"وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" 1.
وقوله: "وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوابه" 2.
وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى" 3.
ثانيا ـ الصفات الفعلية المتعدية
1- المحبة:
يثبت أهل السنة والجماعة صفة المحبة لله حيث أثبتها الله لذاته المقدسة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} "سورة الصف: الآية4".
وأثبتها أعلم الناس بربه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلانا فأحبه؛ فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" 4.--------------------------------------------
1 الفقه الأكبر ص302.
2 الفقه الأبسط ص56.
3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص57.
4 أخرجه مالك في الموطأ كتاب الشعر باب ما جاء في المتحابين في الله 2/953 ح15، والبخاري في كتاب التوحيد باب كلام الرب مع جبريل 13/461 ح7485، ومسلم كتاب البر والصلة باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده 4/2030 ح157. جميعهم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به، دل على ذلك قوله: "والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله وبمحبته وبرضاه" 1.
وقال عن المعاصي: "كلها بعلمه وقضائه وتقديره، لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره" 2.
ووصف نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه حبيب رب العالمين حيث قال: "ومحمد عليه الصلاة والسلام حبيبه وعبده ورسوله ونبيه" 3.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "وإنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين" 4.
وقال: "نقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا 5 وكلم الله موسى تكليما إيمانا وتصديقا وتسليما" 6.--------------------------------------------
1 الفقه الأكبر ص303.
2 الفقه الأكبر ص303.
3 الفقه الأكبر ص303.
4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص22، 23.
5 وكذا ثبتت الخلة للنبي صلى الله عليه وسلم دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا".
أخرجه مسلم: كتاب المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور 1/377 ح532.
6 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
2- الرزق:
من صفات 1 الأفعال المتعلقة بالخلق الرزق، فالرازق والرزّاق اسمان من أسماء الله تعالى، دالان على أنه تعالى خلق الأرزاق للخلق وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع 2 بها. قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} "سورة العنكبوت: الآية60".
فالله هو المتكفل بالرزق والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها 3 قال تعالى: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} "سورة ق: الآيتان 10".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا 4 وتروح بطانا 5" 6.
ورزق الله لعباده نوعان:
رزق عام: شمل جميع الخلق أولهم وآخرهم، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم.--------------------------------------------
1 فتح الباري 13/360.
2 المقصد الأسنى ص84، 85.
3 انظر الأسماء والصفات ص87، ط دار الكتب العلمية.
4 خماصا: الخماص الجياع البطون من الغذاء، قاله ابن الأثير في جامع الأصول 10/140.
5 بطانا: البطان الشِّباع الممتلئات البطون، قاله ابن الأثير في جامع الأصول 10/140.
6 أخرجه الترمذي: كتاب الزهد باب في التوكل على الله 4/573 ح2344 والحاكم في المستدرك 4/328 كلاهما من طريق أبي تميم الجيشاني عن عمر بن الخطاب قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وأقره الذهبي في التلخيص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم" 1.
وهذا هو رزق الأبدان.
ورزق خاص: هو رزق القلوب وتغذيتها بالإيمان والعلم والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم معه بحسب حكمته ورحمته 2.
وأثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الرازق وما يدل عليه، دل على ذلك قوله: "كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق" 3.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "رازق بلا مؤنة" 4.
3- الخلق:
من صفات الله الفعلية الخلق، والخلق له معنيان:
المعنى الأول: التقدير.--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} 13/360 ح7378 من طرق أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري.
2 تفسير كلام المنان لابن سعدي 5/626، 627 بتصرف، والحق الواضح المبين ص45.
3 الفقه الأكبر ص304.
4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
المعنى الثاني: الإيجاد والإنشاء على غير سبق 1.
فالخالق والخلاق من أسماء الله تعالى.
قال الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} "سورة الحشر: الآية24".
وقال تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} "سورة المؤمنون: الآية14".
وقوله تعالى: {بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} "سورة يس: الآية81".
وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} "سورة القمر: الآية49".
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب هو عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي" 2.
وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به. دل على ذلك قوله: "وأما الفعلية فالتخليق والإنشاء والإبداع والصنع" 3.
وقال: "كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق" 4.
وقال: "وكان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق" 5.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "خالق بلا حاجة" 6.--------------------------------------------
1 انظر كتاب شأن الدعاء ص49، واشتقاق أسماء الله للزجاجي ص166-168.
2 تقدم تخريجه ص339.
3 الفقه الأكبر ص301.
4 الفقه الأكبر ص304.
5 الفقه الأكبر ص302.
6 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
وقال: "كما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم" 1.
4- الإحياء والإماتة:
من صفات الله الفعلية الإحياء والإماتة، ومن أسماء الله تعالى المحيي والمميت، فالمحيي يدل على أن الله هو الذي يحيي النطفة الميتة فيخرج منها نسمة الحياة ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث وإنبات الرزق 2.
والمميت يدل على أن الله يميت الأحياء ويوهن بالموت قوة الأصحاء الأقوياء.
قال تعالى: {وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} "سورة الشورى: الآية9".
فتمدّح ذاته سبحانه وتعالى بالإماتة كما تمدّح بالإحياء ليعلم أن مصدر الخير والشر والنفع والضر من قِبَله وأنه لا شريك له في الملك، استأثر بالبقاء وكتب على خلقه الفناء 3.
قال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا--------------------------------------------
1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20.
2 كتاب شأن الدعاء ص79، والأسماء والصفات ص95 بتصرف.
3 انظر كتاب شأن الدعاء ص80، وكتاب الأسماء ص96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
الاسم قبل إحيائهم" 1.
وقال: "مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة" 2.
فالله هو الذي يحيي الخلق يوم النشور، ويبعث من في القبور، ويحصل ما في الصدور 3.
هذا وبعد ذكر هذه الجملة من صفات الله الثبوتية الفعلية منها والذاتية؛ يجد القارئ الكريم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد سار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح، وذلك بإثبات جميع ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.--------------------------------------------
1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 20.
2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20.
3 المقصد الأسنى ص123.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
الباب الثالث: اعتقاده في الإيمان
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: مسمى الإيمان عند أبي حنيفة وهل يدخل فيه العمل؟.
الفصل الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.
الفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان.
الفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان.
الفصل الخامس: حكم مرتكب الكبير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
الفصل الأول: مسمى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة وهل يدخل فيه العمل؟
الإيمان في اللغة:
مادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق 1.
قال أبو زيد: "ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت" 2.
أما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول يقال: آمن به قوم3 وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} "سورة البقرة: الآية3".
أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار 4.
ومن الثاني قوله تعالى حكاية عن اليهود: {وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} "سورة آل عمران: الآية73".--------------------------------------------
1 انظر القاموس المحيط 1/182؛ والمعجم الوسيط 1/28.
2 كتاب الأفعال للمعافر ي 1/76؛ واللسان 13/21.
3 مفردات القرآن ص25.
4 انظر مادة أمن في الصحاح 5/2071؛ ومجمل اللغة 1/102؛ والقاموس المحيط 4/197؛ ولسان العرب 13/21؛ وكتاب الأفعال للمعافري 1/75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
أي لا تقروا ولا تصدقوا 1.
ومن قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} "سورة يوسف: الآية17".
أي بمصدق لنا 2.
والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبر به والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر 3.
قال الحليمي: "فمن الناس من قال: آمنت به وآمنت له لغتان يعبَّر بهما عن معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا وهو قولهم آمنت به: يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده، وقوله آمنت له: إنما يراد اتباعه وموافقته … والإيمان له القبول عنه والطاعة له" 4.
الإيمان عند أبي حنيفة:
أما معنى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة فهو إقرار باللسان وتصديق بالجَنان 5، والأعمال ليست داخلة فيه. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "والإيمان هو الإقرار والتصديق" 6.
وقال في كتابه الوصية: "الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا" 7.--------------------------------------------
1 انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/97؛ ومعاني القرآن للفراء 1/222.
2 تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص213؛ ومعجم مقاييس اللغة 1/125.
3 مجموع الفتاوى 7/298-292.
4 المنهاج في شعب الإيمان 1/21.
5 الفصل 2/111؛ التمهيد 9/238.
6 الفقه الأكبر ص304.
7 كتاب الوصية مع شرحها ص2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
وقرَّر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجَنان" 1.
أدلة الإمام أبي حنيفة:
استدل الإمام أبي حنيفة على مذهبه بما يلي:
أولا: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان 2.
ثانيا: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإسلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق3.
ثالثا: أن المضيِّع للعمل ليس مضيِّعا للتصديق؛ فلو كان المضيِّع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان بتضييعه للعمل 4.
رابعا: أن الهدى في التصديق ليس كالهدى في الأعمال، قال الإمام أبو حنيفة: "إن الهدى في التصديق بالله ورسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال" 5.
هذا ما استدل به الإمام أبو حنيفة. أما أصحابه فاستدلوا بما هو آت:--------------------------------------------
1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 42.
2 كتاب الوصية مع شرحها ص6.
3 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35.
4 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35.
5 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
أولا: أن الإيمان في اللغة التصديق؛ وعمدتهم في ذلك قول الله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} "سورة يوسف: الآية17".
قال النسفي: "الإيمان معروف أنه عند أهل اللسان التصديق لا غير" 1.
وحكى الباقلاني الإجماع عليه فقال: "فإن قال وما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق" 2.
ثانيا: أن الله فرق بين الإيمان والعمل في غير موضع من كتابه قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} "سورة العصر: الآية3".
والعطف يقتضي المغايرة.
قال النسفي: "يدل عليه أن الله تعالى فرَّق بين الإيمان وبين كل عبادة بالاسم المعطوف عليه ما فرَّق بين العبادات بالأسماء المعطوفة المفعولة لها، على ما قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} "سورة التوبة: الآية18".
فقد عطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإيمان، ولا شك في ثبوت المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه"3.--------------------------------------------
1 تبصرة الأدلة "ق-346/أ"، وانظر التمهيد ص99، 100، وانظر كتاب التوحيد للماتريدي ص373-377؛ والعمدة لحافظ الدين النسفي 17/أ؛ والبداية للصابوني ص152؛ وشرح العقائد النسفية ص119-123؛ وشرح المقاصد 5/2176 كلاهما للتفتازاني، وانظر الطوائع ص373، 374.
2 التمهيد للباقلاني ص346، 347..
3 التمهيد للنسفي ص99-100؛ وتبصرة الأدلة "ص336/أ-ب"؛ وشرح العقائد النسفية ص123-124.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
ثالثا: قول النسفي: "ويدل عليه لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل الزوال يكون من أهل الجنة، ولو كان العمل من الإيمان لا يكون من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه ذلك" 1.
رابعا: أن الله تعالى خاطب المؤمنين باسم الإيمان، ثم أوجب الأعمال على ما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} "سورة البقرة: الآية183"2.
خامسا: أن الله تعالى قال في الكفرة: {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} "سورة الأنفال: الآية38".
والانتهاء عن الكفر يكون بالإيمان، ولو كانت الأعمال كلها إيمانا، لم يكن المنتهي عن الكفر منتهيا عنه ما لم يأت بجميع الطاعات، وإذا ثبت الانتهاء بالتصديق وحصلت له المغفرة عما سلف دل أنه هو الإيمان" 3.
سادسا: أن الله تعالى قال: {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} "سورة آل عمران: الآية100".
"ثبت أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر، والكفر هو الذي به ترك الإيمان" 4.
سابعا: لو قلنا: إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان؛ لزم أن يزول الإيمان بزوال بعض الأعمال ولزم تكفير مرتكب الكبيرة 5.--------------------------------------------
1 بحر الكلام ص39.
2 تبصرة الأدلة "ق-375/أ".
3 تبصرة الأدلة "ق-375/أ".
4 تبصرة الأدلة "ق-375/أ".
5 تبصرة الأدلة "ق-375/أ" بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
ثامنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل صلوات الله عليه عن الإيمان، ما أجاب عنه إلا بالتصديق حيث قال: " أن تؤمن بالله وملائكته … ولم يذكر فيه إلا … التصديق ثم قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " 1.
ولو كان الإيمان اسما لما وراء التصديق، لكان أتى ليلبس عليهم أمر دينهم، لا ليعلِّمهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قصَّر في الجواب 2.
تاسعا: إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود يصدِّقه أن الله تعالى قابل الكفر بالإيمان فقال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} "سورة البقرة: الآية256".
ثم المراد منها التكذيب والتصديق فدلّ أن الإيمان ذلك 3 يعني: أن الإيمان هو التصديق.
الجواب عن أدلة أبي حنيفة وأصحابه
"أ" الجواب عن أدلة أبي حنيفة:
أولا: قول أبي حنيفة: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان.
هذا القول فيه نظر، إذ العمل لا يرتفع عن المؤمن كليّةً، بل قد يرتفع--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان 1/114 ح50 من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة.
2 تبصرة الأدلة ق: 336، 337.
3 تبصرة الأدلة ق-366/أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
عمل دون عمل، وكون الحائض يرتفع عنها عمل الصلاة والصوم، ليس معناه أن جميع الأعمال التي قد كلفت بها قد ارتفعت، ثم يقول القائل: إن إيمانها قد ارتفع. كلا فإن الحائض لم تترك الصلاة ولم تترك العمل إلا استجابة لأمر الله، وهذا في حد ذاته عمل منها؛ لأن الأعمال تنقسم إلى قسمين: عملٌ تركي، وعمل مأتيٌّ. فكون الحائض قد تركت الصلاة استجابة لأمر الله فالعمل ما زال قائما في حقها، ثم إن المرأة إذا حاضت لا يرتفع عنها جميع الأعمال التي كلفت بها، بل جميع الأعمال التكليفية تؤديها كما كانت تؤديها إبَّان طهرها، إذاً العمل في حقها ما فتِئ مستمرّا لم يرتفع بحيضها ولا بطهرها.
وأيضا يقال: إن الصلاة سماها الله إيمانا في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} "سورة البقرة: الآية143".
وهي من أعظم شعب الإيمان، والإيمان شعب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" 1.
إذاً فقد رُفع عن الحائض بعض شعب الإيمان بحكم الشرع، ومع ذلك فهو نقص في دينها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكن" قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" 2.--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أمور الإيمان 1/51 ح9 من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
2 أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات 1/86-810 ج132 من طريق عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
ثانيا: قول أبي حنيفة: "إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإسلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق" 1.
جوابه من ثلاثة أوجهٍ:
1- أنه فرضت قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم أعمال شرعية غير الشهادتين؛ كالصدق وإيفاء الوعد وتجنُّب الحرام كارتكاب الزنى وأكل مال اليتيم وغير ذلك.
2- إن الشهادتين مقتضاهما العمل، والعمل هو ترك عبادة ما سوى الله وإفراده وحده بالعبادة لأنه الإله الحق المحبوب المطاع الذي يستحق أن يعبد وحده فلا يعصى، ويخصّ بنهاية الحب والخضوع والذل، وأما ما عداه مما عبده الناس فآلهة زائفة باطلة صنعتها الجهالة والأوهام فيجب البراءة منها، وممن عبدها من دون الله تعالى.
قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} "سورة الممتحنة: الآية4".
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} "سورة الزخرف: الآيتان 26-27".
فإخلاص العبادة لله تعالى والكفر بالطواغيت والبراءة منها وممن عبدها من أعظم الأعمال، بل هذا أعظم من الفرائض العملية الظاهرة، بل التصديق بدون هذا غير معتدٍّ به.--------------------------------------------
1 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
3- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دعا إلى الإقرار به وبما جاء به، دعا إلى اتباعه، والتزام طاعته؛ لأن الإقرار وحده بدون التزام متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته لا يحصل به الدخول في الإسلام ولا ينجو به من العذاب، فصحّ أن العمل من مقوِّمات الإيمان وأنه لا إيمان بدون جنس العمل.
ثالثا ـ قول الإمام أبي حنيفة: "فلم يكن المضيع للعمل مضيعا للتصديق، وقد أصاب التصديق بغير عمل، ولو كان المضيِّع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان وحرمته لتضييعه العمل"1.
جوابه من وجهين:
1- أن يقال: إن أراد تضييع العمل مطلقا فقد تقدّم أن التصديق المجرَّد لا يحصل به الإيمان فلا ينفع التصديق إذاً مع تضييع العمل مطلقا، فإن من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله مثل محبة الله ورسوله وبغض الشرك وأهله والبراءة منه وكذلك الصلاة يزول الإيمان بتركها عند كثير من المحققين من أهل العلم" 2.
وإن أراد عملا دون عمل؛ فمعلوم أنه لا يرتفع عنه أصل الإيمان بتضييع أي عمل وليس من شرط وجود الإيمان ألا يرتكب معصية.
2- أن المسلم لا يتصوّر منه أن يترك العمل مطلقا بل لا بد أن يعمل شيئا من الأعمال الظاهرة كالإحسان والصدق والبر وصلة الأرحام، فإذا فُرض أن شخصا لا يعمل مطلقا أي عمل كان فهذا ليس بمصدِّقٍ--------------------------------------------
1 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35.
2 كأحمد بن حنبل والأوزاعي وسفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، انظر اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص76؛ وكتاب الصلاة لابن القيم ص16-20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
تصديقا يدخله في عداد المؤمنين، بل يكون في الحقيقة من المكذبين كما قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} "سورة آل عمران: الآية33".
رابعا: قول أبي حنيفة: قال الإمام أبو حنيفة: "إن الهدى في التصديق بالله وبرسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال" 1.
جوابه: أن التصديق له أثر والأعمال لها أثر؛ فالتصديق والأعمال جزءان من الإيمان المركب منهما والإقرار والهدى الناتج من التصديق المجرّد ليس كالهدى الناتج من التصديق والإقرار والأعمال، فإن الهدى الأول ضعيف والثاني أقوى منه.
ويقال أيضا: إن التصديق المجرد عن عمل القلب ليس فيه هدى بدليل أنه حاصل من بعض الكفار، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} "سورة آل عمران: الآية33".
وإنما الهدى في التصديق المقرون بعمل القلب، من حب الله ورسوله وحب ما جاء به من الدين والانقياد لذلك وبُغْض الدين الذي يخالفه. ولا ريب أن الهدى في اعتقاد القلب وعمله أعظم من الهدى في عمل الجوارح بل هو أصله إذ لا يلزم من الاشتراك في التسمية في الاسم اتِّحاد المرتبة، وهذا لا ينفي أن يكون كلٌّ منهما عن اعتقاد القلب وعمله مع عمل الجوارح من الإيمان.--------------------------------------------
1 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
"ب " الجواب عن أدلة أصحاب الإمام أبي حنيفة:
الدليل الأول:
قولهم: إن الإيمان في اللغة التصديق، ثم حكوا الإجماع عليه فالجواب عليه من وجوه:
1- دعوى أن الإيمان مرادف للتصديق ممنوع لما يأتي:
"أ" أنه يقال للمخبر إذا صدق: صدقت ولا يقال آمنت 1.
"ب" أن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا قيل له: صدق كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر الغائب2.
"ج" أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه 3.
"د" وأما استدلالهم بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} "سورة يوسف: الآية17".
فليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر 4.
2- لو سلمنا جدلا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فالألفاظ--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 7/290 بتصرف.
2 مجموع الفتاوى 7/291.
3 مجموع الفتاوى 7/292 بتصرف.
4 مجموع الفتاوى 7/126 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
الشرعية الواردة في الكتاب والسنة كالإيمان والإسلام والصلاة والزكاة والحج وغيرها ليست على معانيها اللغوية المطلقة، بل زاد فيها الشرع قيودا لا تخرج بها هذه الأسماء عن معناها في اللغة، فمثلا الصلاة في اللغة الدعاء لكن في الشرع عبارة عن الأفعال والأقوال المخصوصة في أوقات مخصوصة بشروط مخصوصة؛ وإن كانت مشتملة على الدعاء. فهكذا الإيمان الشرعي مشتمل على التصديق بالجنان والعمل بالأركان والإقرار باللسان. ولا شك أن بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي مناسبة بالعموم والخصوص، لأن المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي، ومعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة 1.
3- أن دعوى الإجماع على كون الإيمان في اللغة التصديق ممنوعة وذلك لما يأتي:
"أ" نعم نقل الإجماع الباقلاني في كتابه التمهيد ص100، لكن من سلفه في هذا؟ وكيف يعلم هذا الإجماع2؟.
"ب" إن كان يعني بالإجماع إجماع أهل اللغة فهل مراده نقلتها كأبي عمرو والأصمعي والخليل ونحوهم أو مراده المتكلمون بهذا اللفظ؟.
فإن عنى الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 7/127 بتصرف.
2 مجموع الفتاوى 7/123 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)