من أهل العلم فكيف إذا كان من مثل الدكتور البوطي؟
ثانيا: جزمه بأن عمر رضي الله عن هـ هاجر علانية اعتمادا منه على رواية علي المذكورة وجزمه بأن عليا رواها وليس صوابا لأن السند بها إليه لا يصح وصاحب (أسد الغابة) لم يجزم أولا بنسبتها إليه رضي الله عن هـ وهو ثانيا قد ساق إسناده بذلك إليه لتبرأ ذمته ولينظر فيه من كان من أهل العلم وقد وجدت مداره على الزبير بن محمد بن خالد العثماني: حدثنا عبد الله بن القاسم الأملي (كذا الأصل ولعله الأيلي) عن أبيه بإسناده إلى علي وهؤلاء الثلاثة في عداد المجهولين فإن أحدا من أهل الجرح والتعديل لم يذكرهم مطلقا فهل وجدهم الدكتور وعرف عدالتهم وضبطهم حتى استجاز لنفسه أن يجزم بصحة الرواية عن علي أم شأنه فيها كشأنه في غيرها إنما هو جماع حطاب أو كما تقول العامة عندنا في الشام: (خبط لزء) ثم هو إلى ذلك يدعي أنه اعتمد على الروايات الصحيحة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
5 - قال: (2 / 12) : (فقال (عمر) : (أكن الناس من المطر وإياك [أن] (1) تحمر أو تصفر فتفتن الناس) . إعلام الساجد 337)
قلت: هذا الأثر قد رواه البخاري في (باب بنيان المسجد) من--------------------------------------------
(1) لم ترد في كتاب البوطي وإنما استدركناها من البخاري
[43]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
(صحيحه) معلقا مجزوما به (1) فترك الدكتور العزو إليه مع إفادته الصحة إلى عزوه إلى (الإعلام) الذي لا يفيد الصحة تقصير لا يغتفر من مثله لو كان من أهل العلم بالحديث فإن من المعلوم عندهم أنه لا ينبغي عزو حديث هو في (الصحيحين) أو أحدهما إلى السنن الأربعة فضلا عمن دونهم فكيف يجوز عزوه إلى من هو دونهم جميعا كالزركشي صاحب (إعلام الساجد) ؟ قال مغلطاي: (ليس لحديثي عزو حديث في أحد الستة لغيرها إلا لزيادة ليست فيها أو لبيان سنده ورجاله) . نقله المناوي في (فيض القدير) (1 / 280)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
6 - قال (2 / 69) : (وأما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليهم (يعني شهداء أحد) عشرة عشرة وفي كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين مرة: فضعيف وخطأ راجع مغني المحتاج 1 / 399)
قلت: هذا نوع جديد من تخاليط الدكتور فإنه لم يقنع وبأنواع من الأخطاء التي كشفنا الغطاء عنها فيما مضى لا سيما ما كان منها من الأحاديث الضعيفة التي صححها حتى جاء الآن بنمط جديد من الخطأ ألا وهو تضعيف ما صح من الأخبار فإن هذا الحديث له طرق كثيرة وبعضها حسن وساق الحافظ الزيلعي في (نصب الراية) (2 / 309 - 313) قسما كبيرا منها وكذا الحافظ ابن حجر العسقلاني في (الدراية) (1 / 243 - 244) و (تلخيص الحبير) (1 / 11) ومال إلى تقويته وهو الذي لا يستطيع خلافه كل حديثي وقف على تلك الطرق ولذلك أوردته في كتابي المفرد: (أحكام الجنائز وبدعها) المسألة (70) على أن في الصلاة على حمزة وغيره من الشهداء أحاديث أخرى بعضها صحيح ذكرته في المسألة (22 و 60) من الكتاب المذكور--------------------------------------------
(1) وهو في مختصري لصحيح البخاري برقم (118)
[44]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)