كوحدة منفصلة، وراحوا يستخرجون منها مباحث في اللغة والأدب والبلاغة والأصول والفقه والتشريع والعقيدة وغيرها، وألفوا مؤلفات كثيرة ضخمة في التفسير، وملئوها بمباحث في النحو والبلاغة … كما ألّفت كتب عديدة في علوم القرآن ضمنت مباحث متنوعة مثل قصص القرآن وبديع القرآن وتشبيهات القرآن ومعاني القرآن وإعجاز القرآن.
إلا أن القليل من المفسرين والبلاغيين وفّقوا في بعض الأحيان إلى إدراك الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن الكريم ووقفوا عند نظرات جزئية، وأدركوا فيها بعض مواضع الجمال المتفرقة.
وسبب عدم إدراكهم للخصائص العامة هو وقوفهم عند حدود عقلية النقد العربي القديمة، تلك العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة فتحلّله وتبرز الجمال الفني فيه، إلى الحد الذي تستطيع- دون أن تتجاوز هذا- إلى إدراك الخصائص العامة في العمل الفني كله (1):
المرحلة الثالثة:
مرحلة إدراك الخصائص العامة:
وهي المرحلة التي جاءت متأخرة، ولم تتم إلا في العصر الحديث، حيث بدأت الكتابة في الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن، باكتشاف القاعدة العامة والطريقة الموحدة في التعبير القرآني.
وتناول سيد قطب جانبا هاما من القواعد الأساسية في أسلوب القرآن الكريم في كتاب «التصوير الفني في القرآن» فكان رائدا من رواد هذه المرحلة في إبراز قاعدة أساسية عامة من الأساليب البيانية للقرآن الكريم.
يقول سيد قطب في ذلك: (إن حقيقة جديدة تبرز لي، إن الصور في القرآن ليست جزءا منه يختلف عن سائره، إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل، القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض- فيما--------------------------------------------
(1) «التصوير الفني في القرآن» ص 23، 25، 26، 30 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
عدا غرض التشريع بطبيعة الحال- فليس البحث إذن عن صور تجمع وترتب، ولكن عن قاعدة تكشف وتبرز، ذلك توفيق لم أكن أتطلّع إليه، حتى التقيت به) (1).
ويقول: (التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسّة المتخيّلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ، وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئية. وأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة، وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها عناصر التخيل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع … إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة).
أمثلة على نظرية سيد قطب في التصوير الفني:
1 - قوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: 7 - 8]. (فهي مخلوقة حي لها صفات الأحياء من البشر فها هي تكظم غيظها فتكاد تميز من الغيظ وتتمزق منه فترتفع أنفاسها من كظمها له فتفور ويسمع السامعون لها شهيقا مرعبا فظيعا) (2).
2 - وفي قوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ--------------------------------------------
(1) «التصوير الفني في القرآن» ص 8.
(2) «في ظلال القرآن» 6/ 3634 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5]. (والهمود درجة بين الحياة والموت فإذا نزل عليها الماء (اهتزت وربت) وهي حركة عجيبة سجلها القرآن، قبل أن تسجّلها الملاحظة العملية بمئات الأعوام فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز وهي تتشرب الماء وتنتفخ فتربو) (1).
3 - وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39) [النور: 39] (تحوّلت أعمالهم المعنوية هنا إلى سراب مجسم بقيعة يراه الرائي ماء).
4 - وفي قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: 41].
(الولاية لغير الله- وهي أمر معنوي مجرد- صارت هنا صورة منفرة محقّرة محسوسة مجسمة، بيت عنكبوت ضئيل هزيل واهن).
بهذه الدراسات القيّمة يكون سيد قطب قد أضاف بعدا جديدا إلى مفهوم إعجاز النظم القرآني من الناحية البيانية.
ويبقى كتاب الله الخالد ومعجزة رسوله الباقية المعين الثرّ والنبع المتدفق للمعارف الراقية والدراسات المتجددة ولن تنقضي عجائبه ولن يحيط بأسراره مخلوق مهما أوتي من العلم والحكمة.
* فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80) [الواقعة: 75 - 80].--------------------------------------------
(1) «في ظلال القرآن» ص 4/ 2411.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
القسم الثاني الجانب الموضوعي لإعجاز القرآن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
وجوه إعجاز القرآن
تباينت أقوال العلماء في تحديد وجوه الإعجاز في القرآن الكريم:
فمنهم من أوصلها إلى عشرة وجوه، ومنهم من نيف على ذلك، ومنهم من جعل وجوه الإعجاز وجها واحدا ونافح عنه وأورد الاعتراضات على سواه. ومن يتتبّع هذه الوجوه التي ذكرها العلماء قديما وحديثا يجد كثيرا منها تتداخل أو تتشابه ويمكنه بعد الاستقراء والتحقق أن يجمع بين كثير منها.
نجد أن وجوها كثيرة تدور حول الأداء البياني وأسلوب القرآن الكريم المتميّز في ذلك … ووجوه تنصب على الهدايات في القرآن الكريم ومراميه في إسعاد البشرية بإخراجها من الظلمات إلى النور وإيصالها إلى دار السعادة والنعيم المقيم … ومن الوجوه ما يتعلق بالإخبار عن الغيوب … ومنها ما اشتمل على إشارات وإيحاءات إلى سنن الله في الكون والطبيعة والحياة التي خلقها الله سبحانه وتعالى.
لذا يمكن أن نجمع الأقوال جميعا في أربعة وجوه وهي:
أولا: الإعجاز البياني.
ثانيا: الإعجاز العلمي (التجريبي).
ثالثا: الإعجاز التشريعي.
رابعا: الإعجاز الغيبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
الفصل الأوّل الإعجاز البيانيّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
المبحث الأول
فصاحة القرآن وبلاغته
أولا: تعريف الفصاحة والبلاغة:
الفصاحة: في اللغة: الظهور والبيان، ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته، ويقال أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه واستبان (1)، ولسان فصيح أي طلق.
وفي القرآن الكريم على لسان موسى عليه: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي [القصص: 34].
وفصاحة الكلام في الاصطلاح: خلوصه من التعقيد، وفصاحة القرآن: كونه لفظا عربيا مستعملا مؤدّي المعنى بوجه لا تعقيد فيه (2).
نجد أن التعاريف كلها تدور حول الإظهار والوضوح مع الخلوّ من التعقيد.
والبلاغة في اللغة: مأخوذة من البلوغ وهو الوصول إلى الشيء والانتهاء إليه. يقال بلغت المكان بلوغا: وصلت إليه.
وفي الاصطلاح: البلاغة في الكلام: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ (3). وقيل: أن يبلغ به المتكلم ما يريد من نفس--------------------------------------------
(1) «لسان العرب»: 2/ 545.
(2) «الفوائد المشوق» لابن القيم، ص 9.
(3) «الفوائد المشوق» لابن القيم، ص 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
السامع بإصابة موضع الاقتناع من العقل والوجدان من القلب.
وفي لسان العرب: رجل بليغ: حسن الكلام فصيح يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه .. وقال خالد بن صفوان: أبلغ الكلام ما قلّت ألفاظه وكثرت معانيه، وخير الكلام ما شوّق أوله إلى سماع آخره (1).
وقال بعض المتأخرين: البلاغة: التعبير باللفظ الرائع عن المعنى الصحيح بلا زيادة ولا نقصان (2).
ونجد أن تعاريف البلاغة تدور معظمها حول: إيصال المعنى إلى قلب المخاطب بعبارة سهلة موجزة، مراعيا في ذلك مقتضى حال السامع بحيث يؤثر في نفسه، ويبلغ منها ما يريد القائل. وهو ما دل عليه التعريف الأول ولعله أرجحها.
وهل من فرق بين الفصاحة والبلاغة؟
قال بعضهم: إنهما متعاقبان على معنى واحد. وذهب أغلبهم إلى التفريق فقالوا: إن الفصاحة من عوارض الألفاظ مع ملاءمة المعنى والبلاغة من عوارض المعنى، وهو تكميل المعنى باللفظ الذي يفهمه.
فالبلاغة في المعاني، والفصاحة في الألفاظ. يقال: معنى بليغ ولفظ فصيح.
يقول الخفاجي في «سر الفصاحة»: (والفرق بين الفصاحة والبلاغة:
أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني. لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة، وإن قيل فيها فصيحة وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا) (3).--------------------------------------------
(1). 8/ 420.
(2) مقدمة تفسير الفاتحة ليوسف الحسين الحسيني.
(3) سر الفصاحة للخفاجي، ص 49 - 54 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
ويقول: (فالفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ، وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف، وبوجود أضدادها تستحق الإطراح والذم، فمن هذه الشروط:
1 - أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج (1).
2 - أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزية على غيرها.
3 - أن تكون الكلمة غير متوعرة وحشية.
4 - أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية.
5 - أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة.
6 - أن لا تكون الكلمة قد عبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره.
7 - أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف).
وإذا استعرضنا آيات القرآن الكريم من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس على تعريف الفصاحة والبلاغة، وشروط الألفاظ الفصيحة والكلام البليغ، لوجدنا كل آية قد تحققت فيها الفصاحة والبلاغة في أبهى صورهما، ولوجدنا أن معاني الكلمات تنساب إلى القلب قبل أن تبهرنا الألفاظ بجمالها الساحر، سواء في ذلك السور والآيات التي تلفت أنظارنا إلى الآفاق لنستدل على الصانع من لوحة إبداعه الرائعة أو الآيات المتعلقة بمبدإ البعث والنشور والموقف والحساب أو ما يتعلق منها بتنظيم شئون الحاكم مع رعيته، أو الأسرة وحقوق أفرادها، وغيرها من الأمور التي تولى القرآن الكريم الحديث عنها.--------------------------------------------
(1) فالكلمات: الجردقة (الرغيف). والجرموق: اسم لقوم. وجوسق، وجلق، وجوالق:
للوعاء. ومنجنيق، وجلنبلق: لصوت الباب. والجص، والصجة، والصولجان، والمحجن، والأجاص. كلها كلمات معرّبة غير فصيحة لتقارب مخارج حروفها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
كل تلك الآيات عليها الصبغة الزاهية من البيان الرائع والجمال اللفظي في أبسط أسلوب وأوضحه وأقربه إلى الفهم والقلب.
لقد كان معروفا ولا زال عند علماء البلاغة وأهل البيان أن هناك أمورا معيّنة وأحوالا خاصة يجيد فيها الشاعر أو الكاتب دون سواها. وحالته النفسية تلعب دورا في إعطاء الملامح والمزايا لإنتاجه، لذا عرف بعض الشعراء بجودة المديح والغزل وآخرون بالهجاء والذم، وكانت الأسبقية لآخرين في الشجاعة ووصف الحروب، ولغيرهم في الحكم ودقة التعبير عن المعاني العقلية أو النفسية. وكان إذا ترك أحدهم ما طبع عليه، وحاول أمرا لم يعتد عليه تناقصت قيمة شعره وإنتاجه وربما جاء بما يستنكر أو يستكره.
لذا ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب. أما أن تلتزم الطبقة العليا في الفصاحة وذروة سنام البلاغة في كل صغيرة وكبيرة مهما اختلفت المواضيع وتباينت الأحوال وامتد الزمن فذلك ما لا نجده في إنتاج أحد من البشر، لأن البشر- كما يقول ابن عطية- يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بكل شيء علما، ولا يكون ذلك إلا للخالق جل جلاله وتعالى شأنه، الذي أحاط بالكلام كله فيعلم مكان اللفظة وما يناسبها في الترتيب، وما يصلح أن يكون رديفا لها، فلذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة (1).
والمتتبع لآيات القرآن الكريم من العارفين بأفانين البلاغة يجد فيه فنونها بأسرها، من إفادة المعاني الكثيرة باللفظ القليل، ومن ضروب التأكيد، وأنواع التشبيه والتمثيل، إلى ضرب الأمثال، وأصناف الاستعارة، وحسن المطالع والمقاطع والفواصل، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل،--------------------------------------------
(1) مقدمة «المحرر الوجيز» لابن عطية، 1/ 38. ط المغرب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
وخلوه عن اللفظ الغث الشاذ الخارج عن القياس، والشارد النافر عن الاستعمال، إلى غير ذلك من أنواع الفنون البلاغية بحيث لا يرى المتصفّح للقرآن الكريم وتراكيبه المتمرّس في فنون البلاغة نوعا منها إلا وجده أحسن ما يكون، لا يقدر أحد من البلغاء الواصلين إلى ذروة البلاغة من العرب العرباء وإن استفرغ وسعه أن يحيط بأنواع قليلة منها. ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بمزايا بلاغات القرآن الكريم وإعجازه للثقلين.
ثانيا: أمثلة على بعض الفنون البلاغية:
1 - إيجاز القصر:
أ- قال تعالى في سورة النحل:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) [سورة النحل: 90].
- أمر الله سبحانه وتعالى في أول هذه الآية بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى في وسطها عن الفحشاء والمنكر والبغي، ووعظ في آخرها وذكّر، فجمع في هذه ضروبا من البيان وأنواعا من الإحسان. فذكر العدل والإحسان، والفحشاء والمنكر بالألف واللام التي هي للاستغراق، أي استغراق الجنس المحتوي على جميع أنواعه وضروبه.
- وفي نهايتها الطباق اللفظي والطباق المعنوي، أما اللفظي ففي قوله (يأمر … وينهى) وأما المعنوي ففي قوله: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وقوله: الفحشاء والمنكر والبغي، فإن الثلاثة الأواخر من القبيح.
فطابق بين الحسن والقبيح مطابقة معنوية.
- ثم بين خصوصية ذوي القربى بإعادة الإيصاء عليهم والإيتاء لهم ومع أن الأمر بالإحسان قد تناولهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
- وبدأ بالعدل لأنه فرض، وتلاه بالإحسان لأنه مندوب إليه وقد يجب، فاحتوت الآية على حسن النسق، وعطف الجمل بعضها على بعض فقدم العدل وعطف عليه بالإحسان الذي هو جنس عام، وخص منه نوعا خاصا وهو إيتاء ذي القربى.
- ثم أتى بالأمر مقدما، وعطف عليه النهي بالواو، ثم رتب جمل المنهيات كما رتب جمل المأمورات في العطف بحيث لم يتأخر في الكلام ما يجب تقديمه ولم يتقدم عليه ما يجب تأخيره.
- ثم ختم ذلك كله بأمور مستحسنة ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة فاحتوت الآية على ضروب من المحاسن والقضايا وأشتات من الأوامر والنواهي والمواعظ والوصايا، ما لو بث في أسفار عديدة لما أسفرت عن وجوه معانيها، ولا احتوت على أصولها ومبانيها (1).
ب- المثال الثاني على الإيجاز بسورة قصيرة من القرآن الكريم وهي سورة الكوثر وأقصر سور القرآن: فعلى الرغم من كلماتها القليلة المحدودة تضمنت من المعاني البديعة والفصاحة والبلاغة الرائعة التي اقتضت بها أن تكون مصداقا لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) [البقرة: 23].
فمن هذه المزايا والنكات البلاغية في سورة الكوثر:
1 - أن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) دل على عطية كثيرة مسندة إلى معط كبير، ومن كان كذلك كانت النعمة عظيمة عنده، وأراد بالكوثر الخير الكثير، ومن ذلك الخير الكثير ينال أولاده إلى يوم القيامة من أمته، من غير ما وعد به الله وأعطاه في الدارين، من مزايا التعظيم، والتقديم، والثواب ما لم يعرفه إلا الله، وقيل إن الكوثر ما اختص--------------------------------------------
(1) «الفوائد المشوق» لابن القيم، ص 69.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
به من النهر الذي ماؤه أحلى من العسل وعلى حافاته أواني الذهب والفضة كعدد النجوم.
2 - أنه جمع ضمير المتكلم، وهو يشعر بعظم الربوبية، فالعطاء يتناسب مع مقام الربوبية المشار إليها بضمير التعظيم.
3 - أنه بنى الفعل على المبتدأ فدل على خصوصية وتحقيق.
4 - أنه صدّر الجملة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم.
5 - أنه أورد الفعل الماضي دلالة على أن الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة دون عطاء الآجلة، ودلالة على أن التوقع من سيب (1) الكريم في حكم الواقع.
6 - جاء بالكوثر محذوف الموصوف، لأن المثبت ليس فيه ما في المحذوف من فرط الإيهام والشياع، والتناول على طريق الاتساع، لذا وردت الأقوال الكثيرة عن العلماء في تفسير الكوثر، فمن قائل نهر ومن قائل الأتباع ومن قائل الذكر … والكوثر يشمل كل ذلك ويزيد، فهو الخير الكثير الموهوب من الرب العظيم.
7 - اختيار الصفة المؤذنة بالكثرة (على وزن فوعل).
8 - أتى بهذه الصفة مصدّرة باللام المعروفة بالاستغراق لتكون ما يوصف بها شاملة، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة.
9 - وفاء التعقيب في الآية الثانية مستفادة من معنى التسبب لمعنيين:
- جعل الإنعام الكثير سببا للقيام بشكر المنعم وعبادته.
- جعله لترك المبالاة بقولة العدو.
فإن سبب نزول هذه السورة: ما روي أن العاص بن وائل قال إن--------------------------------------------
(1) السيب: العطاء. انظر لسان العرب 1/ 477 مادة (سيب).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
محمدا صنبور- والصنبور الذي لا عقب له- فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت هذه السورة.
10 - قصده بالأمر التعريض بذكر العاص وأشباهه ممن كانت عبادته ونحره لغير الله.
11 - تثبيت قدمي الرسول صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم.
12 - أشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات: الأعمال البدنية والصلاة قوامها، والمالية ونحر البدن ذروة سنامها، للتنبيه على ما للرسول صلى الله عليه وسلم من الاختصاص في الصلاة التي جعلت فيها قرة عينه، ونحر الإبل التي كان لا يجارى فيه، فقد روي أنه أهدى مائة بدنة فيها جمل في أنفه برة من ذهب.
13 - حذف اللام الأخرى لدلالة الأولى عليها. فلم يقل وانحر له أو لربك.
14 - مراعاة حق السجع الذي هو من جملة صفة البديع إذا ساقه قائله مساقا مطبوعا بعيدا عن التكلّف.
15 - قوله (لربك) فيه لطيفتان: وروده على طريق الالتفات التي هي (أمّ) في علم البلاغة. وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر وفيه إظهار لكبرياء شأنه وإثباته لعز سلطانه.
16 - علم بهذا أن من حقوق الله التي تعبّد العباد بها أنه ربهم ومالكهم وعرّض بترك التماس العطاء من عبد مربوب ترك عبادة ربه.
17 - وفي الآية الثالثة علل الأمر بالإقبال على شأنه وترك الاحتفال بشانئيه على سبيل الاستئناف الذي هو حسن حسن الموقع، وقد كثرت في التنزيل مواقعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
18 - ويتجه أن نجعلها جملة الاعتراض مرسلة إرسال الحكمة الخاتمة والاعتراض كقوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: 26]. وعني بالشانئ العاص بن وائل.
19 - إنما لم يسمه باسمه ليتناول كل من كان في مثل حاله.
20 - صدّر الجملة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم وعبّر عنه بالاسم الذي فيه دلالة على أنه لم يتوجه بقلبه إلى الصدق، ولم يقصد بلسانه الإفصاح عن الحق بل نطق بالشنآن الذي هو قرين البغي والحسد، وعين البغضاء ولذلك وسمه بما ينبئ عن الحقد.
21 - جعل الخير معرفة وهو (الأبتر) والشانئ كذلك، ليعلم أنه المعروف لدى الناس يقال له الصنبور) (1).
ج- المثال الثالث في المقارنة بين كلام موجز من القرآن الكريم وبين كلام موجز ورد عن العرب:
أما الآية الكريمة فقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة:
179]، وهو جزء من آية، ومعناها أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل به، كان ذلك داعيا إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياة لهم.
ورد في هذا عن العرب قولهم: (القتل أنفى للقتل) وأبرز العلماء بلاغة العبارة القرآنية على الثانية بعشرين وجها أو أكثر هي:
1 - أن ما يناظره من كلامهم هو قوله: فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أقل حروفا، فإن حروفها اثنا عشر حرفا، وحروف (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر.
2 - أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، والآية ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه.--------------------------------------------
(1) «الفوائد المشوق» لابن القيم، ص 253.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
3 - أن تنكير حياة يفيد تعظيما، فتدل على أن في القصاص حياة متطاولة كقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: 96]. ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
4 - أن الآية مطردة بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما. وإنما ينفيه قتل خاص، وهو القصاص ففيه حياة أبدا.
5 - أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل، والخالي من تكرار أفضل من المشتمل وإن لم يكن مخلا بالفصاحة.
6 - أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم فإن فيه حذف (من) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف (قصاصا) مع القتل الأول و (ظلما) مع القتل الثاني، والتقدير القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه.
7 - أن في الآية طباقا معنويا، لأن القصاص مشعر بضد الحياة، بخلاف المثل.
8 - أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت، محلا ومكانا لضده، الذي هو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، وذلك بجعل القصاص كالمنبع للحياة والمصرف لها، وذلك مستفاد من كلمة (في) الداخلة على القصاص.
9 - أن في المثل توالي أسباب كبيرة خفيفة، وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكره فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت فصاحته، بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات. نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فجثت، ثم تحركت فجثت لا يتبين انطلاقها ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
10 - أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر، ولأن الشيء لا ينفي نفسه.
11 - سلامة الآية من تكرار قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة وبعده عن غنة النون.
12 - اشتمالها على حروف متلائمة لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد، إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق. بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض، فهو غير ملائم للقاف، كذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعدها دون طرف اللسان.
13 - في النطق بالصاد والحاء والقاف حسن الصوت، ولا كذلك تكرار القاف والتاء.
14 - سلامتها من لفظ القتل المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ الحياة فإن الطباع أقبل له من لفظ القتل.
15 - أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل.
16 - الآية مبنية على الإثبات، والمثل مبني على النفي، والإثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان عنه.
17 - أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة، وقوله ولكم في القصاص حياة، مفهوم من أول وهلة.
18 - أن في المثل بناء أفعل التفضيل من فعل متعد، والآية سالمة منه.
19 - أن أفعل في الغالب تقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا للقتل، ولكن القصاص أكثر نفيا، وليس الأمر كذلك، والآية سالمة منه.
20 - أن الآية رادعة عن القتل والجرح معا لشمول القصاص لهما، والحياة أيضا في قصاص الأعضاء، لأن قطع العضو ينقص مصلحة الحياة، وقد يسري إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
21 - في أول الآية (لكم) وفيها لطيفة، وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم (1).
2 - ومن الفنون البلاغية: التتميم (2):
وهو على ثلاثة أقسام تتميم النقص، وتتميم الاحتياط، وتتميم المبالغة، وقد وردت الأقسام الثلاثة كلها في قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) [البقرة: 266].
جاء أول هذه التتميمات في قوله تعالى في تفسير الجنة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ فلو قال جنة لكان كافيا، ولكن عندئذ تحتمل أن تكون جنة ذات أثل وخمط وشيء من سدر قليل، فإن لفظ الجنة يصدق على كل شجر مجتمع يستر بظل غصونه الأرض كائنا ما كان، ومن الشجر ماله نفع عظيم عميم كالنخيل والأعناب. فإذا كانت الجنة عظيمة الفائدة ثم احترقت كان أسف صاحبها أعظم ومصابه أفدح. ثم علم الله سبحانه وتعالى أن الجنة إن كانت من نخيل وأعناب ما لم تجر الأنهار من تحتها لم يثمر شجرها ولم ينتفع بسكنها ولم تكن لها حياة البتة، فتمم هذا النقص بقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. ثم علم الله سبحانه وتعالى أن الجنة لو جمعت إلى النخيل والأعناب كل الثمرات كان وصفها أتم ونفعها أعظم، والأسف على فسادها أشد فقال تعالى: لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، متمما لذلك تتميم مبالغة. ولما فرغ سبحانه وتعالى من أوصاف الجنة أخذ في وصف صاحبها: فوصفه بالكبر، لأنه لو كان شابا لرجا أن يخلفها بعد إحراقها،--------------------------------------------
(1) انظر هذه المقارنة في «غرائب القرآن» للنيسابوري: 2/ 90، و «معترك الأقران» للسيوطي: 1/ 300.
(2) انظر المثال في كتاب بديع القرآن لابن أبي الأصبع ص 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
لما يجد في نفسه من القوة وما يأمل من طول المدة فقال محتاطا وَأَصابَهُ الْكِبَرُ. ثم علم سبحانه وتعالى أنه إذا كان عقيما مع الكبر سلّاه عنها قرب المدة وعدم من يهتم بضياعه بعده فلا يشتدّ أسفه عليها، فقال عز وجل محتاطا أيضا: وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ. ثم علم أنه إذا لم يصف الذرية بالضعف احتمل الإطلاق أن يكونوا أقوياء، فيترجى إخلافهم لها،
فيخفض ذلك من أسفه فقال محتاطا: ضُعَفاءُ. ثم لما فرغ من وصف الجنة أخذ في وصف الحادث المهلك لها بقوله عز وجل: فَأَصابَها إِعْصارٌ. وعلم تبارك اسمه أن الإعصار لا يعجل فساد هذه الجنة، ولا يحصل هلاكها به إلا بعد استمراره عليها في مدة طويلة، وهو يريد الإخبار بتعجيل هلاكها فقال: فِيهِ نارٌ. ثم اقتصر سبحانه وتعالى من الرياح على الإعصار لكونه عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعجاج الكثيف الذي يعمي دوامه عيون الماء، ويطم الآبار والأنهار، ويحرق بسمومه ورهجه الأشجار، وإذا اتفق مع ذلك أن تكون فيه نار أدارها على المكان الذي يكون فيه بحيث لا ينصرف عنه، لأنه لا يقصد وجهة مقابلة فينصرف ما يكون فيه إليها. ثم علم الله سبحانه وتعالى أن النار يحتمل أن تكون ضعيفة فتطفأ لضعفها عن مقاومة ما في الجنة من الأنهار، ورطوبة الأشجار، فاحتاط لذلك بقوله:
فَاحْتَرَقَتْ فنفى هذا الاحتمال، وأوجز تتميم المعنى المراد.
وهكذا نجد أن الآية الكريمة قد تضمنت من الدقائق واللطائف ما يبرز الغرض المقصود من سوق المثل وهو إبراز عظيم أسف صاحب الجنة وتحسره على ما فاته منها، في حالة كان بأمس الحاجة إلى نتاجها وخيراتها. وكذلك المرائي بصدقته الذي ينفقها رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فإنه سيفقد هذا الثواب في وقت هو بأمس الحاجة إلى ما يثقل ميزان حسناته.
3 - من الفنون البلاغية: التشبيه:
قال تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) [يونس: 24]. فإن في الآية عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضّيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب وزين بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة، فكأنها لم تكن بالأمس (1).
يقول صبحي الصالح تعليقا على قول السيوطي:
وإنه ليعنينا أن نقف قليلا عند تشبيه الحياة الدنيا، فلقد أصاب السيوطي في استخلاص وجه الشبه، وتقسيمه هذا التركيب القرآني إلى عشر جمل، أما موضع الجمال الحقيقي في هذا المشهد- مشهد الحياة القصيرة التي يوشك أن تزول- فلم يتتبعه السيوطي في تنسيق الجمل العشر، والصور التي تطويها كل جملة منها في أوقات يتفاوت عرضها الخيالي طولا وقصرا.
لأن هذا التفاوت في العرض الخيالي تبعا لمراحل المشهد المصور لم تكن جزءا من التشبيه المركب، فما على السيوطي إلا أن يذكر المعنى العام للآية وقد وفق فيه وأجاد، وإن علينا نحن أن نشير إلى المراحل التي أبطأ فيها التصوير وتمهل، أو التي اندفع فيها وأسرع، حتى تم لهذا المشهد القرآني من الإعجاز بالألفاظ الجامدة ما لا يتم من الإبداع بالريشة والألوان.
لقد استخدمت في هذا المشهد الوسائل المقصرة لعرض مراحل النبات، فالفاء التعقيبية تطوي المسائل بسرعة عظيمة، ما كاد الماء ينزل من السماء حتى اختلط به نبات الأرض مباشرة، وأصبح فجأة في متناول الناس يأكلونه والأنعام تتمتع به، إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ--------------------------------------------
(1) «الإتقان» 2/ 70، و «مباحث في علوم القرآن» لصبحي الصالح ص 322.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)