وإذا ما رُمنا الإبحار في الكتاب العزيز بغية الوقوف على سر التنوع في التعبير عن الوقتين المنوط بهما هذا البحث، وأردنا الكشف عن علائق التراكيب التي قُدم فيها بعض مسميات هذين الوقتين على البعض الآخر، وابتغينا الغوص للتعرف على وجوه اختلاف سياقاتها وتناغيها وتواصلها.. فإنه لا بد لنا أولاً أن نستجلي الملابسات التي ورد فيها ذكر هذين الوقتين.
والمتأمل للسياقات التي قُدم فيها لفظ (العشيّ) على الإبكار كما في حق زكريا عليه السلام: (واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشيّ والإبكار.. آل عمران/41) ، وقوله في مخاطبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم -قبل هجرته إلى مكة: (واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشيّ والإبكار.. غافر/55) ، يبصر بضميمة ما جاء في قوله سبحانه في حق داود عليه السلام: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشيّ والإشراق.. ص/18) ، أن الإبكار يدقُّ جعله وصفاً لأول النهار من بعد طلوع الشمس لا الفجر (1) ، كما يرمق أن في اصطفاء مفردة (الإبكار) ، وفي تقديم (العشيّ) عليها ما يصور حال الأمم السابقة المستضعفة وما كانت عليه من تلبس بالعبادة المفروضة، وكذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام قبل فرض الصلوات الخمس وقبل الجهر بالدعوة والصدع بها.--------------------------------------------
(1) وسيأتي ما يفيد أن طرف النهار الأول يطلق ويراد به أحد معنيين: مابعد طلوع الفجر ومابعد طلوع الشمس، فعلى من التزم جعل أول النهار من طلوع الفجر جعل ما بعد طلوع الشمس مجازاً فيه والعكس بالعكس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
ونعلم أنه صلى الله عليه وسلم قد أمر بأن يقتدي بالأنبياء من قبله وأن يعبد الله بالكيفية التي كانوا يعبدونه سبحانه بها (1) ، وصلاة ركعتين في آخر النهار ومثلهما بأوله هو الأوفق لحال أولئك الأوائل الذين صدّقوا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام فقد كان معظمهم خليط من الفقراء والضعفاء والأرقاء وليس بوسعهم مجابهة قوى الكفر المتعصبة لشركها ووثنيتها، بل ولا إظهار شعائر الدين الذي آمنت به، ولقد بلغ الضعف بهذه الثلّة المؤمنة التي آمنت بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر لحدّ أنه إذا أراد أحدهم ممارسة عبادة من العبادات التي كُلف بها ذهب إلى شعاب مكة يستخفي فيها من عيون قريش.. فمع انشغال أهل الكفر في أول هذين الوقتين بجلب الرزق والسعي على المعاش، وخلودهم في آخرهما للدعة والراحة بعد عناء يوم كامل من العمل، يمكن لأولئك المستضعفين أن يمارسوا بشئ من الحرية والبعد عن الضغط والتعرض للأذى، ما كلفوا به من قِبل ربهم وما تعلموه من نبيهم.. والبدء بالعشي أقدر على تصوير هذه الفترة، وأبلغ في بيان حالتي الإخفاء والهمس اللذين كانوا عليهما أثناء تأدية ما كلفوا به من صلاة، وترديد ما كان ينزل على نبيهم صلى الله عليه وسلم من آي الذكر الحكيم.--------------------------------------------
(1) وذلك قوله سبحانه: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.. الأنعام/90) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
ولا يبعد أن يكون حال زكريا عليه السلام مع مناوئيه من اليهود شبيهاً بحال أولئك الصحب الكرام مع كفار مكة، فيكون في هذا أيضا الوجه في البدء بالعشيّ، بل إن هذا ما ينبئ به طبيعة هؤلاء القوم الذين تخصصوا في الإيذاء وفي قتل الأبرياء والأنبياء بغير حق، ففي تفسير ما أخبر الله به عن قتلهم أنبياء الله ذكر أهل العلم نصوصاً تصرح بقتل سيدنا زكريا وابنه يحيى عليهما السلام على يد أولئك الأنجاس، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم رحمه الله في قوله: "ومن تلاعب الشيطان بهم ما كان في شأن زكريا ويحيى عليهما السلام وقتلهم لهما حتى سلط الله عليهم بختنصر وسنحاريب وجنودهما فنالوا منهم ما نالوه" (1) ، كما حكى عنهم في موضع آخر أنهم "هم قتلة الأنبياء، قتلوا زكريا وابنه يحيى وخلقاً كثيراً من الأنبياء حتى قتلوا في يوم واحد سبعين نبياً في أول النهار وأقاموا سوق بقلهم آخره، كأنهم لم يصنعوا شيئاً" (2) . الأمر الذي يعكس مدى الهلع والخوف الذي كان ينتاب أهل الحق في تلك الأزمنة الغابرة، ويعكس بالتالي سر البدء بالعشي في آية آل عمران.
ومما قيل في سر تقديم (العشيّ) مراعاً فيه السياق ما ذكره البقاعي في حق آية غافر سالفة الذكر من أنه "لما كان المقام لإثبات قيام الساعة (3) وكان العشيّ أدل عليها قدمه" (4) .--------------------------------------------
(1) إغاثة اللهفان 2/319.
(2) هداية الحيارى ص54 وينظر تفسير ابن كثير 1/102، 355.
(3) يعني قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. وإذ يتحاجون في النار.. إلى آخر الآيات 46-51) .
(4) نظم الدرر 6/525.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
وأيّاً ما كان الأمر فإن السياق في الآيتين المذكورتين يختلف عنه في آية (ص) وإن كان منه بسبب إذ المناسب للبدء بالعشيّ قبل الإشراق، هو ما كان عليه داود عليه السلام من أوب إلى الله وترجيع، وقد كان يشاركه في ذلك الجبال والطير كما دل عليه قوله تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب.. ص/17) ، وقوله: (يا جبال أوبي معه والطير.. سبأ/10) ، وقوله: (والطير محشورة كل له أواب.. ص/19) ، وظهور كل ذلك في وقت العشيّ أبين في تذكر المصير وما سيؤول إليه حال الخلق.
يقول صاحب نظم الدرر "لما كان - أي التسبيح- في سياق الأوبة، وكان آخر النهار وقت الرجوع لكل ذي إلف إلى مألفه مع أنه وقت للفتور والاستراحة من المتاعب قال (بالعشيّ) "، وكان من ثمّ البدء به "تقوية للعامل وتذكيراً للغافل" (1) .
وإنما كان تقديم العشيّ - فيما هو قريب مما ذكرناه من أمر الإبكار والإشراق - أعني الإظهار في قوله جل وعلا: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون … الروم/17) ، لنفس ما سبق ذكره في آية غافر حيث الكلام عن القيامة وإثبات الحشر والبعث حتى ليكاد يكون متطابقاً معه تمام التطابق، ومن ثم فملابساتها هي من ملابسات نظيرتها.--------------------------------------------
(1) السابق 6/370.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وفي مراعاة تقديم ما هو ألصق بالسياق في آية الروم وأدل عليه يقول الفخر الرازي: إنه "قدم الإمساء على الإصباح ههنا وأخره في قوله تعالى: (وسبحوه بكرةً وأصيلاً.. الأحزاب/42) لأن ههنا، أول الكلام ذِكْر الحشر والإعادة من قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده) إلى قوله تعالى: (فأولئك في العذاب محضرون.. الروم/11-16) ، وآخر هذه الآية أيضاً – يعني ما جاء عقبها- ذكر الحشر والإعادة بقوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وكذلك تخرجون.. الروم/19) والإمساء آخر فذكر الآخر أولاً لتذكر الآخرة" (1) وهو في معنى ما ذكره البقاعي في حق آية غافر وفاءً بحق السياق. ويريد الرازي بما ذكره أن مقابلة العشيّ بالظهيرة والإمساء بالإصباح وتقديم ما تقدم في كلٍُ جاء ملائماً للسياق في التذكير بيوم القيامة، فعلى نحو ما يعقب الركونً إلى الدعة والراحة والنوم والسكون في الإمساء والعشي حركة بعد الاستيقاظ وانتشار، يعقب الموت وإعادة إحياء الخلق من جديد، وإخراجهم من قبورهم، الحشر واجتماع الناس في يوم لا ريب فيه، ولما كان الموت الذي يمثل الإمساء والعشيّ، ويشبهه في ترتيبه الزمني بوقوعه قبل الحشر، وكان الغرض من السياق التذكير بالآخرة قدم من ثمت الإمساء والعشيّ، رداً على قالتهم السوء بإنكار البعث والحساب من ناحية، وإقامة للحجة عليهم بنصب الأدلة عليهما بتشبيههما بالاستيقاظ بعد الموتة الصغرى من ناحية أخرى.--------------------------------------------
(1) الرازي 12/452.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
وفي البحر المحيط: "قوبل بالعشيّ الإمساء وبالإظهار الإصباح، لأن كلا منهما يُعقب بما قابله، فالعشيّ يعقبه الإمساء، والإصباح يعقبه الإظهار" (1) ، وفي معنى ما ذُكريقول الآلوسي "قدم الإمساء على الإصباح لتقدم الليل والظلمة، وقدم العشيّ على الإظهار لأنه بالنسبة إلى الإظهار كالإمساء بالنسبة إلى الإصباح" (2) ويعنيان بذلك أنهم في "الاستعمال العربي يعتبرون فيه الليالي مبدأ عدد الأيام (3) ، فهو أسبق في حساب أيام الشهر، وفي التنزيل قال تعالى: (سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين.. سبأ/18) " (4) ، وقال أبو السعود بأن تقديم (عشياً) على (حين تظهرون) لمراعاة الفواصل وتغيير الأسلوب (5) ، وليس ما ذكروه بالوجه بل هو - فيما أرى- على ما ذكرت، مراعاة لمكان النزول. وإن كنت لا أرى فيما ذكره الفخر الرازي – وفاء بحق السياق - بأساً، وفي محصلته يقول الطاهر في عبارة بليغة موجزة: "قدم فعل الإمساء على فعل الإصباح.. لأن الكلام لما وقع عقب ذكر الحشر من قوله: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون.. الروم/11) ، وذكر قيام الساعة، ناسب أن يكون الإمساء وهو آخر اليوم خاطراً في الذهن فقُدم لهم ذكره" (6) .
وهكذا يجيىء النظم غاية في التناسق بين مفرداته والتآخي بين جملة، كما يجيئ التقديم والتأخير للأوقات محققاً الغرض الذي يهدف إليه سياق النص القرآني، وتلك - وأيم الله- آية من آيات الإعجاز في كتاب الله.--------------------------------------------
(1) ينظر البحر المحيط الآية17، 18من سورة الروم.
(2) الآلوسي 21/45 مجلد 12، وينظر حاشية الشهاب على البيضاوي 7/379.
(3) كما كانوا يؤرخون بالليالي ويبتدئون الشهر بالليلة الأولى التي بعد طلوع الهلال، وهو ما أقرهم الإسلام عليه واستمر عليه الحال.
(4) التحرير 21/66 مجلد 10، 26/327 مجلد 12.
(5) تفسير أبي السعود 7/55 مجلد4.
(6) التحرير 21/66 مجلد 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
"وتغيير الأسلوب في (عشياّ) لما أنه لا يجيىء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح والظهيرة، ولعل السر في ذلك على ما قيل: إنه ليس من الأوقات التي تختلف فيها أحوال الناس وتتغير تغيراً ظاهراً مصححاً لوصفهم بالخروج عما قبلها والدخول فيها، كالأوقات المذكورة، فإن كلا منها وقت يتغير فيه الأحوال تغيراً ظاهراً، أما في المساء والصباح فظاهر، وأما في الظهيرة فلأنها وقت يعاد فيه التجرد عن الثياب للقيلولة" (1) ، فهو وقت عورة كما صُرح بذلك في سورة النور.
وفي سر تخصيص الأولين في قوله تعالى: (حين تمسون وحين تصبحون) في آية الروم بالتنزيه، والأخيرين (عشياً وحين تظهرون) بالتحميد، يقول البيضاوي: إن "تخصيص التسبيح بالمساء والصباح، لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي الذي هو آخر النهار.. والظهيرة التي هي وسطه، لأن تجدد النعم فيهما أكثر" (2) .. وما جاء في الحواشي الشهابية وكذا ما ذكره الآلوسي من أن هذا يرد عليه عطف ظرف الزمان (عشياً) على المكان (في السموات) ، وأن هذا وعكسه لا يجوز (3) ، جوابه أنه يمكن جعله معطوفاً على مقدر أي (وله الحمد في السموات والأرض) دائماً (وعشياً) ، على أنه تخصيص بعد تعميم، والجملة اعتراضية (4) وعليه يكون العطف في (وحين تظهرون) على قوله قبل: (وحين تمسون وحين تصبحون) ، ويكون التخصيص في الثلاث بالتنزيه، وفي العشي بالتحميد.--------------------------------------------
(1) الآلوسي 21/45 مجلد 12.
(2) تفسير البيضاوي 7/380.
(3) حاشية الشهاب 7/380، والآلوسي 21/45 مجلد 12.
(4) السابقان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
وعلى نحو ما جاء الترتيب في تقديم العشيّ في حال الاستضعاف والخوف - أعني على الوجه الذي تراءى لنا- متناغماً مع سياق الآيات التي قدمت فيها ومع نظمها.. يجيىء الترتيب كذلك في تقديم المقابل للعشيّ عندما يُزال ذلك ويُستشعر بدلاً عنه معاني الأمن والقوة، والأمان والكثرة. ولعلك تجد صدى هذا في حديث القرآن عن أهل الجنة وتحديداً في قوله سبحانه عنهم: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً.. مريم/62) ، وفي حديثه عما كان من أمر زكريا عليه السلام عندما (خرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشياً.. مريم/11) ، وفي حديثه عن أهل الإيمان بعد أن مكّن الله لهم وذلك في قوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً. وسبحوه بكرة وأصيلا..الأحزاب/41، 42) .
فقد أضحى الذين زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة في مأمن من عناء الدنيا ومن عذاب جهنم (لايسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.. الأنبياء/102، 103) ، وأضحى زكريا عليه السلام في مأمن عن أعين الرقباء والأعداء، وفي منعة من قومه الذين "كانوا من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخله ويصلوا" (1) ، كما تغير حال المؤمنين في المدينة بعد أن تهيىء لهم المجتمع الآمن المستقر، وبعد أن أذهب الله عنهم ما كان بهم من ضعف وصاروا ذوي بأس شديد ومنعة، ويمكن لك أن تستكنه هذه المعاني وتستشعر أنفة العظمة والعزة التي انخلعت على الصحب الكرام، وأنت تقارن ما جاء في آية الأحزاب بما جاء في قوله سبحانه عنهم: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس.. الأنفال/26) .--------------------------------------------
(1) تفسير أبي السعود 5/258 مجلد 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الأمر الذي يؤكد على أنه حتى عندما يكون أمر تقديم كلمة على كلمة متعلقاً بما ذكره العلوي في الطراز تحت باب (ما يجوز تقديمه ولو لم يفسد معناه) (1) ، فإن بلاغة النظم القرآني تقتضي أن يجيىء التناسق والترتيب بين الكلمات تحقيقاً للغرض، وأنه عندما يتغير الغرض من موضع إلى موضع آخر لا جرم يتغير معه ترتيب النظم. وإلا فـ"لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه دون أن يكون الغرض ترتيب المعاني في النفس، ثم النطق بالألفاظ على حذوها لكان ينبغي - كما ذكر شيخ البلاغة - أن لايختلف حال اثنين في العلم بحُسن النظم أو غير الحُسن فيه لأنهما يُحسان بتوالي الألفاظ في النطق إحساساً واحداً ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئاً يجهله الآخر" (2) .
وجه تخصيص طرفي النهار بالذكر دون سواهما:
ولا يعني هذا العنوان بحال أن يُقصر التسبيح لله تعالى على الوقتين ويُترك فيما عداهما. بل مراده البحث عن سر إفرادهما بالذكر، وبيان أنهما في ذلك وفي الدلالة على أهميتهما كإفراد التسبيح من بين الأذكار مع اندراجه فيهما لكونه العمدة (3) .
هذا وقد تعددت الأقوال في سر تخصيص وقتي الغداة والعشي بالذكر ليكونا وما في معناهما زمناً لتسبيح الله وتنزيهه دون سائر الأوقات الأخرى. فمن قائل أن الوجه في ذلك:--------------------------------------------
(1) ينظر الطراز للعلوي 2/73.
(2) دلائل الإعجاز تحقيق محمود شاكر ص 51.
(3) تفسير الآلوسي 22/61 مجلد 12، وينظر 9/224 مجلد 6، والبيضاوي 7/495.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
1- كونهما مشهودين أي يحضرهما ملائكة الليل والنهار، يلتقون فيهما ويتعاقبون على ابن آدم على نحو ما ورد في حديث أبي هريرة بلفظ: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم. كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" (1) . ولا وجه لما ذكره الشهاب من أن دلالة الحديث "على ما ذكر محل نظر" (2) على اعتبار أن عروجهم يتنافى مع كون الوقتين مشهورين بحضورهم.. ذلك لأن الحديث نص في الطريقة التي يكونون عليها أثناء حضورهم وشهودهم على بني البشر فضلاً عن أنه كذلك نصٌّ في الصلاة التي تكون بوقتي الغداة والعشي. إذ ليسا إلا الفجر والعصر كما سبق تقريره، قال ابن بطال فيما نقله عنه ابن حجر "خَصّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم" (3) .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري 555، 7429، 7486، 7223، ومسلم 632، والنسائي 1/240، 241، وأحمد 2/486، 257، 344، وابن حبان 1737، ومالك 1/170، والبغوي 380.
(2) حاشية الشهاب 7/495.
(3) فتح الباري 2/26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
2- أنهما مجامع أوقات الصلاة يقول الآلوسي فيما نقله عن بعض أهل العلم: "يجوز أن يقال: تخصيص هذين الوقتين بالذكر دل على اختصاصهما بمزيد شرف، فيصلح ذلك الشرف سبباً لتعيينهما للصلاة والعبادة، فإن لفضيلة الأزمنة والأمكنة أثراً في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات" ويعلق الآلوسي على ذلك بالقول: "وهذا عندي أصفى مما تقدم" (1) يعني من حمل التسبيح على ظاهر معناه من التنزيه والتسبيح لله سبحانه، ويشعر به ما أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردوديه عن ابن عباس في فضل صلاة الضحى وتعيين وقتها والاستدلال عليها من خلال قوله تعالى: (يسبحن بالعشي والإشراق.. ص/18) على ما سيأتي بيانه، كما يشعر به ما ورد عن بعض أهل العلم في المراد بالوقتين فقد قال الحسن: أريد بهما ركعتان بكرةً كانتا قد فرضتا بمكة وركعتان مثلهما عشية (2) ، و"قال قتادة أريد بهما صلاة الغداة -أي الفجر- وصلاة العصر" (3) ، ومن الأحاديث التي وردت في فضلهما وفي تعيين وقتهما قوله- صلى الله عليه وسلم (4) : (من صلى البردين (5) دخل الجنة) زاد في رواية مسلم: (يعني العصر والفجر) ، وأصرح منه حديث عمارة بن روبية وفيه: (لن يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) (6) يعني الفجر والعصر، ورواه الشيخان بلفظ: (من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة) (7) .. وليس في هذا من الإشكال في الحمل على الحقيقة أوالمجاز، ما--------------------------------------------
(1) الآلوسي 23/257 مجلد 13.
(2) ينظرالآلوسي 24/118 مجلد 13.
(3) السابق.
(4) فيما أخرجه البخاري 574، ومسلم 635، وأحمد 4/80، والدارمي 1/331، وابن حبان1739.
(5) قال الخطابي فيما نقله عنه ابن حجر سميتا بردين لأنهما تُصليان في بردي النهار وهما طرفاه حين يطيب الهواء ويذهب الحر [ينظر فتح الباري 2/42] .
(6) أخرجه مسلم634وأحمد4/261وأبو داود427وابن أبي شيبة2/386وابن حبان1738.
(7) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع 1/318 برقم 1789 من حديث عمارة بن رويبة أيضاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
في التعبير عن الوقتين بـ (طرفي النهار) ، إذ "يمكن اعتبار النهار من طلوع الشمس مع صحة ما ذكروه في صلاة الطرف الأول" (1) من أن المراد بها صلاة الصبح على ما ارتضاه الحسن وقتادة والضحاك (2) .
والصلاة على أي حال وأيّاً ما كان الأمر فيها حاصلة في الوقتين المباركين، أما قبل فرض الصلوات فلكونها متحققة بما ذكرنا نقلاً عن الحسن، أما بعد فرضيتها وجعلها في خمس فلكونها متحققة بصلاتي الضحى والعصر هذا على القول بأن طرف النهار الأول يطلق ويراد به ما بعد طلوع الشمس، أو بصلاتي الفجر والعصر كما قال قتادة وكما نطقت به الأحاديث سالفة الذكر، وذلك على القول بجعل طرف النهار مراداً به ما بعد طلوع الفجر.
3- أن فيهما تبدو مظاهر العظمة ودلائل القدرة على بديع صنع الله في خلقه، إذ في هذين الوقتين تطالع النفس البشرية التغير الواضح في صفحة الكون من ليل إلى نهار ومن نهار إلى ليل، وفيهما يتصل القلب بالوجود من حوله، وهو يرى كلما طلعت شمس يوم أو غربت، وكلما أقبل ليل إو أدبر نهار، يد الله تغير الظواهر والأحوال وتقلب الليل والنهار بما يدل على كمال مقلِّبهما وقدرته على إيجاد المعدوم الممحوق كما كان وتسويته، وهنا وفي هذا الجو المفعم بفيض التدبر والتفكر في خلق السموات والأرض وفي هدأة الصبح وهو يتنفس ويتفتح بالحياة، وهدأة الغروب والكون يغمض أجفانه وينقلب البصر خاسئاً وهو حسير، يحمل التسبيح بحمد الله اعترافاً بفضله وعظيم امتنانه (3) ، وفي هذا المعنى يقول البيضاوي: "وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن أثار القدرة والعظمة فيهما أظهر" (4) .--------------------------------------------
(1) الآلوسي 12/234 مجلد7.
(2) ينظر السابق.
(3) ينظر الظلال 3/1427، 4/2357، ونظم الدرر 6/525.
(4) تفسير البيضاوي 7/380.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
4- أنهما وقتان للانتقال من حال إلى حال، بما يعني التذكير بالموت وبقيام الساعة، فالغدوة عندها ينقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت، إلى اليقظة التي هي كالحياة (1) ، ويتحول العالم من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب من الحياة إلى الموت، والعالم ينقلب من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة وتلك هي عبارة الرازي التي يقول بعدها معقباً، "وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير متناهية" (2) .--------------------------------------------
(1) كما جاء في حديث حذيفة وأبي ذر رضي الله عنهما من أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا آوى إلى فراشه قال: باسمك اللهم أحيا وأموت، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور"، والنشور هو الحياة بعد الموت. والحديث رواه البخاري 11/96، 97، 111 وأبو داود 5049 والترمذي 3413.
(2) تفسير الرازي 7 /425وينظر 10/295 والآلوسي 9/224 مجلد 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ووجه دلالة التعبير بالغدو والآصال عن التذكير بالموت - على ما توحى به عبارته- هو أنه "عند الإصباح يخرج الإنسان من شبه الموت إلى شبه الوجود وهو اليقظة، وعند العِشاء يخرج الإنسان من اليقظة إلى النوم" (1) يقول البقاعي: "خَصّ هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليلة باسم جزئه، ليذكر بالغدو: الانتشار من الموت، وبالأصيل: السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل، فيكون ذلك حاوياً على تعظيمه" (2) ، أما وجه دلالة التعبير بهما على قيام الساعة فـ"لأن ساعتيهما، أثناء الطيّ والبعث" (3) . وعن الدلالة الظاهرة على طيّ الخلق وزوال الدنيا كلها والخلود إلى الراحة الجسدية بعد البعث، وعلى انتشار الناس بعد الاستيقاظ إلى الأمور الضرورية التي بها قوام حياتهم، يقول البقاعي في تفسيره لقول الله تعالى: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً.. الإنسان/25) أى "عند قيامك من منامك، وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم إليه جميعاً، وعند انقراض نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطيّ هذا العالم لأجل إيجاد يوم الفصل" (4) ، وهو في معنى ما ذكره الإمام الفخر.--------------------------------------------
(1) الر ازي 12/452.
(2) نظم الدرر 3/179.
(3) السابق 5/57.
(4) السابق 8/276 بتصرف، وينظر 6/114، 7/266.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
5- كونهما "من الأوقات التى تختلف فيها أحوال الناس وتتغير تغيراً ظاهراً مصححاً لوصفهم بالخروج عما قبلها والدخول فيها" (1) ، وهذا أمر ملموس ويستوجب ذكره سبحانه بمجامع التسبيح وتنزيهه عن كل نقص إذ فى ذكر أوقات التسبيح في آية الروم إشارة إلى ما فيها من التغير الذي هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال الدالة على القدرة على الإبداع الدال على البعث لذا قال لافتاً الكلام إلى الخطاب لأنه أشد تنبيهاً ودالاً على الاستغراق بنزع الخافض (حين تمسون) مقدماً المحو لأنه أدل على البعث الذي النزاع فيه وهو الأصل (2) وفي هذا المعنى أخرج الإمام أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذى وفّى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون) ، وفيه أخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ابن عباس قوله- صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح (سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون.. إلى قوله تعالى: وكذلك تخرجون) أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته) ، إلى غير ذلك من الأخبار المؤدية إلى ذلك المعنى والدالة عليه.--------------------------------------------
(1) الآلوسي 21/45 مجلد 12.
(2) ينظر نظم الدرر 5/609.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
6- كونهما المنوط بهما والمتطلع بالصلاة في زمانيهما إلى التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، لحديث جرير بن عبد الله البجلي، الذى يقول فيه: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر يعني ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (1) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ، ثم قرأ (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.. ق /39) (2) . يقول ابن حجر: "فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنوم والشغل ومقاومة ذلك بالاستعداد له، وقوله: (فافعلوا) أى عدم الغلبة، وهو كناية عما ذكر من الاستعداد، ووقع فى رواية شعبة … فلا تغفلوا عن صلاة قبل طلوع الشمس.. الحديث (قوله: قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) زاد مسلم يعنى صلاة العصر والفجر، ولابن مردويه من وجه آخر عن إسماعيل: (قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر) " (3) . وقال الخطابى فيما نقله عنه الحافظ: "هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين" (4) ، وذكر أهل العلم أن "وجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية، أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما، ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يُجازى المحافِظ عليهما بأفضل العطايا وهو النظر إلى الله تعالى، والحكمة فى اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم، فقد جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم أحسن شهادة" (5) ، ومما يستفاد من الحديث "أن الصلاة أعلى العبادات لأنه--------------------------------------------
(1) أي لا يحدث لكم ضيم والمراد نفي الازدحام.
(2) أخرجه البخاري 554، 7434 ومسلم 633، وأبو داود 4729، والترمذي 2551، وابن ماجة177، وابن حبان 7442وأحمد 4/360.
(3) فتح الباري 2/26.
(4) السابق 2/27.
(5) السابق 2/27، 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
عنها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عِظم هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، وفيه الإشارة أيضاً إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح وأن الأعمال ترفع آخر النهار فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، وهذا يترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما، وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره وفيه الإخبار بالغيوب وهذا يترتب عليه زيادة الإيمان، كما فيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقّظ ونتحفّظ في الأوامر والنواهى ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا، وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا لنزداد فيهم حباً ونتقرب إلى الله بذلك، وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته وغير ذلك من الفوائد" (1) .--------------------------------------------
(1) السابق 2/30 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
7- أنهما محَلّ الغفلة، وأشهر ما يقع فيه المباشرة للأعمال والاشتغال بالأمور (1) ، "فوجوب الذكر المحمول على ظاهره فيهما وجوب له في غيرهما من باب الأولى، قال ابن عباس رضى الله عنهما: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر فإنه تعالى لم يجعل له حداً ينتهى إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله … ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى صلاتي الصبح والعصر لأن المواظبة عليهما – لما أشير إليه من صعوبتهما بما يعتري الإنسان في وقتيهما من الشغل - دالة على غاية المحبة لله، حاملة على المواظبة على غيرهما من الصلوات وجميع الطاعات بطريق الأولى" (2) . وفى نظم الدرر تفسيراً لآية ص: "قال (بالعشي) ، تقوية للعامل وتذكيراً للغافل، (والإشراق) أي في وقت ارتفاع الشمس عند انشغال الناس في الأشغال، واشتغالهم بالمآكل والملاذ من الأقوال والأفعال، تذكيراً لهم وترجيعاً عن مألوفاتهم إلى تقديس ربهم سبحانه" (3) . وفي تفسير المنار: "خُصّ هذان الوقتان بالذكر لأنهما طرفا النهار، ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به، كان جديراً بأن يراقبه تعالى ولا ينساه فيما بينهما، وأهم الذكر فيهما صلاتا الفجر والعصر اللتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار، ويشهدان عند الله تعالى بما وجدا عليه العبد كما ورد فى الصحيح" (4) .--------------------------------------------
(1) ينظر تفسير الآلوسي 15/377 مجلد 9، 18/258 مجلد 10، والشهاب 5/166.
(2) نظم الدرر 6/114، 115 بتصرف.
(3) السابق 6/370 بتصرف.
(4) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا 9/557.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ولا يقدح فيما ذكرته هنا نقلاً عن بعض أهل العلم، ما قال به الآلوسي وصاحب الظلال من أن الوجه في اختصاصهما بالذكر "أنهما وقتا فراغ فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب" (1) وأصفى، لأن محل هذا الفراغ يكون عقيب الانتهاء من الاشتغال بأمورالحياة والمباشرة للأعمال الدنيوية وقبيل البدء بها، والعبد مطالب بذكر الله في كل حال.
8- أن مقصوده الحضُّ على مخالفة ما كان عليه المشركون، "فإنهم كانو يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرةً وعشياً" فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر" (2) .--------------------------------------------
(1) الآلوسي 9/224مجلد 6 وينظر الظلال 5/3087
(2) الرازي14/319.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وغني عن البيان أن الحكم على أيٍّ من الأوجه السابقة، متوقف بالدرجة الأولى على مدارسة مقامات الأحوال وسياقات الآيات على ما سيأتى بيانه، كما أن الذهاب إلى أن الوقتين يطلقان ويراد بهما الدوام كما يقال فعله صباحاً ومساءاً إذا داوم عليه - على ما قال به كثير من المفسرين في عديد من المواضع التي ورد فيها ذكر الآنين – لا يتماشى مع القول بالتخصيص (1) ، وأقصى ما يمكن القول به أنه إذا تسنى للملائكة ملازمة التسبيح على الدوام فإن بني البشر لا يمكنهم فعل ذلك لاحتياجهم إلى الأكل والشرب وتحصيل ذلك وما شابهه من ملبوس ومأكول ومركوب فكانت الإشارة بالتسبيح في تلك الأوقات التي إذا أتى العبد فيها بتسبيح الله كان كأنه لم يفتر، وهو إذا نزه ربه في أول النهار وآخره فإن الله تعالى مظهره في أوله وهو دنياه وفي آخرته وهو عقباه، وذلك لأن مريد العموم قد ينكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله عليه السلام: (لو أن أولكم وآخركم ولم يذكر وسطكم ففهم منه المبالغة في العموم.. وكذا الأمر بالنسبة للصلاة فإن العبد إذا صلى ركعتين حسب له صرف ساعتين من التسبيح وهكذا بالنسبة لسائر الصلوات التي يحصل له بأدائها صرف سبع عشرة ساعة فما بقي له وهو سبع ساعات هو ما بين نصف الليل وثلثيه، لأن ثلثيه ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع وهذا القدر لو نامه الإنسان لكان كثيراً وإليه الإشارة بقوله: (قم الليل إلا قليلاً.. المزمل /4) وزيادة القليل على النصف هي ساعة فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم والنائم مرفوع عنه القلم، فيقول الله لملائكته عبدي صرف جميع أوقات تكليفه في تسبيحي فلم يبق لكم أيها الملائكة عليهم المزية إذا ادعيتم بقولكم: (ونحن نسبح نحمدك ونقدس لك.. البقرة /30) على سبيل الانحصار بل هم مثلكم فمقامهم مثل مقامكم في أعلى عليين (2) .--------------------------------------------
(1) لتنافيهما، وهذا من البداهة بمكان.
(2) ينظر الرازي 12/ 450، 601.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)