تكساس - دليلاً قاطعاً على إلحاقية هذا النص بإنجيل متى، وقال: "إن الكنيسة الكاثوليكية بالإضافة إلى أرثوذكس المشرق قد كذبوا على العالم فيما يخص هذا النص من متى، وذلك لأن كل من عمد بهذه الطريقة قد عُمد كذباً ومات من غير خلاص" (1).
ويذكرنا الدكتور ريكارت بالعديد من النصوص الإنجيلية التي تتحدث عن التعميد بيسوع المسيح فقط، كما في قول بطرس في خطبته الشهيرة: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أعمال 2/ 38)، والسامريون اعتمدوا بمعمودية يوحنا المعمدان، فلما سمعوا بطرس " اعتمدوا باسم الرب يسوع " (أعمال 19/ 5)، فلم يطالبهم بطرس بالتعميد باسم الآب والروح القدس، واكتفى بالتعميد باسم يسوع (2).
ويؤكد تاريخ التلاميذ عدم معرفتهم بهذا النص، إذ لم يخرجوا لدعوة الناس كما أمر المسيح في هذا النص المزعوم، بل إنه أمرهم باجتناب دعوة غير اليهود "هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع، وأوصاهم قائلاً: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى 10/ 5 - 6).
ويتطابق هذا مع شهادة تاريخية تعود للقرن الثاني تناقض الأمر المزعوم بدعوة الأمم وتعميدها باسم الثالوث، إذ يقول المؤرخ الكنسي أبولونيوس في القرن الثاني: "إني تسلمت من الأقدمين أن المسيح قبل صعوده إلى السماء كان قد أوصى رسله أن لا يبتعدوا كثيراً عن أورشليم لمدة اثنتي عشرة سنة" (3).--------------------------------------------
(1) www.jesus-messiah.com/apologetics/catholic/matthew-proof.html
(2) ومثله في (أعمال 4/ 10) و (أعمال 8/ 16) و (أعمال 10/ 48) و (أعمال 9/ 27) و (أعمال 22/ 5).
(3) الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، الأنبا ايسذورس (1/ 39).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
وقد التزم التلاميذ بأمر المسيح عليه السلام، ولم يخرجوا من فلسطين إلا حين أجبرتهم الظروف على الخروج "وأما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس، فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكيا، وهم لا يكلمون أحداً بالكلمة إلا اليهود فقط" (أعمال 11/ 19)، ولو كانوا سمعوا المسيح يأمرهم بدعوة الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لخرجوا امتثالاً لقوله، من غير إكراه، ولبشروا الأمم بدعوته، لكنهم لم يفعلوا!.
ولما حدث أن بطرس استدعي من قبل كرنيليوس الوثني ليعرف منه دين النصرانية، ثم تنصر على يديه. لما حصل ذلك لامه التلاميذ فقال لهم: "أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه، وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس" (أعمال 10/ 28)، ولو كان بطرس قد سمع نص التثليث في خاتمة إنجيل متى لألجمهم الحجة، ولقال لهم: ألا تذكرون ما قاله المسيح لنا بعد قيامته من الأموات وقبيل صعوده للسماء! لقد فعلتُ ما فعلت إنفاذاً لأمر المسيح الذي أمرنا بتبشير الأمم وتعميدهم باسم الآب والابن والروح القدس.
لكن بطرس لم يقل شيئاً من ذلك، لأنه لم يسمع المسيح بعد القيامة يدعو لتبشير الأمم باسم الثالوث، بل سمع منه شيئاً آخر: "نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات، وأوصانا أن نكرز للشعب" (أعمال10/ 42)، لقد سمعه بعد القيامة يدعو لكرازة اليهود فقط.
ولما رجع بطرس إلى أورشليم تعرض لمزيد من اللوم من تلاميذ المسيح، فقد " خاصمه الذين من أهل الختان، قائلين: إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة، وأكلت معهم! " (أعمال 11/ 2 - 3)، فلم يجد نصاً من المسيح يرد به عليهم، فبدأ يحكي لهم عن رؤيا منامية رآها سوغت له الأكل مع الأمميين (أعمال 11/ 4 - 10)، ثم حكى لهم كيف جاءه الروح القدس، وأمره بالذهاب "قال لي الروح أن أذهب معهم غير مرتاب في شيء، وذهب معي أيضاً" (أعمال 11/ 12).
وبعد هذا العرض الإقناعي المسهب من بطرس رضي التلاميذ عن ذهابه إلى الغلف "فلما سمعوا ذلك سكتوا، وكانوا يمجدون الله قائلين: إذا أعطى الله الأمم أيضاً التوبة للحياة" (أعمال 11/ 18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
وعليه فهؤلاء جميعاً - بما فيهم بطرس - لا يعلمون شيئاً عن نص متى الذي يأمر بتعميد الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لماذا؟ لأن المسيح لم يقله، وهم لم يسمعوه، ولو كان المسيح قاله لما احتاج فعل بطرس إلى عتاب وملامة.
وأيضاً، اتفق التلاميذ مع بولس على أن يدعو الأمميين، بينما هم يدعون أهل الختان أي اليهود، يقول بولس: "رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة (الأمم) كما بطرس على إنجيل الختان … أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان" (غلاطية 2/ 7 - 9)، فكيف لهم أن يخالفوا أمر المسيح - لو كان صحيحاً نص متى - ويقعدوا عن دعوة الأمم وتعميدهم باسم الثالوث، ثم يتركوا ذلك لبولس وبرنابا فقط؟
فكل هذه الشواهد تكذب نص متى، وتؤكد أنه نص مختلق لم يعرف التلاميذ عنه شيئاً، ولا تصح نسبته إلى المسيح.
ثم عند غض الطرف عن ذلك كله، فإنه ليس في النص ما يسلم بأنه حديث عن ثالوث أقدس اجتمع في ذات واحدة، فهو يتحدث عن ثلاث ذوات متغايرة، قرن بينها بواو عاطفة دلت على المغايرة، والمعنى الصحيح لخاتمة متى: "اذهبوا باسم الله ورسوله عيسى والوحي المنزل عليه بتعاليم الله عز وجل".
ولهذه الصيغة الواردة في متى مثل لا يصرفه النصارى للتثليث، فقد جاء في بعض رسالة بولس إلى تيموثاوس: "أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين … " (تيموثاوس (1) 5/ 21) فإن أحداً لم يفهم من النص ألوهية الملائكة أو أنهم الأقنوم الثالث، ويقال في نص متى ما يقال في نص بولس.
ويشبهه ما جاء سفر الخروج من دعوة بني إسرائيل للإيمان بالله وبموسى من غير أن يفهم تساوي المعطوفين في قوله: "فخاف الشعب الرب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى" (الخروج 14/ 31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
وهذا الأسلوب في التعبير معهود في اللغات والكتب، وقد نزل في القرآن مثله {يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} (النساء: 136) وغير ذلك من الآيات القرآنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
التوحيد في الكتاب المقدس
وإذا لم نجد للتثليث دليلاً صريحاً واحداً ينهض للاستدلال، فهل ترانا نجد لنقيضه، وهو التوحيد دليلاً في ثنايا الكتاب المقدس؟
إن المتأمل في الأسفار المقدسة يرى بوضوح غرابة دعوة التثليث وتسطع أمامه أصالة التوحيد في النصرانية وبهاؤه، فقد دلت عليه عشرات النصوص الصريحة الناصعة في وضوحها، والتي تؤكد بأن معتقد المسيح وتلاميذه، ومن قبلهم أنبياء الله هو توحيد الله عز وجل.
أولاً: النصوص الموحدة في العهد القديم
تتلألأ دعوة التوحيد في العهد القديم، وتنطق بها النبوات، وتكثر حولها وصاياهم، وتتسابق النصوص، وهي تؤكد أصالة هذا المعتقد، منها:
- ما جاء في سفر التثنية من وصايا موسى عليه السلام التي كتبها الله لموسى على لوحي الحجر، وأمر بني إسرائيل بحفظها، وجاء المسيح بعده فأكد عليها "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا واحد، فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك، ولتكن هذا الكلمات التي أوصيك بها اليوم على قلبك، وقُصّها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق وحين تنام وحين تقوم، واربطها علامة على يديك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك" (التثنية 6/ 4 - 9).
- " أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" (التثنية 5/ 6).
- ومنها وصية الله لموسى عليه السلام وبني إسرائيل: " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
أرض مصر، من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة ما، مّما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض" (الخروج 20/ 2 - 4).
- وفي سفر الملوك: "ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله، وليس آخر" (الملوك (1) 8/ 60).
- وجاء في مزامير داود: "كل الأمم الذين صنعتهم يأتون ويسجدون أمامك يا رب، ويمجدون اسمك، لأنك عظيم أنت، وصانع العجائب، أنت الله وحدك" (المزمور 86/ 9 - 10) هو وحده الله، وليس يشاركه في اسمه أو ألوهيته أحد، بما في ذلك المسيح عليه السلام.
- وجاء في إشعيا: "يقول الرب: .. قبلي لم يصور إله، وبعدي لا يكون، أنا أنا الرب، وليس غيري مخلص، أنا أخبرت وخلصت .. " (إشعيا 43/ 10 - 12).
- "أيها الرب إلهنا، خلصنا من يده، فتعلم ممالك الأرض كلها أنك أنت الرب وحدك" (إشعيا 37/ 20).
- "أنا الرب صانع كل شيء، ناشر السماوات وحدي باسط الأرض، من معي؟! " (إشعيا 44/ 24)، فأين هذا ممن جعل الواحد ثلاثة، وأوكل الخلق إلى غيره؟
- "أنا الرب وليس آخر، لا إله سواي" (إشعيا 45/ 5).
- وجاء في نبوة إشعيا أيضاً " يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري. ومن مثلي ينادي، فليخبر به ويعرضه لي .. هل يوجد إله غيري، ولا صخرة لا أعلم به" (إشعيا 44/ 6 - 9).
- ومثله كثير في أسفار العهد القديم. (انظر ملاخي 2/ 10، الملوك (1) 8/ 27 … ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
ثانياً: النصوص الموحدة في العهد الجديد
وكذا جاءت أسفار العهد الحديد تؤكد تفرد الخالق بالألوهية والربوبية، وتذكر ذلك على لسان المسيح وحواريه، فمما ورد على لسان المسيح:
- " ولا تدعوا لكم أباً على الأرض، لأن أباكم واحد، الذي في السماوات. ولا تدعوا معلمين، لأن معلمكم واحد، المسيح" (متى 23/ 9 - 10).
- ومن ذلك أيضاً ما جاء في متى: " وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحد صالحاً إلا واحد، وهو الله" (متى 19/ 17).
- وكذا قول يوحنا " كلم يسوع بهذا، ورفع عينيه نحو السماء وقال: أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً، إذ أعطيته سلطاناً على كل جسد، ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته، وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا 17/ 2 - 3)، فليس من إله على الحقيقة إلا واحد، وهو الآب الذي كان المسيح يخاطبه في أول الفقرة "أيها الآب"، وأما سائر الأقانيم فقد أنكر المسيح ألوهيتها، حين قال بأن الآب وحده هو الإله الحقيقي "لكن لنا إله واحد؛ الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له" (كورنثوس (1) 8/ 6)، وثبت بطلان ألوهية الابن والروح القدس.
- ولما جرب الشيطان يسوع عليه السلام وقال له: " أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان. لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (متى 4/ 10، ومثله في لوقا 4/ 8).
- وقال المسيح عليه السلام لليهود: "أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد، وهو الله. فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني، لأني خرجت من قبل الله وأتيت، لأني لم آت من نفسي، بل ذاك أرسلني" (يوحنا 8/ 41 - 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
والتوحيد معتقد تلاميذ المسيح وتلاميذهم، كما نقل عنهم ذلك العهد الجديد مراراً:
- ومنه ما جاء على لسان التلميذ يعقوب: "أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل" (يعقوب 2/ 19)، وأما القول بألوهية غير الله فليس من الحُسن في شيء.
- ويقول: "واحد هو واضع الناموس القادر أن يخلص ويهلك" (يعقوب 4/ 12).
- ويقول يهوذا: "الإله الحكيم الوحيد مخلصنا" (يهوذا 25).
- بل وحتى بولس نجد له بعض النصوص التي تعترف لله بالوحدانية، ومن ذلك قوله: "يوجد إله واحد ووسيط بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (1) 2/ 5) إله واحد، له رسول واحد يبلغ الله من خلاله وحيه وهديه، هذا الرسول هو الإنسان يسوع.
ويقول واصفاً الله بالوحدانية وغيرها من صفات الجلال والكمال: "المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت، ساكناً في نور، لا يدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس، ولا يُقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية" (تيموثاوس (1) 6/ 15 - 16).
- ويقول: "لكن الله واحد" (غلاطية 3/ 20).
فهذه النصوص وكثير مثلها تتحدث عن الإله الواحد، وليس في واحد منها أو غيرها حديث عن الإله المتعدد الأقانيم المتوحد في الجوهر الذي يدعيه النصارى.
التثليث سر لا يطيقه العقل
وإزاء هذا التناقض بين قرارات المجامع المثلثة والنصوص الموحدة كان لابد أن يعمل النصارى عقولهم على جمع هذه المتناقضات التي يستحيل تصورها معاً، وعلى تفهيم البشر قضية الثلاثة الذين هم واحد، والواحد الذي هو ثلاثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
وأمام ضعف هذه العقيدة وعجز العقل البشري عن تصورها، بل رفضه لها لا يجد النصارى من سبيل إلا القول بأن تثليثهم سر من الأسرار التي لا يمكن للعقل أن يقف على كنهها، بل يعترف البعض منهم بتعارض المسيحية والعقل فيقول (القديس) سان أوغسطين: "أنا مؤمن، لأن ذلك لا يتفق والعقل".
ويقول كير كجارد: "إن كل محاولة يراد بها جعل المسيحية ديانة معقولة لابد أن تؤدي إلى القضاء عليها".
وقد جاء في "التعليم المسيحي": لا يجوز التدخل في أسرار الله، لأننا لا نستطيع إدراك أسرار الإيمان".
ويقول القس دي جروت في كتابه "التعاليم الكاثوليكية": "إن الثالوث الاقدس هو لغز بمعنى الكلمة، والعقل لا يستطيع أن يهضم وجود إله مثلث، ولكن هذا ما علمنا إياه الوحي".
ويقول زكي شنودة: "وهذا سر من أسرار اللاهوت الغامضة التي لا يمكن إدراك كنهها بالعقل البشري".
ويقول الأب جيمس تد: "العقيدة المسيحية تعلو على فهم العقل".
ويقول القس أنيس شروش: " واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، سر ليس عليكم أن تفهموه، بل عليكم أن تتقبلوه".
أما القس توفيق جيد في كتابه "سر الأزل" فإنه يجعل فهم سر التثليث من المستحيلات، التي لا طائل من محاولة فهمها، لأن "من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفة" (1).--------------------------------------------
(1) انظر: المسيح عليه السلام بين الحقائق والأوهام، محمد وصفي، ص (139)، مناظرة العصر، أحمد ديدات، ص (105)، العقائد المسيحية بين القرآن والعقل، هاشم جودة، ص (153)، دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (235)، مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (127).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
ووراء هذه الحجب تختفي الحقيقة، وهي أن التثليث عقيدة يستحيل على العقل البشري فهمها، لا لضعف العقل البشري، لا بل لتناقضها مع أبسط المسلَمات الفطرية والمعارف الإنسانية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
نشأة التثليث في النصرانية
تؤمن سائر الفرق المسيحية الكبرى بأن الله واحد من حيث جوهره، لكنه ثالوث من حيث أقانيمه، فلكل أقنوم وظيفته واختصاصه، فالآب خلق العالم، والابن يفدي البشر ويكفر الذنوب، وأما الروح القدس فيتولى تثبيت قلب الإنسان على الحق وتحقيق الولادة الروحية الجديدة.
والحق أن كل ما يقوله النصارى من أدلة على التثليث لا يسوغ الاستدلال بها، لأن من تنسب إليهم هذه الأسفار لم يعلموا عن التثليث شيئاً.
فأول من أدخل تعبير (الثالوث) إلى النصرانية ترتليان (225م) الذي ستعتبره الكنيسة فيما بعد هرطوقياً، كما ذكر ذلك عنه قاموس الكتاب المقدس، (1) وقد لقيت هذه العقيدة معارضة كبيرة من الذين تسميهم اليوم الكنيسة بالهراطقة، وكانت موضع سجال عنيف بينهم، انعقدت لأجله المجامع، وصدرت فيه الحرمانات الكنسية، وحكم بالهرطقة على كثيرين من آباء الكنيسة "وكان معظم الذين حُكِم عليهم بالهرطقة من أفاضل وأعظم المعلمين" (2)، هؤلاء الأفاضل الذين قد يعتبرهم البعض اليوم في عداد الهراطقة رفضوا بعض الأفكار والفلسفات التي بدأت تسري في الكنيسة، وهم بالطبع لم يخالفوا الكتب المقدسة، إذ تخلو هذه الكتب من تقرير هذه العقائد، بل قد تدل على ضدها، وهذا في الحقيقة ما دفع المسيحيين الأوائل إلى التنكر لأفكار مسيحية مهمة كالتجسد وأزلية الابن وتساوي الأقانيم.
لكن هذه المعارضت تلاشت وتهاوت تبين مطارق الحرمانات الكنسية وسندان وعصا الامبرطورية الرومانية؛ التي دعت أو سهلت انعقاد العديد من المجامع الكنسية التي قررت أهم المسائل العقدية كألوهية المسيح والتثليث، فقد أصبح التثليث عقيدة رسمية في أعقاب مجمعين مهمين؛ قرر في الأول منهما (مجمع نيقية) تأليه المسيح، وفي الثاني (مجمع القسطنطينية) تم تأليه روح القدس.
أولاً: مجمع نيقية:
انعقد مجمع نيقية عام 325م بأمر من الامبرطور الوثني قسطنطين الذي كان قد أعلن قبل بضع سنوات قانون التسامح الديني في الامبرطورية، ورأى قسطنطين النزاعات بين الكنائس النصرانية تفتت شعب الامبرطورية وترهق كيان الدولة، فقرر الدعوة إلى مجمع عام تحضره الطوائف النصرانية المختلفة، وقد عقد المجمع بإشرافه الشخصي، وقام بافتتاحه، وحضره 318 أسقفاً من مختلف الكنائس المسيحية الشرقية، ولم يحضره من الغربيين إلا ثمانية فقط، واستمرت المداولات ثلاثة أشهر من غير أن يصل المجتمعون إلى رأي موحد.--------------------------------------------
(1) وقد خالفه كثيرون من آباء الكنيسة حينذاك، منهم سبيليوس وغيره، وقد انتصر التثليث على التوحيد بعد تنصر قسطنطين في القرن الرابع. وأما ما قبل ترتليان فليس للتثليث أي ذكر. انظر: اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (411، 416)، طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (10).
(2) تاريخ الفكر المسيحي، القس الدكتور حنا جرجس الخضري (3/ 21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
وقد كان المجتمعون على ثلاثة محاور رئيسة:
أ- موحدون منكرون لألوهية المسيح يتزعمهم آريوس الاسكندراني ومعه زهاء ألف من الأساقفة.
ب- القائلون بأن للمسيح وجوداً أزلياً مع الأب وأنه من ذات جوهره وإن مثّل أقنوماً مستقلاً عنه، وذكر هؤلاء بأن المسيح لو لم يكن كذلك لما صح أن يكون مخلصاً، ومن القائلين بهذا الرأي بابا روما الاسكندروس، والشاب الوثني المتنصر أثناسيوس الذي يقول عنه كتاب التربية الدينية المسيحية: "كلنا يعلم ما للقديس أثناسيوس الرسول من مكانة ممتازة في الكنيسة المقدسة على مر العصور … لقد حضر هذا القديس مع البابا الاسكندروس مجمع نيقية … فكان القديس أثناسيوس هو الجندي الصالح ليسوع المسيح، وكان للقديس أثناسيوس أيضاً الفضل في صياغة قانون الإيمان … وفي أواخر سنة 329م بطريركاً خليفة للبابا الكسندروس".
ج- وأراد بعضهم التوفيق بين الرأيين ومنهم أوسايبوس أسقف قيسارية، حيث قال بأن المسيح لم يخلق من العدم، بل هو مولود من الآب منذ الأزل، وعليه ففيه عناصر مشابهة لطبيعة الآب.
ولا يخفى أن هذا الرأي - الذي زعم التوفيق - لا يكاد يختلف عن رأي أثناسيوس، وقد مال الملك إلى هذا الرأي الذي مثله ثلاثمائة وثمانية عشر قساً، وخالف بقية المجتمعين الذين كانوا يشايعون آريوس أو مجموعات تتبنى آراء أضعف في المجمع، كالقائلين بألوهية مريم أو أن الآلهة ثلاثة صالح وطالح وعدل أو غير ذلك.
وقد أصدر القسس الثلاثمائة والثمانية عشر قرارات مجمع نيقية والتي كان من أهمها إعلان الأمانة التي تقرر ألوهية المسيح، كما أمر المجمع بحرق وإتلاف كل الكتب والأناجيل التي تعارض قراره،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
وأصدر قراراً بحرمان آريوس والقائلون برأيه، وقراراً آخر بكسر الأصنام وقتل من يعبدها، وأن لا يثبت في الديوان إلا أبناء النصارى (1).
وحصل لآريوس وأتباعه ما كان المسيح قد تنبأ به: "سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله، وسيفعلون هذا لكم، لأنهم لم يعرفوا الآب ولم يعرفوني" (يوحنا 16/ 2 - 3)، فلو عرفوا الله حق معرفته وقدروه حق قدره لما جرؤوا على نسبة الولد إليه، ولما قالوا بألوهية المصفوع المولود من امرأة.
وقد أغفل مجمع نيقية الحديث عن الروح القدس ولم يبحث ألوهيته، فاستمر الجدل حوله بين منكر ومثبت حتى حسم أمره في مجمع القسطنطينية، فأضحى ثالث أقانيم اللاهوت الأقدس.
ثانياً: مجمع القسطنطينية:
انعقد المجمع عام 381م للنظر في قول مكدونيوس أسقف القسطنطينية الأريوسي والذي كان ينكر ألوهية الروح القدس ويقول: "إن الروح القدس عمل إلهي منتشر في الكون، وليس أُقنوماً متميزاً عن الأب والابن".
وقد أمر بعقد المجمع الامبرطور تاؤديوس (ت 395م)، وحضره مائة وخمسون أسقفاً قرروا فيه:
1 - عدم شرعية المذهب الأريوسي، وفرضوا عقوبات مشددة على أتباعه.
2 - أن روح القدس هو روح الله وحياته، وزادوا في قانون الإيمان فقرة تؤكد ذلك، وبذلك أصبح التثليث ديناً رسمياً في النصرانية، وقد ذكر القائلون بألوهية روح--------------------------------------------
(1) انظر:، اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (302 - 306)، مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (106)، عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (79 - 82)، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (212 - 216).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
القدس في المجمع بأنه "ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، وليس الله شيئاً غير حياته، فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق، فقد قلنا أن الله مخلوق".
3 - لعن مكدونيوس وأشياعه.
4 - وضعت بعض القوانين المتعلقة بنظام الكنيسة وسياساتها (1).--------------------------------------------
(1) انظر: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (218 - 221)، اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (307)، المسيحية، أحمد شلبي، ص (134 - 135).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
التوحيد في التاريخ النصراني
رأينا فيما سبق شهادة أسفار العهد القديم والجديد على أن التوحيد هو دين الله الذي نادت به الرسل، وأن عيسى هو عبد الله ورسوله.
وإذا كان الأصل في ديانة عيسى كذلك، فأين أتباع المسيح؟ ومتى انضوى التوحيد عن الوجود في حياة الملة المسيحية؟ وهل من الممكن أن لا يكون لكل تلك الدلائل الموحدة أثر في النصرانية على مر العصور؟
للإجابة عن هذه الأسئلة قلَّب المحققون صفحات التاريخ القديم والجديد وهم يبحثون عن عقيدة التوحيد وتاريخها خلال عشرين قرناً من الصراع مع وثنية بولس، فماذا هم واجدون؟.
أولاً: التوحيد فيما قبل مجمع نيقية
نشأ الجيل الأول بعد المسيح مؤمناً بتوحيد الله وعبودية المسيح، وأنه كان نبياً رسولاً، ورأينا ذلك في ما سطره الإنجيليون والقديسون بما فيهم بولس من نصوص موحدة.
كما نستطيع القول بأن الجيل الأول من تاريخ النصرانية كان موحداً بشهادة التاريخ حيث يقول بطرس قرماج في كتابه " مروج الأخبار في تراجم الأبرار " عن بطرس ومرقس: "كانا ينكران ألوهية المسيح"، فهذا معتقد تلاميذ المسيح المقربين.
وتقول دائرة المعارف الأمريكية: "لقد بدأت عقيدة التوحيد كحركة لاهوتية بداية مبكرة جداً في التاريخ أو في حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين"، وذلك لأنها بدأت مع بدء النبوات، واستنارت وتلألأت ببعثة عيسى عليه السلام وتعاليمه الموحدة لله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
وتقول دائرة معارف لاروس الفرنسية: "عقيدة التثليث وإن لم تكن موجودة في كتب العهد الجديد ولا في عمل الآباء الرسوليين ولا عند تلاميذهم المقربين إلا أن الكنيسة الكاثوليكية والمذهب البروتستنتي يدعيان أن عقيدة التثليث كانت مقبولة عند المسيحيين في كل زمان …
إن عقيدة إنسانية عيسى كانت غالبة طيلة مدة تكون الكنيسة الأولى من اليهود المتنصرين، فإن الناصريين سكان مدينة الناصرة وجميع الفرق النصرانية التي تكونت عن اليهودية اعتقدت بأن عيسى إنسان بحت مؤيد بالروح القدس، وما كان أحد يتهمهم إذ ذاك بأنهم مبتدعون وملحدون، فكان في القرن الثاني مبتدعون وملحدون، فكان في القرن الثاني مؤمنون يعتقدون أن عيسى هو المسيح، ويعتبرونه إنساناً بحتاً ..
وحدث بعد ذلك أنه كلما نما عدد من تنصر من الوثنيين ظهرت عقائد لم تكن موجودة من قبل".
ويقول عوض سمعان مؤكداً براءة أصحاب المسيح من الشرك والوثنية زمن المسيح: " إذا رجعنا إلى تاريخ علاقة الرسل بالمسيح، وجدنا أنهم لم يجرؤوا في أول الأمر على الاعتراف بأنه هو الله … لأنهم كيهود كانوا يستبعدون أن يظهر الله في هيئة إنسان. نعم كانوا ينتظرون المسيّا، لكن المسيا بالنسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله، وليس هو بذات الله" (1).
وتؤكد دائرة المعارف الأمريكية بأن الطريق بين مجمع أروشليم الأول الذي عقده تلاميذ المسيح ومجمع نيقية لم يكن مستقيماً، ويتحدث الكاردينال دانيلو عن انتشار التوحيد حتى في المواطن التي بشر بولس بها كأنطاكية وغلاطية حيث واجهته مقاومة عاتية.
وكشف مؤخراً عن وثيقة مسيحية قديمة نشرت في جريدة "التايمز" في 15--------------------------------------------
(1) الله في المسيحية، عوض سمعان، ص (317).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
يوليو 1966م وتقول: إن مؤرخي الكنيسة يسلمون أن أكثر أتباع المسيح في السنوات التالية لوفاته اعتبروه مجرد نبي آخر لبني إسرائيل.
ويقول برتراند رسل الفيلسوف الإنجليزي: "تسألني لماذا برتراند رسل لست مسيحياً؟ وأقول رداً على سؤالك: لأنني أعتقد أن أول وآخر مسيحي قد مات منذ تسعة عشر قرناً، وقد ماتت بموته المسيحية الحقة التي بشر بها هذا النبي العظيم" (1).
لكن أصالة التوحيد في الجيل الأول وقوته لم تمنع من انتشار دعوة بولس الوثنية في أوساط المتنصرين من الوثنين الذين وجدوا في دعوته مبادئ الوثنية التي اعتادوها، إضافة إلى بعض المُثل والآداب التي تفتقرها الوثنيات الرومانية واليونانية.
وقد عورضت دعوة بولس من لدن أتباع المسيح، واستمر الموحدون يواجهون أتباع بولس، وظهر ما تسميه الكنسية في تاريخها بفرق الهراقطة، وهم الخارجون عن أراء الكنيسة الدينية، ومنهم الفرق التي كانت تنكر ألوهية المسيح.
ومن أهم هذه الفرق: الأبيونية وتنسب إلى قس اسمه أبيون، وقيل: الأبيونية هم: الفقراء إلى الله، فسموا بذلك لفقرهم وزهدهم.
وقد ظهرت هذه الفرقة في القرن الأول الميلادي من أصل يهودي، وقد نشطت هذه الفرقة بعد عام 70م.
وقد ذكر معتقدات هذه الفرقة المؤرخون الأوائل خلال نقدهم لعقائد فرقة الأريوسية المتأخرة، فيقول بطريرك الإسكندرية (عام 326م) عن عقيدة آريوس:--------------------------------------------
(1) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (22)، المسيحية، أحمد شلبي، ص (132 - 133)، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (194 - 199)، اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (104)، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح، علاء أبو بكر، ص (136).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
"فهذا التعليم الثائر على تقوى الكنيسة هو تعليم أبيون وأرطيماس، وهو نظير تعليم بولس السمياطي".
ويقول كيرلس الأورشليمي (388م) عن الهراقطة: "فكرنثوس صنع خراباً في الكنسية، وأيضاً ميناندر وكربو قراط وأبيون".
ويقول ايريناوس في كتابه "ضد الهرطقات" (188م): "والذين يدعون باسم الأبيونية يوافقون على أن الله هو الذي خلق العالم، ولكن مبادئهم عن الرب مثل كرنثوس ومثل كربو قراط .. وهم يستخدمون إنجيل متى فقط، ويرفضون بولس الرسول، ويقولون عنه: إنه مرتد عن الناموس، يحفظون الختان، وكل العوائد المذكورة في الشريعة".
ويقول أوسابيوس القيصري (ت240م) في تاريخه: "قد كان الأقدمون محقين إذ دعوا هؤلاء القوم (أبيونيين)، لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة، فهم اعتبروه إنساناً بسيطاً عادياً قد تبرر فقط بسبب فضيلته السامية" (1) كما كان الأبيونيون يقولون بردة بولس وكانوا يتهمونه بالتحريف.
وتذكر المصادر أن هؤلاء استخدموا إنجيل متى أو إنجيل العبرانيين - ولعل الاسمين لمسمى واحد، فلعلهم استخدموا الأصل العبراني لمتى - ولم يبالوا بغيره، ويرى بعض المؤرخين أنه بسبب هذه الفرقة دعي يوحنا لكتابة إنجيله الذي يقرر فيه لاهوتية المسيح.
وقد كان لهذه الفرقة شأن، إذ كثروا حتى شمل نفوذها- باعتراف أعدائهم - فلسطين وسوريا وآسيا الصغرى ووصل إلى روما، واستمر وجودهم إلى القرن الرابع--------------------------------------------
(1) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
الميلادي حيث يفهم من كلام (القديس) جيروم في القرن الرابع أنهم كانوا في حالة من الضعف والاضطهاد، وذلك بعد مخالفتهم لأوامر قسطنطين ومجمع نيقية (1).
ويرى بعض المحققين المسلمين أن هذه الفرقة هي التي عناها الله بقوله {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} (الصف: 14)، ويرون أنهم من عناهم المسيح بقوله: "طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض، طوبى للحزانى فإنهم يتعزون، طوبى للجياع والعطاش فإنهم يشبعون … " (متى 5/ 3 - 9).
وفي فترة نشأة هذه الفرقة (73م) ظهر الداعية - الذي سبق ذكره - كرنثوس، ويسميه المؤرخ أوسابيوس: زعيم الهراقطة، وقد كان يعتقد أن المسيح كان مجرد إنسان بارز، كما رفض الأناجيل عدا متى (أي النص العبراني المفقود).
وفي أواخر القرن الثاني ظهر أمونيوس، فادعى بأن المسيح إنسان خارق للعادة حبيب لله، عارف بعمل الله بنوع مدهش، وأن تلاميذه أفسدوا دعوته، وبمثل هذا نادى كربو قراط، ويعرف أتباعه بالمعلمين أو المستنيرين، لكنهم بالغوا في إثبات بشرية المسيح حتى قالوا كان كسائر الحكماء، ويقدر جميع الناس أن يفعلوا مثله، ويسلكوا سلوكه، فكانت ردة فعلهم على قول القائلين بألوهيته غير صحيحة، ففي زحمة إنكارهم لألوهيته هضموه وأنقصوه عن حقه عليه الصلاة والسلام (2).
وفي أواسط القرن الميلادي الثالث ظهرت فرقة البولينية وهم أتباع بولس--------------------------------------------
(1) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (30، 41 - 53)، موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن)، ص (40). اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (397)، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح، علاء أبو بكر، ص (131).
(2) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (28 - 32).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
الشنشاطي، والذي تولى أسقفية إنطاكية عام 260م كما كان يشغل منصباً كبيراً في مملكة تدمر.
ويلخص القس كيرد (ت 1324م) عقيدة الشنشاطي، فيقول في كتابه "مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة": "ملة تدعى البولية أو البوليانيون، وهي ملة بولس السميساطي بطريك إنطاكية، وهم الذين يؤمنون بأن الله إله واحد، جوهر واحد، أقنوم واحد، ولا يسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمون بالكلمة أنها مخلصة، ولا أنها من جوهر الأب، ولا يؤمنون بروح القدس المحيي، ويقولون: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت مثل خلق آدم، وكمثل واحد منا في جوهره، وأن الابن ابتداؤه من مريم … ونظروا إلى كل موضع من الكتب فيه ذكر أزلية الابن ولاهوته وأقانيم ثالوثه، فغيروا وكتبوا مكانه غيره كما يحبون، وعلى ما يوافق ديانتهم، ولم يغيروا أسماء الكتب ولا أسماء الرسل ولا حديثهم".
وقد عقدت الكنسية ثلاث مجامع خلال خمس سنوات لإقناعه بالعدول عن مذهبه، آخرها مجمع في إنطاكية عام 268م، وحضره بولس، ودافع فيه عن مذهبه، فطرد وعزل من جميع مناصبه، لكن أتباعه استمر وجودهم إلى القرن الميلادي السابع (1).
كما ظهر في بداية القرن الميلادي الرابع عالم مترهب يدعى لوسيان، وكان يرى أن المسيح كائن سماوي أخرجه الله من العدم إلى الوجود، وتجلى فيه العقل الإلهي في كيفيته الشخصية، فكانت روحه غير بشرية، لكنه لم يكن الإله على الإطلاق (2).--------------------------------------------
(1) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (55 - 64)، اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (398)، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح، علاء أبو بكر، ص (131).
(2) انظر: ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (63 - 64).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)