فيها معالم للهدى ومصابح تجلوا الدجى والأخريات رجوم (1)
فإذا ما تقرر هذا – وهو متقرر بمشيئة الله تعالى – فإن الأليق لمعنى التسبيح في الآية الكريمة من سورة الفتح، أن يجعل المعنى فيه على ظاهره، وقد تنبه لهذا ونوه إليه الدامغاني (2) وله في ذلك حق فالمقام مقام تعجب والآية مدنية وليس فيها ما يدعو إلى القول بحثّ المؤمنين على صلاة بغداة أو عشيّ، وليس فيها كذلك ما يشير من قريب أو بعيد إلى تواقيت للصلاة على نحو ما سبق في آيات هود وطه والروم، وتأتي التسبيح فيها من المؤمنين للرسول صلى الله عليه وسلم في البكرة والأصيل أعني في الوقتين المخصصين لذلك فيما يجئ عادة لإفراد الله سبحانه بالتقديس إجلالاً وتعظيماً وتنزيهاً، أمر لا يقبله من له مسكة من عقل.
فلا جرم إذن والحال هكذا من جعل الأمر بالتسبيح بحمد الله مسوقاً لحث المؤمنين، والصحابة منهم على جهة الخصوص، على تنزيهه سبحانه والثناء عليه بماهو أهل، أنْ أرسل فيهم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم شاهداً ومبشراً ونذيراً، و (إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.. آل عمران/164) ، وذلك يستلزم أن يكون التقدير في الآية والمعنى: أرسلناه إليكم لتؤمنوا به وتقوّوا من أزره وتعينوه على إظهار دينه على كل دين، وعلى مناصرة دعوته، وتمنعوا عنه كل ما يكيده - مبالغين في ذلك - باليد واللسان والسيف والجنان، وأن تؤثروه على أنفسكم ولا تجهروا له بالقول تعظيماً له وتفخيماً ولا تقدموا بين يديه، وأن تسبحوا من منّ به عليكم كل بكرة وكل عشية حمداً له وشكراً.--------------------------------------------
(1) دجَوْن: أظلمن، والمعالم: جمع معلم وهو مايستدل به على الطريق، والدجى: جمع دُجية وهي الظلمة، والرجوم: الشهب.
(2) ينظر الوجوه والنظائر للدامغاني 1/ 447.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
ولا حجة فيما ذكره الطاهر وهو من مؤيدي عود الضمائر الثلاثة على الله، من أن "إفراد الضمائر مع كون المذكور قبلها اسمين، دليل على أن المراد أحدهما وأن القرينة على تعيين المراد، ذكر (وتسبحوه) " (1) .. لأنا نقول إن إفراد الضمائر مع كون المذكور قبلهما اسمين، لا يمنع من أن يكون الأولان منها راجعين إلى الاسم الأخير، بل هذا هو الأوقع لكونه الأقرب ذكراً والأوفق في عود الضمير، والأدخل في تصحيح المعنى.
وغني عن البيان أن نشير إلى أن لفظ (التسبيح) ، ما جاء في القرآن – على كثرته – إلا وهو مصروف إلى الله، وشذوذ هذا الموضع عن القاعدة بلا سبب بل ومع وجود ما يفيد عكسه هو شذوذ في الفهم.
2) السياق والمقام في آية الأحزاب:
والغريب في أمر ابن عاشور أن يسوق ما جاء في نظير ذلك من آية الأحزاب (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً.. الأحزاب/41، 42) ، ويذهب به إلى العكس مما ذكره في آية الفتح، وحجته الواهية في ذلك اختلاف السياق، على الرغم من أن كلامه في اختلاف السياق هذا، هو غاية في التناقض.--------------------------------------------
(1) التحرير22/48مجلد11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
ففي التماسه الوجه في زيادة قوله سبحانه في آية الأحزاب (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً..الأحزاب/46) عقب قوله: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً.. الأحزاب/45) ، وعقب قوله قبل: (يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً. وسبحوه بكرة واًصيلا.. الأحزاب/41، 42) .. يشير إلى أن النكتة في ذلك مجيئ الآية في سياق تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن مطاعن المنافقين والكافرين في تزوج زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة بزعمهم أنها زوجة ابنه (1) .. على الرغم من أن نفس العلة أو قريباً منها يمكن التماسها والقول بها في آية الفتح لورودها هي الأخرى - على حد قوله هو- في سياق إبطال شك الذين ارتابوا في أمر الصلح، والذين كذبوا بوعد الفتح والنصر (2) … سيما مع تعجب المسلمين الصريح من بنود الصلح وقولهم على ما جاء في الصحيحين: (سبحان الله كيف يُردُّ من أسلم من المشركين إليهم وقد جاء مسلماً) ، والتفتوا إلى رسول الله يسألونه: أنكتب هذا يارسول الله، قال: نعم، بل مع قول عمر بن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على ما ورد في الصحيحين أيضاً: ألستَ نبي الله حقاً قال: بلي، قلت: ألستَ على حق وعدوّنا على باطل، قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، قال: بلى، قلت: ففيم نٌعطى الدنية في ديننا إذن، قال: إني رسول الله ولستُ أعصيه، وهو ناصري) … وقول أبي بكر له حين أتاه في هذا: (إنه رسول الله ولن يعصيَ ربه ولن يضيعه الله أبدًا) … ونظير ذلك في بلوغ التعجب لدى الصحابة غايته، ما جاء في الصحيح عن سهل بن سعيد رضي الله عنه، فقد قال يوم صفين: (أيها الناس، اتهموا رأيكم، لقد رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته) .--------------------------------------------
(1) ينظر التحرير 26/157مجلد 12.
(2) ينظر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
ويفاد مما سبق أن الأمر في حمل التسبيح في قوله سبحانه في سورة الأحزاب: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً. وسبحوه بكرة وأصيلاً.. الأحزاب/41، 42) على ظاهره بيّنٌ، بل إنه من الوضوح بمكان، فذكر الله يعني "ذكر اللسان وهو المناسب – على حد قول الطاهر – لموقع الآية مما قبلها وما بعدها" (1) ، أما مناسبته لما قبلها فلما ذكرنا، وأما مناسبته لما بعدها فلأن التسبيح وهو إيقاع التنزيه لفاطر السموات والأرض جل في علاه، عن كل شائبة نقص مما لا يليق به بإثبات أضداد ما لا يليق أو نفي ما لا يليق بقول: (سبحان الله) .. هو واحد مما يشمله ذكر الله، والوجه في تخصيصه بالذكر، الإشعار ببيان فضله على سائر الأذكار، لكون معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، وفي سر تقييده بالغدو والآصال، بيان لفضل هذين الوقتين على سائر الأوقات لتعاقب ملائكة الليل والنهار بهما، ولما يتجدد فيهما من نعم الله الظاهرة، إلى غير ذلك مما سبق ذكره في المبحث الأول.
وهذا التقييد وحده، هو في حد ذاته دليل على حمل المعنى على ظاهره، فما بالك وقد توفرت القرائن الأخرى من خلال السياق على جعله على حقيقته وعلى ما هو الأصل فيه، ويأتي على رأس هذه القرائن تقييد الذكر بالكثرة، وإيثار التعبير بكلمة (الآصال) التي لا يتوسع فيها لتشمل ما تشمله كلمة (العشي) لكونها لا تطلق إلا على ما قبيل غروب الشمس مباشرة، وهو ما لا تصح الصلاة فيه، فذكرها مما يُعد قرينة أخرى تدل على حمل التسبيح على ظاهره وعلى تخصيص الوقتين به، وعلى جعل القول بأن "كلا الأمرين - الذكر والتسبيح- متوجه إليهما- يعني إلى الوقتين بكرة وأصيلاً- كقولك صم وصلّ يوم الجمعة" (2) قولاً بادي الضعف، لذا مرضه أكثرهم بقولهم (وقيل) لأنه تجوز بغير ضرورة.--------------------------------------------
(1) التحرير22/48مجلد11.
(2) الآلوسي 22/60 مجلد 12وينظر الكشاف 3/265.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
يقول الشهاب في تعليقه على قول البيضاوي (وقيل الفعلان موجهان إليهما) : "قوله: (وقيل الفعلان) أي: (اذكروا) و (سبحوه) ومرضه لأنه على تفسيره بغلبة الأوقات، يكون شاملاً لهما فلا حاجة لتعلقه بالأول على التنازع" (1) ، وأضيف أن العطف في قوله (بكرة وأصيلاً) ينبو عنه التمثيل بما ذكره الزمخشري والآلوسي من قولك (صم وصلّ يوم الجمعة) ، إذ ليس ثمة ما يدل على التفريق بين الوقتين، ولا ذَكر ذلك أحد من أهل العلم، غاية ما يمكن قوله في هذا جواز "أن يكون المراد بالذكر المأمور به، تكثير الطاعات والإقبال عليها، فإن كل طاعة من جملة الذكر، ثم خُص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلاً" (2) .
وأشد مما ذكر ضعفاً ما ادعاه الرازي في موضع مشابه، وتحديداً أثناء تفسيره لقول الله تعالى في حق زكريا: (واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/41) من استدلال على إرادة الصلاة من التسبيح، من "أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله تعالى (واذكر ربك) فرق، وحينئذ يبطل، لأن عطف الشيئ على نفسه غير جائز" (3) ، ويعني بذلك أن التسبيح في معنى الذكر، وعليه فيتعين حمله على معنى الصلاة.. فإن ما ذكره يرد عليه ما بين الذكر والتسبيح من عموم وخصوص، وآية آل عمران وإن صح ما ذكره من أن التسبيح فيها بمعنى الصلاة لما سبق أن ذكرنا من القرائن الدالة على ذلك، إلا أن تعليله سالف الذكر هو الذي فيه نظر، والحقيقة فيه ما ذكرت.--------------------------------------------
(1) حاشية الشهاب7/495.
(2) كذا ذكره الآلوسي [22/61مجلد12] ، وإن أخطأ في قوله بعد: "أي الصلاة في جميع أوقاتها أو صلاة الفجر والعصر والعشاء لفضل االصلاة على غيرها من الطاعات البدنية"، ولو أنه حمل التسبيح - مع ما نوه به - على ظاهره، لربما كان قولاً وجيهاً ورأياً سديداً.
(3) الرازي4/205.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
ويتعين من خلال كل ما سبق من مقدمات جعل العطف في قوله (وسبحوه) على (واذكروا) "من عطف الخاص على العام اهتماماً بالخاص لأن معنى التسبيح، التنزيه عما لا يجوز على الله من النقائص فهو من أكمل الذكر لاشتماله على جوامع الثناء والتحميد، ولأن في التسبيح إيماء إلى التبرؤ مما يقوله المنافقون في حق النبي صلى الله عليه وسلم … وكلمة (سبحان الله) يكثر أن تقال في مقام التبرؤ من نسبة ما لا يليق إلى أحد" (1) ، سيما إذا تعلق الأمر بسيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه.
والسر البلاغي في هذا العطف، عطف (وسبحوه) الخاص على (اذكروا) العام، الإشعار بالعناية بأمر الخاص وتعظيم شأنه وذلك بذكره مرتين، مرة مندرجاً تحت العام، ومرة بلفظه، ومثل هذا اللون من الإطناب الذي اقتضاه المقام واستدعاه السياق وجاء مطابقاً لمقتضى الحال، مطلوب وهو مما كثر وروده في القرآن، وحسبنا مما جاء فيه قول الله تعالى: (تنزل الملائكة والروح.. القدر/4) ، وقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى.. البقرة / 238) ، فذكْرُ جبريل معطوفاً على الملائكة على الرغم من دخوله في عداد المعطوف عليهم يؤذن بمزيد تكريم له وعظم شأن في حقه، وكأنه جنس آخر غير جنس الملائكة، وعطف الصلاة الوسطى وهي واحدة من الصلوات داخلة في عمومها يجيئ تنبيها إلى مزية المعطوف وزيادة فضله.. وهكذا دواليك.
الأمر الذي يعني شيوع هذا اللون من العطف في جيد الكلام وأبلغه كلما اقتضاه المقام ودعت إليه الأحوال.. فأنى لما جاء على صورته وورد على شاكلته أن يدّعى فيه نحو ما ادعاه الفخر الرازي من أنه من عطف الشيئ على نفسه، ويحكم عليه من ثمّ بعدم جوازه؟--------------------------------------------
(1) التحرير 22/48مجلد 11بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
يقول الزمخشري بعد أن نص على أن التسبيح من جملة الذكر وأفصح عن حمل الأمر فيهما على ظاهره: "إنما اختصه من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل - يقصد في قوله تعالى (من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين.. البقرة/98) - ليبين فضله على سائر الأذكار لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال وتبرئته من القبائح" ويستطرد منوهاً عن مكانته وقائلاً: "ومثال فضله على غيره من الأذكار فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، وبالطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام والتوفر على الطّاعات كلها والاشتمال على العلوم والاشتهار بالفضائل ا. هـ) (1) ، وهو في معنى ما ذكر.
ولعل الوجه في هذا العطف، وفي تخصيص الذكر المأمور به أولاً بالكثرة دون التسبيح، أنه "بتفسير الذكر الكثير بما يعم أغلب الأوقات لا تبقى حاجة إلى تعلق الظرفين المختصين بالفعل الأول" كذا ذكره الآلوسي (2) ، وبمثل ما ذكره تُلتمس العلة فيما دلت القرائن عليه، لا أن يضرب عنها وعن معلولها الصفح ويثني عنهما العِطف، وسيأتي الكلام - بمشيئة الله تعالى- عن معنى الذكر الكثير وعن فضله إبان حديثنا عن مقام الحث عليه بالمبحث الثالث.--------------------------------------------
(1) الكشاف 4/265.
(2) روح المعاني22/60مجلد 12بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا أنه وابتناءً على ما سبق، فإن اطلاق الذكر في وقتي التسبيح في نحو قوله تعالى:) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً.. الإنسان/25) ، جمعا بين الأدلة وطرقاً للباب على وتيرة واحدة، يرجح أن يكون من إطلا ق الكل وإرادة الجزء فيكون بذلك من المجاز المر سل لعلاقة الكلية، ولا يبعد أن يدخل في هذا قوله تعالى في سورة الأعراف: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال.. الأعراف/205) ، ليفيد إطلاق الذكر كي يعم سائر الأحوال والأوقات، وتقييد الوقتين المذكورين بأفضله وأشمله وهو التسبيح فيكون من باب حمل المطلق على المقيد، كما أن التسبيح يطلق – على ما سبق تقريره - ويراد به الصلاة مجازاً.
ثالثاً: ما يجمل حمله من التسبيح على معناه الكنائي
سبق أن ذكرتُ أن من مشهور إطلاقات العرب قولهم: (إني لآتيه بالغدايا والعشايا) يرومون به استدامة المجئ واستمراره، وقد جاء القرآن في هذا على طريقتهم في التكنية بهذين الوقتين عن نفس هذا المعنى، ومن الأمثلة الواضحة في ذلك قوله سبحانه عن أهل الجنة: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً.. مريم/62) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
وقد صدرت عبارات كثيرة من أهل التأويل تشير إلى أن المقصود بذكر الوقتين فيما كان الأمر فيهما بالدعاء مثلاً أو بالتسبيح أو الذكر، استيعاب الزمان والدلالة على الدوام، وعقبت على ذلك بضروة أن توضع الآيات تلك في سياقاتها لتفهم وتحمل على وجهها الصحيح، ذلك أنه يشتم من كلامهم، أنهم يقصرون المعنى فيما يمكن حمله على الكناية كما في الآية المذكورة وكذا ما جاء على شاكلتها على معنى الاستدامة ويجعلونه حقيقة فيه، وربما حمّلوا الآية بسبب هذا ما لا تحتمل، والذي ينبغي الالتفات إليه أن الكناية أخت الحقيقة إذ ليس هنالك ما يمنع من إرادة المعنى الأصلي للفظ مع المعنى الكنائي، وذلك ما أراده البلاغيون بقولهم عنها أنها: (لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة معناه الأصلي) .
وعلى نحو ما أغرب البعض في الاقتصار على المعنى الكنائي لِما يحسن حمله عليه، كما فعل ابن عاشور والآلوسي مثلاً في تناولهما لقوله سبحانه: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الأنعام/52) على ما ذكرته لهما قبلاً، لم يتوسط آخرون فقصروه على الحقيقة وربما حمّلوا المعنى في الآية بسبب هذا أيضاً ما لا تحتمل، ونذكر على سبيل المثال ما ذكره الطاهر في معنى الغدو والآصال الواردين في قول الله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال.. النور/36، 37) ، يقول: "المراد بالغدو: وقت الغدو وهو الصباح، لأنه وقت خروج الناس في قضاء شئونهم، والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار" (1) ، مع أن سياق الآية ناطق بغير ذلك، ولك أن تستشعر مصداق ذلك عندما تبصر صدر الآية ذاتها، وكذا وأنت تقرأ قوله تعالى بعد: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.. الآية) .--------------------------------------------
(1) التحرير 18/248مجلد 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
هذا وقد تردد المفسرون في متعلق الجار والمجرور في قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال) ، فقيل هو من تمام التمثيل المشار إليه في قوله قبل: - (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونه لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيئ عليم.. النور/35) ، فيكون للجار والمجرور متعلق، هو الفعل المذكور (يوقد) ، والمعنى: يوقد المصباح في بيوت أذن الله لها أن ترفع وهذا ما قاله الرماني، وقيل إن شبه الجملة متعلق بمحذوف وهذا المحذوف صفة لمشكاة على ما ذكره الحوفي ونقله عنه الآلوسي وابن عاشور، والمعنى: مثل نوره كمشكاة مستقرة أو كائنة في بيوت أذن الله أن ترفع، وما بينهما اعتراض، أو صفة لمصباح، وقيل بل للزجاجة.
ومهما يكن من أمر فشبه الجملة على هذه الأقوال الأربعة قيد للممثل به قصد منه المبالغة فيه، وسوغ مجيئ (بيوت) جمعاً مع أن موصوفه المحتمل (مشكاة) أو (مصباح) أو (زجاجة) مفرد، كون المراد بذلك الموصوف الجنس، فتساوى الإفراد والجمع لذا كان تنوين الموصوف للنوعية لا الفردية (1) .--------------------------------------------
(1) ينظر روح المعاني 18/254مجلد 10 والتحرير18/245 وما بعدهامجلد 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
والأظهر عندي أن يكون متعلق الجار والمجرور أعني في قوله (في بيوت) هو الفعل (يسبح) ، ولا يرد على ذلك أن فيه تكرير لشبه الجملة المتعلق به لكون قوله (فيها) الذي وليه متعلق به أيضاً، أو وجود أكثر من متعلِّق بالفعل الواحد … لأنا نقول أن لهذا التكرير سره البلاغي وهو التأكيد والتذكير بما بعد في الجملة، والإيذان بأن ما تقدم من شبه الجملة هو للاهتمام بتلك البيوت والتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح، ويكون قوله (في بيوت) …إلخ، غير مرتبط بما قبله لكونه استئنافاً قصد به بيان حال من حصلت لهم الهداية لذلك النور والإشادة ببعض أعمالهم (1) ، ونظير ما ذُكر في التكرير للتأكيد قوله تعالى: (ففي رحمة الله هم فيها خالدون.. آل عمران/107) (2) .
وفي النسق الكريم من آية النور تنويه بالمساجد وإعلام بضرورة إيقاع الصلاة والذكر فيها كما في الحديث: (صلاة في المسجد - أي الجماعة- تفضل صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة) .--------------------------------------------
(1) ينظر السابقين.
(2) وفي مغني اللبيب "هو من توكيد الحرف بإعادة ما دخل عليه مضمراً، وليس الجار والمجرور توكيداً للجار والمجرور، لأن الظاهر – لكونه أقوى- لا يؤكد بالضمير، وليس المجرور به بدلاً بإعادة الجار لأنه لا يبدل مضمر من مظهر وإنما جوزه بعض النحاة قياساً".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
ويعضد من شأن هذا المساق المعبر فيه بالظرفين والمشاد فيه بملازمة المسجد وبمواصلة الذكر والدعاء فيه سيما في الوقتين المباركين، ما ينبئ به أمثال قوله تعالى مثنياً على الصحابة الكرام عليهم الرضوان: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.. الأنعام/52) ، وقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي..الكهف/28) .. وكذا ما جاءت به الأحاديث الدالّة على فضل المشي إلى المساجد والتردد عليها وانتظار الصلاة فيها بعد الصلاة من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح) (1) ، وقوله: (ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط) (2) وقوله: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) (3) ، وقوله: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده) (4) ، وقوله: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) ثم تلا قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر..التوبة/18) (5) .. إلى آخر ما جاء في هذا، والوجه في تخصيص الرجال في الآي والأحاديث، أنهم الغالب على المساجد والذين الأصل فيهم أن تكون صلاتهم بها كما في الحديث: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) .
المبحث الثالث
أهم المقامات التي ورد التعبير فيها بطرفي النهار في آي التنزيل--------------------------------------------
(1) رواه البخاري 2/124ومسلم669.
(2) رواه مسلم 251.
(3) رواه البخاري 2/119 ومسلم 1/460 برقم 275.
(4) رواه مسلم.
(5) أخرجه الترمذي 3092 وقال حسن وابن حبان 310 والحاكم 1/212، 213.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
ويجدر بنا بعد أن عرجنا على دلالات التعبير عن طرفي النهار - حقيقة ومجازاّ وكناية - بمقابلاتها المتعددة في النظم الكريم، وبعد أن وقفنا - ما وسعنا الجهد - على بعضٍ من أسرار تنوع هذه المقابلات ومزايا مجيئها على النحو الذي انصبت فيه، وفاء بحق السياق.. أن نبحر للتعرف على المقامات التي وردت فيها تيك المقابلات طمعاً في استجلاء المزيد من دلائل الإعجاز في كتاب الله العزيز، ورجاء الوقوف على بعض أسرار نظمه وبدائع كلمه، ولنبدأ بآخر ما انتهينا إليه وهو:
مقام الإشادة بالصحابة في ملازمة بيوت الله وإعمارها صباح مساء بالذكر والدعاء:
ويسترعي انتباهنا في هذا المقام آيتان وردتا في حق الصحابة الإجلاء عليهم الرضوان، هما قوله سبحانه: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الأنعام/ 52) ، وقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الكهف/28) ، أي دائبِين على الدعاء في جميع الأوقات سيما ما كان منها في طرفي النهار، ففي الكشاف أنه بعد أن "ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا - يعني في قوله: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع لعلهم يتقون.. الأنعام/5) - أردفهم ذكر المتقين منهم وأمره بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته، ويواظبون عليها. والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام" (1) .--------------------------------------------
(1) الكشاف 2/21 وأبو السعود 5/218 مجلد 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وللآيات الواردة في هذا المقام قصة مؤداها أن رءوساً من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت عنا هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله عليهم- وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من صوف - جلسنا إليك وحادثناك، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بطارد المؤمنين، فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم، طمعاً في إيمانهم … وفي رواية أحمد والطبراني وابن جرير والبيهقي أنهم قالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنكون نحن تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك واجعل لنا منك مجلساً تعرف به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا قعوداً مع هؤلاء فنزل جبريل بها (1) .--------------------------------------------
(1) ينظر الآلوسي 7/231مجلد هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
والحق أن آخر هذا الكلام - الذي أراد الزمخشري وغيره من أهل التأويل الربط بينه وبين الآية الخامسة من سورة الأنعام - لا يستقيم مع أوله ولا يتمشى مع سياق الآيات، إذ أنّى لقوم أن يصدر عنهم مثل هذه الأقوال أن يجعلوا ممن (يخافون أن يحشروا إلى ربهم) ، أو يكونوا من المسلمين على ما أقر به الزمخشري، أو يرجى منهم على سبيل التحقيق ما ذكره سبحانه في قوله (لعلهم يتقون) .. اللهم إلا أن يكون السبب في نزولها هو ما اقترحه بعض الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعقيباً على ما صدر من أولئك المنكرين، نحو ما روي من "أن عمر رضي الله عنه قال: لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون، قال: فاكتب بذلك كتابا فدعا بصحيفة وبعليّ رضي الله عنه ليكتب فنزلت، فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته" (1) … فهذا عندي افضل مما قاله الزمخشري ومما تكلف له أبو السعود الذي ذكر أنه صلى الله عليه وسلم "أمر بتوجيه الإنذار إلى من يتوقع من أهل الكفر التأثر في الجملة، وهم المجوزون منهم للحشر سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين أو مترددين، أما المنكرون له فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم ا. هـ" (2)
قال سلمان وخباب: فينا- أي آية الأنعام – نزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم.. الكهف/28) .--------------------------------------------
(1) الكشاف2/22.
(2) تفسير أبو السعود3/137مجلد 2بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وفي التعبير عمن نزلت في حقهم هذه الآيات في الموضعين بالموصول، الإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، وبما في حيز الصلة الداعية إلى إدامة الصحبة، أي لأنهم أحرياء بذلك لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة (1) ، وهم وإن كانوا عند أهل الكفر والنفاق مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وقوله: (يريدون وجهه) فيهما، في موضع الحال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له الدين، والوجه في تقييده به تأكيد علِّيتِه للنهي في آية الأنعام (ولا تطرد) ، وللأمر في آية الكهف (واصبر نفسك) ، والإعلام بأن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد والحاضّ على الصبر، وفي التنوع بمجيئ العلة تارة بالنهي وتارة أخرى بالأمر، تأكيد على ملازمة من في حقهم نزلت هذه الآيات ومواصلتهم من قِبَل النبيّ بجميع الأوجه، وعليه فلا وجه لما ادعاه أبو حيان في البحر من أن آية الكهف أبلغ من التي في الأنعام.
ولا يسيئن أحد الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاوع من أشار عليه بطردهم بقوله: نعم، وأن في طردهم ظلم، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما عين لجلوسهم وقتاً معيناً سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش، وأن غرضه من الجلوس مع أولئك الأكابر هو إدخالهم في الإسلام حتى لا يفوتهم خير الدين والدنيا والآخرة فكان ترجيح هذا الجانب أولى، وأقصى ما يقال ان هذا كان اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم والخطأ في الاجتهاد مغفور والمخطئ فيه على أيّ حال مأجور.
وتبقى دلالة السياق على إفادة التعبير بالغداة والعشي للديمومة، سيما مع ما سبق من أن العرب تستعمل هذين اللفظين في التكنية عن هذا المعنى كما في قولهم: (إني آتيه بالغدايا والعشايا) ، ويريدون بذلك الاستدامة في فعل المجئ إليه.
مقام التذرع بالصبر والتسلية بأحوال السابقين:--------------------------------------------
(1) ينظر السابق 5/218مجلد3 والتحرير15/305 مجلد 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
ومما يجب التفطن له أن أغلب المواضع التي جاء فيها الذكر الموقوت بطرفي النهار في آي التنزيل وأكثرها شيوعا.. هو ما جاء في حق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن أغلب هذه المواضع سبق الأمرَ بالذكر والتسبيح فيها، الأمرُ بالتحلي بالصبر فقد جاء ما يفيد هذا وذاك في القرآن سبع مرات وذلك قوله مخاطباً إياه: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولاتكن من الغافلين.. الأعراف/205) ، وقوله: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل.. هود/114) ، وقوله: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.. طه /130) ، وقوله في نفس الآية والسورة: (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) ، وقوله: (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار.. غافر/55) ، وقوله (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.. ق/39) ، وقوله: (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أوكفوراً واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً.. الدهر/25، 26) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
والمتبصر لهذه الآيات يرمق أن الطريقة التي عبر بها عن طرفي النهار في حقه صلى الله عليه وسلم فريدة من نوعها، إذ هي - فضلاً عن تنوعها- قد غطّت كل الأساليب التي ورد ذكرها وتم التعبير بها في القرآن عن هذين الوقتين المباركين، وهذا لم يُعهد مثله في سائر المقامات - على ما تم تقصّيه- فقد جاء التعبير عن أول النهار وآخره بـ (الغدو والآصال) وذلك عقب الأمر بالذكر في آية الأعراف، وبـ (بكرة وأصيلاً) عقب الأمر به مصحوباّ بالأمر بالصبر في آية الإنسان، كما جاء التعبير عنهما بـ (طرفي النهار) في آية هود وذ لك عقيب الأمر بإقامة الصلاة، وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) في آيتي طه وق عقيب الأمر فيهما بالصبر والتسبيح، وبـ (أطراف النهار) عقيب الأمر بالتسبيح فقط في عجز الآية سالفة الذكر من سورة طه، وبـ (العشي والإبكار) عقيب الأمر به مصحوباَ بالأمر بالصبر والاستغفار في آية غافر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
كما يلحظ انفراد هذا المقام بالتعبير عن أول النهار وآخره بـ (طرفي النهار) و (أطراف النهار) إذ التوقيت بهاتين العبارتين اللتين وردتا بالتثنية تارة وذلك عن الأمر بإقامة الصلاة، وبالجمع أخرى عند الأمر بالتسبيح - على تنوعها- لم يأتيا على هذا النحو إلا في حقه صلى الله عليه وسلم، ونظير ذلك في تنوع الأسلوب عند الأمر بالتسبيح، يقال في التعبير عن ذينك الوقتين بـ (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) كذا بإضافة الطلوع والغروب للشمس، وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) بإضافة الطلوع فقط إليها، فهذان الموضعان لم يخاطب بهما أيضا على هذا النحو ولم يأتيا على هذه الشاكلة إلا في حقه صلوات الله وسلامه عليه، ناهيك عن مجيئ التعبير عن الوقتين مما لم يخصه وحده بل عمّه مع غيره كما في قوله: (يا أيّها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً.. الأحزاب/41، 42) . بل إن من مظاهر التنوع في الأساليب التي عرضت في هذا المقام.. مجيئ الأمر بما ذكرنا من ذكر أو تسبيح مقيدًا أحياناً بالجار والمجرور أو بالحال كما في آية الأعراف التي قُيد الذكر بها في الوقتين بقوله: (في نفسك) وبقوله: (تضرعاً وخيفة) ، ومعللاً أحياناً كما في قوله: (وسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) ، ويأتي خالياً من كل ذلك أحياناً أخرى كما في سائر الآيات المذكورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
والوجه في هذا التنوع والشمول - فيما أرى - مع تكرار الأمر بالصبر والتنزيه والتلبس بسائر ألوان العبادات الأخرى من نحو الاستغفار وإقامة الصلاة وذكر الله … يَمْثُل في أن ما حظي صلى الله عليه وسلم به مما حباه الله من كرامة ومكانة خُص بهما في الدنيا والآخرة (1) دون سائر أقرانه من النبيين بما فيهم أولي العزم من الرسل، يستأهل وفاء بحق النعمة أن يقابل بالمزيد من إعلان الولاء لله والتذرع بالصبر لمواجهة سيل البلاء الذي يعرِض لمن كان هذا حاله، باعتبار أن المرء يبتلى على قدر دينه فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه (2) .. يفسر هذا ويؤيده ما جاء عن ابن مسعود فيما أورده البخاري ومسلم قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته، فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال: أجل، إني أوعك كما يوعِك رجلان منكم قال: فقلت ذلك أن لك أجرين، فقال- صلى الله عليه وسلم: أجل.. وكذا ما جاء في نحو ما أورده البخاري عن ابن عمر قال: بينا النبي- صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، جاء عقبة ابن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهره صلى الله عليه وسلم.. وما أورده الطبري--------------------------------------------
(1) فهو صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى وهو الذي قال عن نفسه - فيما رواه ابن عباس وعكرمة، إثر سماعه أناس يتذاكرون، وقد قال بعضهم: عجباً أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: إنه كلم موسى تكليماً وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه - "ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأن أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر"، والقائل: فضلت على الأنبياء بست… الحديث.
(2) كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما أورده ابن حبان جواباً عمن سأله عن أشد الناس بلاء، وثخن في الحديث: أي قوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)