Arabic source text

📘 আল-হাদীস ওয়াল মুহাদ্দিসূন (মুহাম্মদ মুহাম্মদ আবু জাহু - মৃত্যু 1403 হিজরী)

📘 الحديث والمحدثون (محمد محمد أبو زهو - ت 1403 هـ)

📘 আল-হাদীস ওয়াল মুহাদ্দিসূন (মুহাম্মদ মুহাম্মদ আবু জাহু - মৃত্যু 1403 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
تسع وحضره الحاج من أهل بلدان مختلفة، وشعوب متفرقة فأقام لهم مناسكهم، وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم. وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من سورة براءة، ونبذ إلى قوم على سواء، وجعل لقوم مددا، ونهاهم عن أمور، فكان أبو بكر وعلي معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين، والصدق، وكان من جهلهما، أو أحدهما من الحاج وجد من يخبره عن صدقما وفضلها. ولم يكن رسول الله ليبعث واحدا، إلا والحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه إن شاء الله.
قال الشافعي: وقد فرق النبي عمالا على نواحي عرفنا أسماءهم، والمواضع التي فرقهم عليها. وكل من ولي فقد أمره أن يأخذه ما أوجب الله على من ولاه عليه، ولم يكن لأحد عندنا في أحد ممن قدم عليه من أهل الصدق، أن يقول أنت واحد، وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يقول أنه علينا. ولا أحسبه بعثهم مشهورين في النواحي، التي بعثهم إليها بالصدق، إلا لما وصفت من أن تقوم بمثلهم الحجة على من بعثه إليه.
قال الشافعي: ولم تزل كتب رسول الله تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولا إلا صادقا عند من بعثه إليه، وهكذا كانت كتب خلفائه بعده، وعمالهم وما أجمع المسلمون عليه من أن يكون الخليفة واحدا، والقاضي واحدا، والأمير واحدا والإمام واحدا قال: والولاة من القضاة وغيرهم يقضون، وتنفذ أحكامهم ويقيمون الحدود، وينفذ من بعدهم أحكامهم، وأحكامهم أخبار عنهم.
قال الشافعي: ففيما وصفت من سنة رسول الله، ثم ما أجمع المسلمون عليه منه دلالة على فرق بين الشهادة، والخبر، والحكم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

احتياط علماء هذا العصر في قبول خبر الواحد:
وقفت على ما كان من أهل الأهواء، نحو العمل بالسنة وأن منهم من ردها جمبلة، ومنهم من ردها إذا لم تكن بيانا للقرآن الكريم، ومنهم من لم يقبل منها إلا المتواتر خاصة.
أما علماء الإسلام، فكانوا على وفاق في أن السنة أصل من أصول الدين المتواتر منها، وغير المتواتر إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنهم اختلفوا في بعض الشروط، التي تصح بها السنة الآحادية.
فاشترط الإمام مالك في قبول خبر الواحد، أن لا يعمل على خلافه الجمهور، والجم الغفير من أهل المدينة، إذ إن عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواية جماعة عن جماعة أولى بالقبول من رواية فرد عن فرد، واشترط الإمام أبو حنيفة في قبول خبر الواحد شروطا منها:
1- ألا يخالف السنة المشهورة سواء أكانت سنة فعلية، أم قولية عملا بأقوى الدليلين.
2- ألا يخالف المتوارث بين الصحابة، والتابعين في أي بلد نزلوه بدون اختصاص بمصر دون مصر.
3- ألا يخالف عمومات الكتاب، أو ظواهره فإن الكتاب قطعي الثبوت وظواهره، وعموماته قطعية الدلالة، والقطعي يقدم على الظني أما إذا لم يخالف الخبر عاما، أو ظاهرا في الكتاب، بل كان بيانا لمجمل فيه، فإنه يأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان.
4- أن يكون راوي الخبر فقيها إذا خالف الحديث قياسا جليا؛ لأنه إذا كان غير فقيه، يجوز أن يكون قد رواه على المعنى فأخطأ.
5- أن لا يكون فيما تعم به البلوى، ومنه الحدود والكفارات التي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

تدرأ بالشبهات؛ لأن العادة قاضية أن يسمعه الكثير دون الواحد، أو الاثنين فلا بد والحالة هذه من أن يشتهر، أو تتلقاه الأمة بالقبول.
6- ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه، وألا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه.
7- وألا يعمل الراوي بخلاف خبره، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، فإنه مخالف لفتوى أبي هريرة، فترك أبو حنيفة العمل به لتلك العلة.
8- أن لا يكون الراوي منفردا بزيادة في المتن، أو السند عن الثقات، فإن زاد شيئا من ذلك كان العمل على ما رواه الثقات احتياطا في دين الله، ولا تقبل زيادته1.
أما جمهور المحدثين، والفقهاء وفي مقدمتهم الإمام الشافعي، رحمه الله فعلى أن صحة الحديث تثبت برواية الثقة عن الثقة، حتى يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الراوي واحدا فقط، ولم يقيموا لغير ذلك من الشروط وزنا، فإذا صح الحديث على هذا الوصف، كان أصلا من أصول الشريعة لا يقدم عليه عمل، ولا غيره وقد أطال الشافعي الحجاج، لهذا المذهب في الأم والرسالة ورد على المخالفين، وقد نال بهذا الدفاع، وغيره حظا كبيرا عند أهل الحديث الذين كانت لهم الكلمة العليا، ولهذا أطلق عليه أهل بغداد "ناصر السنة".
هذا، والشافعي لا يحتج بالأحاديث المرسلة أخذا بالاحتياط، وإن خالف في ذلك كثيرا من العلماء قبله كالثوري، ومالك، وأبي حنيفة، واستثنى من--------------------------------------------
1 تأنيب الخطيب للعلامة، الشيخ محمد زاهد الكوثري ص153، 154، وشرح التوضيح في أصول الحنفية. جـ2 ص250.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

ذلك مراسيل كبار التابعين إن جاءت من وجه آخر، ولو مرسلة أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمي لا يسمى إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة عنده، ولا ينتهض إلى رتبة الحديث المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين، فلا يحتج بها بحال1.
ومما تقدم يتبين أن الاختلاف كان عظيما في تقدير قيمة الحديث المروي، فقد تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته، ويرفضه الشافعي لضعف في سنده، وتجد المالكي يرفض الحديث؛ لأن عمل أهل المدينة جرى على خلافه، ويعمل به الشافعي لقوة في سنده، ولما جاءت طبقة الناصرين للمذاهب، والناقدين لها لم يلتفتوا إلى هذه الأصول، التي أخذ بها أئمتهم، وصاروا يأخذون على خصومهم مخالفة أي حديث صح سنده، وإن لم يستوف تلك الشروط التي اشترطها من ينتقدونه، كذلك نجدهم يجتهدون في إضعاف كل حديث لم يأخذ به إمامهم بالطعن في سنده، أو بأي مأخذ آخر مع أنه كان من السهل أن يقال إن الإمام لم يأخذ بهذا الحديث، لعدم استيفائه الشرط، الذي جمعله أصلا للعمل بالحديث2.
أبو حنيفة كان واسع الاطلاع في الحديث ويعمل به:
ترك أبو حنيفة رحمه الله العمل بكثير من الحاديث الآحادية، بناء على أصوله التي قدمناها لك، واحتج بالأحاديث المرسلة المشهورة، وأكثر من القياس فيها لم يصح فيه أثر فرماه بعض المتعصبين من أهل الفقه، والحديث بأنه:--------------------------------------------
1 اختصار علوم الحديث لابن كثير ص39.
2 تاريخ التشريع الإسلامي للخضري ص210.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

1- كان قليل البضاعة في الحديث.
2- وأنه كان يقدم الرأي على الحديث.
3- وأنه لذلك لم يخرج له البخاري، ومسلم في صحيحهما.
ولما كان هذا القول بمعزل عن الحق رأينا أن نتعقب هذه الشبه الثلاث بالرد عليها واحدة واحدة فنقول:
1- زعمهم أنه كان قليل البضاعة في الحديث، زعم باطل بعد أن أجمعت الأمة على أنه من أئمة الهدى المجتهدين، الذين لهم خبرة واسعة بالكتاب والسنة ومعانيهما، وقد جمع محمد بن محمود الخوارزمي المتوفى سنة 665 مسند لأبي حنيفة، أخذه من خمسة عشر مسندا، جمعها لأبي حنيفة علماء الحديث، ورتبه على أبواب الفقه مع حذف المعاد، وعدم تكرير الإسناد قال في خطبته: "وقد سمعت في الشام عن بعض الجاهلين بمقداره ما ينقصه، ويستصغره، وينسبه إلى قلة الحديث، ويستدل على ذلك بمسند الشافعي، وموطأ مالك. وزعم أنه ليس لأبي حنيفة مسند، وكان لا يروي إلا عدة أحاديث، فلحقتني حمية دينية، فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده، التي جمعها له فحل علماء الحديث -وسرد أسماءهم واحدا واحدا ثم قال: فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد، وترك تكرير الإسناد. ا. هـ.
وقال الحافظ، محمد بن يوسف الصالحي، الشافعي، محدث الديار المصرية في عقود الجمان: "كان أبو حنيفة من كبار حفاظ الحديث، وأعيانهم، ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه.
وذكره الذهبي في -طبقات الحفاظ، ولقد أصاب وأجاد". ا. هـ.
ثم قال في الباب الثالث والعشرين من عقود الجمان. "إنما قلت الرواية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

عنه وإن كان متسع الحفظ لاشتغاله بالاستنباط، وكذلك لم يرو عن مالك والشافعي، إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه للسبب نفسه، كما قلت رواية أمثال أبي بكر، وعمر من كبار الصحابة رضي الله عنهم، بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم وقد كثرت رواية من دونهم بالنسب إليهم". ا. هـ. ثم ساق أخبارا تدل على كثرة ما عند أبي حنيفة من الحديث، ثم سرد أسانيده في رواية مسانيد أبي حنيفة السبعة عشر لجامعيها، تدليلا على كثرة حديثه. هذا ولأبي حنيف مسانيد أخرى، غير السبعة عشر منها مسند أبي حنيفة للدارقطني، ومسنده لابن شاهين، ومسنده للخطيب، ومسنده لابن عقده.
وذكر البدر العيني في تاريخه الكبير: أن سند أبي حنيفة لابن عقده، يحتوي وحده على ما يزيد على ألف حديث، وابن عقدة كما قال السيوطي في "التعقبات" من كبار الحفاظ، وثقة الناس وما ضعفه إلا متعصب1. ا. هـ.
2- زعمهم أنه كان يقدم الرأي على الحديث زعم باطل على إطلاقه. بل كانت طريقته في الاستنباط ما قاله عن نفسه: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآثار الصحاح عنه، التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم فإذا انتهى الأم إلى إبراهيم والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب وعدد رجالا قد اجتهدوا فلي أن أجتهد كما اجتهدوا"2. ا. هـ. ومن ذلك ترى أنه يأخذ بقول الصحابي، إذا أعوزته السنة الصحيحة عنده، ويقدمه على اجتهاده فكيف ينسب إليه، أنه يقدم الرأي على السنة، بل نقول: إن الإمام كان شديد--------------------------------------------
1 تأنيب الخطيب ص156.
2 تاريخ التشريح للخضري ص244.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

التمسك بالسنة بدليل أنه كان يحتج بمراسيل الثقات، التي اشتهرت بين العلماء.
أما تشدده رحمه الله في شروط قبول الأحاديث، التي تروى آحادا، فكان مبعثه الاحتياط البالغ لدين الله، وذلك أن الوضع في عصره قد كثر كثرة مزعجة من الزنادقة، والمبتدعة فاضطره ذلك إلى تشدده في شرط الصحيح، ولهذا قال العلماء: "أن أبا حنيفة لم يخالف الأحاديث عنادا، بل خالفها اجتهادا لحجج واضحة، ودلائل صالحة وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران والطاعنون عليه أما حساد، أو جهال بمواقع الاجتهاد".
وما من إمام من الأئمة إلا رد كثير من الأحاديث، لعدم استيفائها شروط الصحة عنده، أو لظهور نسخها أو لقيام معارض لها، أو لغير ذلك من الأعذار المقبولة. وهذا مالك أمام دار الهجرة، وأمير المؤمنين في الحديث يخالف السنة في سبعين مسألة إلى رأيه لعدم استيفائها شروط العمل عنده1.
3- وأما عدم تخريج الشيخين له في صحيحيهما، فلا يدل على ضعفه في الحديث، فإنها لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة، ولا الأئمة الموثوق بهم، وإلا لزم تجريح كثير من الصحابة، وكثير من أئمة الهدى كالشافعي، ولا يقول بذلك أحد من المسلمين. ولعل السر في عدم تخريجهما لأمثال أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما، أنهما عنيا بجمع الحديث الصحيح، عمن لو ترك عندهم لمات بموته، لعدم وجود أتباع لهم أو لقلتهم أما أمثال--------------------------------------------
1 انظر جامع بيان العلم لابن عبد البر جـ2 ص148، شروط الأئمة الخمسة ص49-50، مقدمة ابن خلدون عند الكلام على علوم الحديث، ومقدمة القسطلاني على البخاري ص33.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

أبي حنيفة، والشافعي فإن لهم أصحابا يحملون عنهم أحاديثهم، يؤمن عليها من الضياع. هذا وربما كان عزوف الشيخين عن التخريج لأمثالهما هو اشتغالهم بفقه الأحاديث، واستنباط الأحكام منها لا بجمع طرقها، والانقطاع لحفظها وأدائها إنما كانوا يروون تلك الأحاديث على تلاميذهم خاصة في أثناء مجالسهم الفقهية، وأيضا قد يكون عدم تخريجهما لإمام من الأئمة؛ لأنه يقع الحديث بروايته نازلا، وبرواية غيره عاليا، فيقدمان العالي على النازل لما فيه من القرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك كله يتبين أن أبا حنيفة رحمه الله لم يكن قليل البضاعة في الحديث، ولم يكن يقدم رأيه عليه وأنه من كبار الحفاظ، الذين لهم خبرة واسعة بالحديث رواية، ودراية، وأن الطعن عليه بمثل ما تقدم لا يصدر إلا عن حاسد، أو جاهل، فلا ينبغي أن يغتر بما ذكره ابن خلدون في مقدمته من أن أبا حنيفة لتشدده في شروط الصحة، لم يصح عنده سوى سبعة عشر حديثا، ولا بالروايات الزائفة، التي ذكرها الخطيب البغدادي في كتابه -تاريخ بغداد- وفيها نسبة أبي حنيفة إلى ما هو بريء منه. وقد تصدى لتفنيد هذه الروايات الإمام الفقيه، المحدث الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري في كتاب خاص أسماه "تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب"، أجاد فيه، وأفاد فجزاه الله عن أمة الإسلام خيرًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

‌‌المبحث الرابع: تراجم لبعض مشاهير المحدثين في القرن الثاني
مالك بن أنس:
هو، الإمام الجليل مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر. ينتهي نسبه إلى ذي أصبح -قبيلة باليمن- قدم أحد أجداده إلى المدينة، وسكنها وجده أبو عامر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد معه المغازي كلها ما خلا بدرا. ولد مالك بالمدينة سنة ثلاث وتسعين، وأخذ العلم عن علماء المدينة، وأول من لازمه منهم عبد الرحمن بن هرمز، الذي أقام معه مدة طويلة من الزمان لم يشركه بغيره، وسمع نافعا مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر، وأبا الزبير، والزهري، وكثيرا من التابعين، وتابعيهم بلغ عددهم على ما يقال تسعمائة شيخ. من التابعين ثلثمائة، ومن تابعيهم ستمائة، وكلهم ممن اختاره مالك، وارتضى دينه وفقههه، وقيامه بحق الرواية، وشروطها، وخلصت الثقة به. كما ترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية، وأخذ عنه الحديث يحيى الأنصاري، والزهري، وهما من شيوخه، وينازع ابن عبد البر في رواية الزهري عن مالك. كذلك أخذ عنه ابن جريج، ويزيد بن عبد الله بن الهادي، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والليث، وابن المبارك والشافعي وابن علية وابن وهب، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وابن مهدي ومعن بن عيسى وخلائق لا يحصون غيرهم. أجمع العلماء على إمامته، وجلالته في الحديث ونقد الرواة، واستخراج الأحكام من الكتاب والسنة، وشهد له بذلك أقرانه وعلماء عصره. فذا حبيب الوراق يقول: دخلت على مالك فسألته عن ثلاثة رجال لم لم يرو عنهم، قال: فأطرق ثم رفع رأسه، وقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله -وكان كثيرًا ما يقولها- فقال: يا حبيب أدركت هذا المسجد، وفيه سبعون شيخا ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عن التابعين، ولم نحمل الحديث إلا عن أهله.
وكان مالك يقول: ربما جلس إلينا الشيخ، فيحدث نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا ما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث.
كان مالك ثبتا في الحديث عالما بالرجال، موثوقا به في كل ذلك حتى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

أخذ الحديث عنه شيوخه وأقرانه، ولما كانت المدينة هي منبع الحديث، ومهبط الوحي لم يرحل مالك عنها، لذا تجد معظم روايته عن أهل الحجاز، وقلما تجد في موطئه ذكرا لغيرهم، ورحل إليه الناس من الأقطار البعيدة يتلقون عنه الحديث والمسائل، لما سمعوا عن علمه ونباهة شأنه في علوم الحديث، والفقه وكانوا يزدحمون على بابه، ويقتتلون عليه من الزحام لطلب العلم.
امتحن مالك سنة 147 وضرب بالسياط، واختلف الناس في سبب ذلك فقيل: أنه أفتى بعدم وقوع طلاق المكره، وقد كانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة، فرأوا أن فتوى مالك تجعل الناس في حل من نقض البيعة، وقيل: إن ابن القاسم سأل مالكا عن البغاة يجوز قتالهم. فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قال: فإن لم يكن مثه. فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. فكانت هذه الفتوى سبب محنته، فضربه عامل المنصور بالمدينة سبعين سوطا، ولما بلغ ذلك المنصور غضب على عامله وعزله، ثم لقي المنصور مالكا من قابل في موسم الحج، فاعتذر إليه، وفاتحه في كثير من مسائل الدين، وطلب إليه أن يجمع ما ثبت لديه من الأحاديث، والآثار ويدونها في كتاب يوطئه للناس، فاعتذر الإمام عن ذلك فلم يقبل المنصور عذره، فألف كتاب الموطأ، ولما جاء المهدي حاجا بعد ذلك سمعه منه، ولم يزل مالك رحمه الله محل احترام الخلفاء، وإجلالهم وتقدير العلماء وتعظيمهم، وقد سمع منه الرشيد وأولاده االموطأ في موسم الحج. وقال له الرشيد:
أردت أن أعلق كتابك هذا في الكعبة، وأفرقه في الأمصار، وأحمل الناس عليه. فقال له مالك: لا تفعل، فإن الصحابة تفرقوا في الآفاق، ورووا أحاديث غير أحاديث أهل الحجاز، وأخذ الناس بها، فاتركهم وما هم عليه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

فقال له الرشيد: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله. وكان مالك رحمه الله كثير التواضع، جم الحياء عظيم الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه كان لا يركب دابة في المدينة، إجلالا لأرض ضمت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي رحمه الله سنة مائة وتسعة وسبعين بالمدينة، ودفن بالبقيع1.
يحيى بن سعيد القطان:
هو، أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي، ولاء البصري القطان إمام جليل، ومحدث كبير من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج وسعيد بن أبي عروبة، والثوري وابن عيينة، ومالك وشعبة وكثير غيرهم، وأخذ عنه الحديث السفيانان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وابن مهدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وخلائق غيرهم. اتفق العلماء على إمامته، وكثرة حفظه، وعلمه وصلاحه، وشهد له بذلك كثير من المحدثين، قال ابن حنبل: ما رأيت مثل يحيى القطان في كل أحواله، وقال فيه أيضا: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وهو أثبت من وكيع وابن مهدي، وأبي نعيم ويزيد بن هارون، وقد روى عن خمسين شيخا ممن روى عنهم سفيان. قال: ولم يكن في زمان يحيى مثله. وقال أبو زرعة: هو من الثقات الحفاظ. وقال ابن منجويه: كان يحيى القطان من سادات أهل زمانه حفظا، وورعا، وفقهاء، وفضلا ودينا وعلما، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات وترك--------------------------------------------
1 تهذيب الأساء ج2 ص75، الانتقاء لابن عبد البر، مفتاح السنة ص23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

الضعفاء. قال ابن سعد: توفي يحيى القطان في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة وكان مولده سنة 120هـ مائة وعشرين رحمه الله1.
وكيع بن الجراح:
هو، الحافظ الجليل، والمحدث الكبير، إمام أهل الكوفة في الحديث وغيره، أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي من أتباع التابعين.
أخذ الحديث عن الأعمش، وهشام بن عروة وعبد الله بن عون، وحنظلة بن أبي سفيان، وابن جريج، وشريك بن عبد الله، والأوزاعي والسفيانين وغيرهم. اتفق العلماء على جلالته، وكثرة علمه، وحفظه للحديث، وإتقانه له وصلاحه وفضله. كان أحمد بن حنبل إذا حدث عنه قال: حدثني من لم تر عيناك مثله وكيع بن الجراح. وقال فيه: ما رأيت رجلا قط مثل وكيع في العلم، والحفظ والإسناد، والأبواب، ويحفظ الحديث جيدا، ويذاكر بالفقه مع ورع، واجتهاد ولا يتكلم في أحد، وقال ابن معين: ما رأيت أحدا يحدث لله غير وكيع بن الجراح. وهو أحب إلي من سفيان وابن مهدي، وأبي نعيم، وما رأيت رجلا قط أحفظ من وكيع، ووكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه، وقال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمن وكيع أفقه، ولا أعلم بالحديث من وكيع. توفي وكيع سنة 197هـ، سبع وتسعين ومائة. وكان مولده سنة 127هـ2.
سفيان الثوري:
هو، أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق، الثوري، الكوفي الإمام الفذ. كان من تابعي التابعين. تلقى الحديث عن أبي إسحاق السبيعي--------------------------------------------
1 تهذيب الأسماء جـ2 ص154. تهذيب التهذيب جـ11 ص216.
2 تهذيب التهذيب جـ11 ص123، تهذيب الأسماء جـ2 ص144.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

وعبد الملك بن عمير، وعمرو بن مرة، وخلائق من كبار التابعين وغيرهم، وأخذ الحديث عنه محمد بن عجلان، والأعمش وهما تابعيان ومعمر والأوزاعي، ومالك وابن عيينة وشعبة، والفضيل بن عياش، وابن المبارك ووكيع، وأبو نعيم ويحيى بن القطان، وكثير من الأئمة الأعلام. اتفق العلماء على إمامته، وتقدمه في الحديث والفقه والورع والزهد، وخشونة العيش والقول بالحق، وغير ذلك من المحاسن. قال أبو عاصم: الثوري أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري. وقال يحيى بن معين: كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري، وقال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري. وقال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه والثوري في زمانه. وقال أيضا: أنا من غلمان الثوري، وما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه، وقال الأوزاعي -وقد ذكر ذهاب العلماء:
لم يبق منهم من يستمع عليه العامة بالرضى والصحة إلا الثوري، وقال عباس الدوري: رأيت ابن معين لا يقدم على الثوري في زمانه أحدا في كل شيء، وبالجملة فالثناء عليه مشهور، وهو أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة -مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والثوري، ولد الثوري سنة 97هـ، وتوفي بالبصرة سنة 161هـ إحدى وستين ومائة رضي الله عنه1.
سفيان بن عيينة:
هو، أبو محمد سفيان بن عيينة بن عمران، الكوفي ثم المكي الهلالي، ولاء، كان من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن الزهري، وعمرو بن--------------------------------------------
1 انظر تهذيب التتهذيب جـ4 ص111. تهذيب الأسماء جـ1 ص222.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

دينار، والشعبي. وعبد الله بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وخلائق من التابعين وغيرهم. وتلقى الحديث عنه الأعمش، والثوري، وابن جريج، وشعبة وهمام ووكيع وابن المبارك وابن مهدي والقطان، والشافعي وأحمد بن حنبل، وابن المديني وابن معين وابن راهويه، والحميدي وخلائق كثيرة لا يحصون من علماء الحديث والفقه. اتفق المحدثون على إمامته وفضله، وبعد شأوه في الحديث وحفظه. قال أبو حاتم وغيره:
أثبت الناس في حديث عمرو بن دينار بن عيينة، وكان أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة، وقال يحيى القطان في حياة سفيان: سفيان إمام من أربعين سنة وقال أيضا: ما رأيت أحسن حديثا من ابن عيينة، وقال الشافعي: ما رأيت أحدا أكف عن الفتيا من سفيان، وما رأيت أحدا أحسن لتفسير الحديث منه، وقال أحمد بن عبد الله: كان ابن عيينة حسن الحديث، وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث، وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. ومناقبه كثيرة مشهورة. ولد سفيان سنة 107هـ، وتوفي سنة 198هـ رضي الله عنه1.
شعبة بن الحجاج:
هو، أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد، العتكي الأزدي ولاء الواسطي، ثم البصري أصله من واسط، ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها.
وهو من تابعي التابعين إمام جليل، وحافظ كبير من أعلام المحدثين، وكبار المحققين. تلقى الحديث عن أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار والشعبي، وكثير من التابعين وغيرهم، وأخذ عنه الحديث الأعمش، وأيوب السختياني ومحمد بن إسحاق، وهم من التابعي والثوري وابن مهدي--------------------------------------------
1 تهذيب التهذيب جـ4 ص117. تهذيب الأسماء جـ1 ص224.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

ووكيع وابن المبارك ويحيى القطان، وكثير لا يحصون من كبار الأئمة.
أجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته، وتحريه واحتياطه وإتقانه. قال الإمام أحمد: لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه قسم له منه حظ، وروى عن ثلاثين رجلا من الكوفة، لم يرو عنهم سفيان الثوري، وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وقال حماد بن زيد: لا أبالي من يخالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، وإذا خالفني شعبة في شيء تركته، وقال سفيان الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال لمسلم بن قتيبة حين قدم من البصرة: ما فعل أستاذنا شعبة؟ وقال صالح بن محمد أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه يحيى القطان ثم أحمد بن حنبل وابن معين، وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن، يعني علم الحديث وأحوال الرواة، وقال عبد الصمد: أدرك شعبة من أصحاب ابن عمر نيفا وخمسين رجلا. توفي شعبة بالبصرة في أول سنة 160، ستين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة رحمه الله1.
عبد الرحمن بن مهدي:
هو، الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، العنبري البصري، اللؤلئي، إمام أهل الحديث في عصره، والمعول عليه فيه.
أخذ الحديث عن خالد بن دينار، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس والسفيانين، والحمادين وشعبة، وخلائق من أعلام المحدثين، وروى عنه ابن وهب وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم. اتفق الأئمة على جلالته ورسوخه--------------------------------------------
1 تهذيب التهذيب جت4 ص338. تهذيب الأسماء جـ1 ص244.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

في نقد الرجال وفحص الأحاديث مع الورع، والزهد، والأمانة. قال أحمد بن حنبل: كأن ابن مهدي خلق للحديث، وقال ابن معين: ما رأيت رجلا أثبت في الحديث من ابن مهدي، وعن علي بن المديني أنه قال غير مرة:
والله لو أخذت وحلفت بين الركن، والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي، وكان عبد الرحمن بن مهدي، يقول:
لا يجوز أن يكون الرجل إماما، حتى يعلم ما يصح ما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم، وجاءه رجل فقال:
يا أبا سعيد إنك تقول هذا ضعيف، وهذا قوي وهذا لا يصح. فعم تقول ذاك؟ فقال ابن مهدي: لو أتيت الناقد فأريته دراهم فقال: هذا جيد وهذا ستوق وهذا بهرج، أكنت تسأله عم ذاك أم تسلم الأمر إليه؟ فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه. فقال ابن مهدي: هذا كذلك. هذا بطول المجالسة، والمناظرة والمذاكرة، والعلم به، ولد سنة 135هـ، وتوفي سنة 198هـ رحمه الله1.
الأوزاعي:
هو، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الشامي، الدمشقي، كان إمام أهل الشام في عصره بلا نزاع. وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه، قبل انتقالهم إلى مذهب مالك رحمه الله، وهو من أتباع التابعين. سمع الحديث عن جماعات من التابعين، كعطاء بن أبي رباح، وقتادة ونافع مولى ابن عمر، والزهري، ومحمد بن المنكدر وغيرهم، وروى عنه جماعة من التابعين من شيوخه كقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير وجماعات من أقرانهم، وروى عنه أيضا من الأئمة الكبار سفيان ومالك--------------------------------------------
1 تهذيب الأسماء جـ1 ص304. تهذيب التهذيب جـ6 ص279.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

وشعبة، وابن المبارك وكثير غيرهم. أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته وعلو مرتبته وكمال فضله، كما اتفقوا على كثرة حديثه، وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة وبراعته في الفصاحة. عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة من الأوزاعي، وقال أيضا: الأئمة في الحديث أربعة. الأوزاعي ومالك، وسفيان الثوري وحماد بن زيد، وقال أبو حاتم: الأوزاعي إمام متبع لما سمع1، وعن هقل: "وهو أثبت الناس في الرواية عن الأوزاعي" قال: "أجاب الأزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها"، وكان علماء عصره يجلونه غاية الإجلال، ويكبرونه في أنفسهم ويعترفون له بالإمامة، والسبق والزهد والورع، والجهر بالحق. قيل لأمية بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول. قال: هو عندنا أرفع من مكحول. فقيل له: إن مكحولا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وإن كان قد رآهم فإن فضل الأوزاعي في نفسه. فقد جمع العبادة، والورع، والقول بالحق. وعن سفيان الثوري أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته، وكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ.--------------------------------------------
1 وأما قول الإمام أحمد في الأوزاعي. حديث ضعيف، فهو محمول عند المحققين كالبيهقي على أنه كان يحتج في بعض مسائل الفقه بالروايات الضعيفة، وهذا لا يضيره في الفقه، ولا في الحديث أما الأول؛ فلأن للعلماء في طرق الاستدلال على الأحكام مسالك مختلفة، وكثيرا ما يستدلون بالأحاديث المرسلة، والمنقطعة، والموقوفة لا سيما إذا تعددت طرقها، أو كان لا شواهد تؤيدها. وأما الثاني فقد كان من عادة المحدثين ألا يقصروا أنفسهم على رواية الصحيح من الأحاديث، بل يذكرون الموضوع لبيان حاله، والضعيف لجواز الاعتبار به، أو الاحتجاج إذا تعددت طرقه، أو أيدته الشواهد، أو لغير ذلك من المقاصد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)

ولد الأوزاعي رحمه الله سنة 88 من الهجرة. ومات سنة 157هـ في بيروت، وكان قد نزل بها مرابطا في أواخر عمره "تهذيب الأسماء 1-298".
الليث بن سعد:
هو، الإمام الكبير والفقيه البارع، والمحدث الحافظ، أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم المصري، كان من أتباع التابعين.
أخذ الحديث عن عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد المقبري، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبي الزبير، وكثير من التابعين وتابعيهم، وتلقى عنه الحديث محمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وقيس بن الربيع وابن المبارك، وابن وهب وابن لهيعة وعبد الله بن صلاح كاتبه، وكثير من الأئمة. أجمع العلماء على جلالته، وإمامته وعلو مرتبته في الفقه، والحديث وهو إمام أهل مصر في زمانه. قال الشافعي رحمه الله: كان الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أنه ضعيه أصحابه، وقال محمد بن سعد: كان الليث مولى لقريش، وكان ثقة كثير الحديث وصحيحه، وكان استقل بالفتوى ف زمانه بمصر، وكان سريا نبيلا سخيا، وقال أحمد بن حنبل: الليث كثير العلم صحيح الحديث ليس في هؤلاء المصريين أثبت منه ما أصح حديثه. وقال أيضا: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، كان فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن، والنحو ويحفظ الحديث، والشعر وحسن الذاكرة، وعد خصالا جميلة عنه حتى بلغ عشرا.
ولد الليث سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفي سنة 165 خمس وستين ومائة في قول ابن سعد1.--------------------------------------------
1 انظر تهذيب الأسماء جـ2 ص73، تهذيب التهذيب جـ8 ص459.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)

الإمام الشافعي، رضي الله عنه:
هو، أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس، بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأم الشافعي من الأزد. ولد الشافعي رحمه الله بغزة سنة 150هـ، ومات أبوه، وهو صغير فحملته أمه إلى مكة، وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه، فنشأ بها وقرأ القرآن وأقام في هذيل نحوا من عشر سنين، فعلم منهم اللغة والشعر، وأخذ الفقه والحديث، عن مسلم بن خالد الزنجي، مفتي مكة وغيره من الأئمة، ثم قدم المدينة فلزم مالكا رحمه الله، وأكرمه مالك لعلمه وفهمه وعقله وأدبه، وقرأ الموطأ عليه حفظا فأعجبته قراءته، فكان مالك يستزيده من القراءة لذلك، وكان للشافعي حين قدومه المدينة ثلاث عشرة سنة، ولفقهره ساعده مصعب بن عبد الله القرشي، قاضي اليمن عند هارون الرشيد، فولاه الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم وشى به إلى الرشيد أنه يروم الخلافة فاستقدمه الخليفة إلى بغداد سنة 184هـ، وعمره ثلاثون سنة، فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد، وأحسن محمد القول فيه، وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده، وأكرمه وكتب عنه الشافعي وقر بعير، وعاد الشافعي إلى مكة، ثم قدم العراق للمرة الثانية سنة 195هـ، فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة، منهم أحمد بن حنبل، وأبو ثور والحسين بن علي الكرابيسي، والزعفراني، وغيرهم، وصاروا يأخذون عنه، وأملى عليهم مذهبه القديم، ثم رجع إلى مكة، وفي سنة 198هـ رحل إلى العراق للمرة الثالثة، فأقام بها مدة يسيرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)

وفي أواخر سنة 199هـ انتقل إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات سنة 204هـ، وفي مصر ظهرت مواهبه، ومقدرته العلمية، وقصده الناس من سائر الأقطار للتفقه عليه والرواية عنه، وأملى على تلاميذه كتبه الجديدة، وفيها مذهبه المصري أو الجديد. وقد أجله المصريون حيا وميتا.
والشافعي، هو الإمام الذي نشر مذهبه بنفسه، بما قام به من الرحلات التي اكتسب فيها علوم الحجازيين، والعراقيين، وهو الذي كتب كتبه بنفسه وأملاها على تلاميذه، ولم يعرف هذا لغيره من كبار الأئمة.
عناية الشافعي رضي الله عنه بالسنة:
كان الشافعي رضي الله عنه أعلم أهل عصره بمعاني القرآن والسنة، وقد جمع في مذهبه بين أطراف الأدلة مع الإتقان، والتحقيق والغوص على المعاني، وهو صاحب الفضل على أهل الآثار، وحملة الحديث بتوقيفه إياهم على معاني السنة، ونصرهم على مخالفيهم بواضح البراهين.
فأيقظهم بعد أن كانوا غافلين، وأصبحت لهم الكلمة العليا بعد أن كانوا خاملين، وغلب في عرف العلماء على متبعي مذهبه لقب "أصحاب الحديث"، وكثيرا ما كان ينهى رضي الله عنه، عن ترك الكتاب والسنة إلى غيرهما من آراء الناس وأهوائهم. قال: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. وقال: حكمي في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في القبائل، وينادى عليه: "هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام"، وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث، فإنهم أكثر الناس صوابا.
وقال: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث، فكأنما رأيت رجلا من أصحابرسول الله صلى الله عليه وسلم. جزاهم الله خيرا حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل. ومن شعره في هذا المعنى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)