نشوءه في بيت النبوة، وذلك لأن خالته ميمونة كانت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وذات ليلة ضمّه الرسول وقال: «اللهم علّمه الكتاب والحكمة» (1).
وفي مرة أخرى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (2).
إضافة إلى حرصه الدائم على طلب العلم، واستعداده الفطري لتلقي العلوم، و … كل ذلك جعله ذا مكانة مرموقة، خاصة في التفسير، لذلك لقّب (بحبر الأمة)، ومدحه عليّ بقوله: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
كان منهجه في التفسير يعتمد على: تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة النبوية، ثم تفسير القرآن بالاجتهاد، والاعتماد كثيرا على اللغة العربية، وما إلى هنا لك.
2 - عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
لازم النبي صلى الله عليه وسلم في حلّه وترحاله، حتى بلغ مكانة عظيمة، ووهبه الله ذاكرة حافظة، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي- أبي بكر وعمر-، واهتدوا بهدي عمار، وما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه» (3).
وقال صلوات الله عليه: «من أراد أن يسمع القرآن غضّا طريّا كما أنزل فليقرأه- فليسمعه- من ابن أم عبد» (4).--------------------------------------------
(1) فتح الباري: 4/ 217.
(2) صحيح مسلم: 7/ 158.
(3) سنن الترمذي: رقمه (3887)، مسند أحمد: 5/ 385.
(4) مسند أحمد: رقمه (4255).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
ومنهجه التفسيري يشبه كثيرا منهج ابن عباس، فالقرآن يفسّره القرآن، ثم السنة تفسّر القرآن، ثم الاجتهاد.
3 - أبيّ بن كعب رضي الله عنه:
تكفيه شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي بها أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأقرؤهم لكتاب الله عز وجل أبيّ بن كعب».
لذلك اتخذه الرسول كاتبا للوحي، وشارك- كمشرف- في جمع القرآن زمن أبي بكر و … ، وانتهج في التفسير المنهج المعروف- والذي ذكرناه سابقا-.
4 - علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
عاش في أحضان البيت النبوي، ونشأ وترعرع وهو يرى عبادة الرسول وجهاده، ولما أصبح شابا تزوّج فاطمة رضي الله عنها، ووهبه الله نعمة الذاكرة والحفظ.
وأفضل طرق الرواية عنه، وأصحّها أيضا: رواية زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الحسين عن أبيه علي رضي الله عن الجميع.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
الفصل الرابع أهم أسباب الخلاف بين الصحابة في التفسير!!
في كتب التفسير- خاصة كتب التفسير بالمأثور- آراء كثيرة للصحابة، وذلك في مجالات تفسير آيات القرآن.
لكن الملاحظ أن هناك اختلافا في آرائهم، لكن هل هو خلاف تضادّ، أم هو خلاف تنوّع؟!
الإمام ابن تيمية رحمه الله تحدّث عن ذلك، وذكر طائفة من الأسباب التي تؤدّي إلى ذلك، فقال: (ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم).
ثم أكّد على فكرة أن الخلاف ليس إلا خلاف تنوّع، لا خلاف تضاد، وذلك بقوله: (إن الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصحّ عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد).
ثم وضع عدة أسباب أدّت إلى الخلاف بين الصحابة في التفسير، وأهمها:
أ- أن يعبّر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير صاحبه تدلّ على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمّى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة: (ومعلوم أن هذا ليس اختلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
تضاد كما يظنه بعض الناس، مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو القرآن، أي اتباعه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي-: «هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم».
وقال بعضهم هو الإسلام، لقوله صلوات الله عليه: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة» … «رواه الترمذي».
فهذان القولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن كل منهما نبّه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ (الصراط) يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنّة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، لكن وصفها كلّ بصفة من صفاتها).
ب- أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحدّ المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثال ذلك ما نقل في قوله تعالى:
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) (1).
فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيّع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، والسابقون أولئك المقربون.
ج- أن يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين: إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ (قسورة) الذي يراد به الرمي، ويراد به الأسد … ، وإما--------------------------------------------
(1) فاطر: 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
لكونه متواطئا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله تعالى: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) (1).
د- أن يعبّروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقلّ أن يعبّر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن، مثاله: قال أحدهم: (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ) (2) أي: تحبس، وقال الآخر: ترتهن، ونحو ذلك، فهذا اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، إذ قد يكون المحبوس مرتهنا، وقد لا يكون (3).
…--------------------------------------------
(1) النجم: 8 - 9.
(2) الأنعام: 70.
(3) للتوسع يراجع: مقدمة في أصول التفسير: 10 - 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
الفصل الخامس أهم مميزات تفسير الصحابة
يمتاز التفسير في عهد الصحابة بعدد من الميزات، أهمها:
أولا: لم يفسّر القرآن جميعه، وإنما فسّر بعض منه، وهو ما غمض فهمه، وهذا الغموض كان يزداد كلما بعد الناس عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فكان التفسير يتزايد تبعا لتزايد هذا الغموض، إلى أن تمّ تفسير آيات القرآن جميعها.
ثانيا: قلّة الاختلاف بينهم في فهم معانيه.
ثالثا: كانوا كثيرا ما يكتفون بالمعنى الإجمالي، ولا يلزمون أنفسهم بتفهّم معانيه تفصيلا، فيكفي أن يفهموا من مثل قوله تعالى: (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (1) أنه تعداد لنعم الله تعالى على عباده.
رابعا: الاقتصار على توضيح المعنى اللغوي الذي فهموه بأخصر لفظ، مثل قولهم في قول الله تعالى: (غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ) (2)، أي:
غير متعرّض لمعصية، فإن زادوا على ذلك فمما عرفوه من أسباب النزول.
خامسا: ندرة الاستنباط العلمي للأحكام الفقهية من الآيات القرآنية وعدم وجود الانتصار للمذاهب الدينية بما جاء في كتاب الله، نظرا--------------------------------------------
(1) عبس: 31.
(2) المائدة: 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
لاتحادهم في العقيدة، ولأن الاختلاف المذهبي لم يقم إلا بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم.
سادسا: لم يدوّن شيء من التفسير في هذا العصر، لأن التدوين لم يكن إلا في القرن الثاني للهجرة، نعم أثبت بعض الصحابة بعض التفسير في مصاحفهم، فظنها بعض المتأخرين من وجوه القرآن التي نزل بها من عند الله تعالى.
سابعا: اتخذ التفسير في هذه المرحلة شكل الحديث، بل كان جزءا منه وفرعا من فروعه، ولم يتخذ التفسير له شكلا منظما، بل كانت هذه التفسيرات تروى منثورة لآيات متفرقة، كما كان الشأن في رواية الحديث، فحديث صلاة بجانب حديث جهاد، بجانب حديث ميراث، بجانب حديث في تفسير آية … وهكذا.
وليس لمعترض أن يعترض علينا بتفسير ابن عباس، فإنه لا تصحّ نسبته إليه، بل جمعه الفيروزآبادي ونسبه إليه، معتمدا في ذلك على رواية واهية، هي رواية محمد بن مروان السدّي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذه هي سلسلة الكذب كما قيل (1).
أجل!
وهذه الميّزات التي امتاز بها تفسير الصحابة جعل من تفسيرهم حجّة يجب الأخذ بها، وفرّق العلماء بين أن يكون التفسير هو مجرّد آراء واجتهادات اجتهد بها بعض الصحابة، وبين أن يكون نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودون اجتهادات منهم، وما إلى هنالك.
فإذا كان تفسير الصحابة مما يرجع إلى أسباب النزول فحكمه حكم المرفوع، أما ما يكون للرأي فيه مجال ولم يسنده الصحابي إلى النبي صلوات الله عليه فحكمه حكم الموقوف، كما قال ابن الصلاح: (وأما--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون: 1/ 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
من قال: تفسير الصحابي مرفوع، فذاك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية، كقول جابر رضي الله عنه: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول!!
فأنزل الله تعالى: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (1) رواه مسلم، أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مدخل للرأي فيه، وغيره موقوف، وكذا يقال
في التابعي إلا أن المرفوع من جهته مرسل) (2).
…--------------------------------------------
(1) البقرة: 223
(2) مقدمة ابن الصلاح: 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
الفصل السادس ما هي القيمة العلمية لتفسير الصحابة؟
سئل الإمام ابن تيمية رحمه الله عن أحسن طريق للتفسير؟
فأجاب: إن أصحّ الطرق في ذلك أن نفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة فإنها شارحة للقرآن وموضّحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي:
كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن (1).
لكن إذا لم نجد في القرآن وفي السنة جوابا، فما العمل؟
العمل: أن نعود إلى تلكم الطائفة التي نقلت لنا القرآن والسنة، بكل أمانة ودقّة، وهم الصحابة الأكارم.
ونظرا لأهمية ذلك الجهد العظيم الذي قام به الصحابة رضي الله عنهم، فقد نقل المفسّرون في تفسيراتهم كثيرا من آراء الصحابة واجتهاداتهم، مثال ذلك ما أورده الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (2).
(اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله--------------------------------------------
(1) مقدمة في أصول التفسير: 93.
(2) الفاتحة: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
وللرسول، فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني يحيى بن يمان عن حمزة الزيات عن سعيد، وهو ابن المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) كتاب الله.
وروى الإمام أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور عن عليّ مرفوعا: (هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم).
وقد روي موقوفا عن علي رضي الله عنه، وهو أشبه، والله أعلم.
وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم: كتاب الله، وقيل: هو الإسلام.
قال الضحّاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال جبريل لمحمد عليهما السلام: (قل يا محمد: اهدنا الصراط المستقيم).
يقول: ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه.
وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: ذاك الإسلام.
وقال عبد الله بن عقيل عن جابر رضي الله عنه: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو الإسلام أوسع مما بين السماء والأرض.
وقال ابن الحنفية في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو الإسلام، وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال:
حدثنا الحسن بن سوار أو العلاء، حدثنا ليث- يعني ابن سعد- عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال:
ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم».
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد، ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر عن بقية بن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن النواس بن سمعان به، وهو إسناد حسن صحيح، والله أعلم) (1).
لكن هذا لا يعني أبدا أن نأخذ أقوالهم- أي: الصحابة- على الإطلاق دون أن نزنها بميزان القرآن والسنة!!
لقد صرّح المفسرون بكل وضوح بأنه لا عبرة بقول الصحابي، وذلك إذا خالف قوله قول القرآن أو السنة، لأن الأساس والأصل هو:
كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
مثال ذلك:
في قوله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) (2).
ذكر كتّاب السنّة أحاديث صحيحة تدل على أن المقصود بها هو--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم: 1/ 27 - 28.
(2) البقرة: 238.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
صلاة العصر (1) لكن بعض الصحابة الكرام، نقل عنهم غير ذاك التفسير، مما جعل بعض المفسّرين يرفضون أقوالهم في ذلك، مبررين الرفض بأنه يخالف الأصول، ولا يلتفت إلى كل ما يخالف الأصول، حتى لو كان ذلك قول أحد كبار الصحابة!!
(وأما ما روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما قالا: إن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، كما أخرجه مالك في الموطأ عنهما (2).
وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وكذلك غيره عن ابن عمرو وأبي أمامة، فكل ذلك من أقوالهم، وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا يمكن أن يدعى فيه التواتر، وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعد، من التابعين وتابعيهم بالأولى.
وهكذا لا اعتبار بما روي عن ابن عمر من قوله: إنها الظهر، وكذلك ما يروى عن عائشة وأبي سعيد الخدري وغيرهم، فلا حجّة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (والغرض أنك تطلب تفسير القرآن من القرآن، فإن لم تجده فمن السنّة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «فيم تحكم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه.--------------------------------------------
(1) يراجع: صحيح البخاري 4/ 80، صحيح مسلم: 1/ 436، سنن ابن ماجة:
1/ 224.
(2) الموطأ: 344.
(3) فتح البيان لصدّيق خان: 1/ 396.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماءهم وكبراءهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم (1).
وما أكثر ما استشهد العلماء بأقوال الصحابة، خاصة في: معرفة المكي والمدني، وبيان معنى الآيات، ومعرفة القراءات والأحكام، ومعرفة أسباب النزول، ونحو ذلك (2).--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم: 1/ 7 - 8.
(2) للتوسع يراجع كتاب: علوم القرآن الكريم؛ للمؤلف: 365 - 392.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
الفصل السابع هل يجوز أن تفسّر الآيات القرآنية بالشّعر؟!
سؤال يطرح نفسه: هل يجوز الاستعانة بالشّعر في تفسير كتاب الله؟!
هناك خلاف في المسألة، قال أبو بكر الأنباري رحمه الله تعالى:
(قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشّعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن، وقالوا: وكيف يجوز أن يحتجّ بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث؟
وللإجابة عن ذلك يقول: وليس الأمر كما زعموه من أنّا جعلنا الشعر أصلا للقرآن، بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى يقول: (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) (1).
ويقول: (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (2).
لكن هل يجوز الاستشهاد والاستعانة بأي نوع من أنواع الشعر لتفسير كتاب الله سبحانه؟
أبدا، فهناك طبقات للشعراء، فمنهم من يحتجّ بأقوالهم، ومنهم من لا يحتج.--------------------------------------------
(1) الزخرف: 3.
(2) الشعراء: 195.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
كما قال البغدادي: (الكلام الذي يستشهد به نوعان: شعر وغيره، فقائل الأول، قد قسّمه العلماء على طبقات أربع:
الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم من كانوا قبل الإسلام، كامرئ القيس والأعشى.
الطبقة الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد، وحسان.
الطبقة الثالثة: المتقدمون، ويقال لهم الإسلاميون، وهم الذي كانوا في صدر الإسلام، كجرير والفرزدق.
الطبقة الرابعة: المولّدون، ويقال لهم المحدثون، وهم من بعدهم إلى زماننا، كبشار بن برد وأبي نواس وغيرهم.
فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعا، وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها.
وأما الرابعة: فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا، وقيل:
يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشري .. ) (1).
وتدلّ كتب التفاسير على أن أكثر واحد من الصحابة قد اعتمد على الشّعر في حلّ غريب القرآن، ونذكر منهم ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن.
وروى السيوطي وغيره قوله رضي الله عنه: (الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه).
ورحم الله الإمام السيوطي فقد جمع مسائل تتعلق باعتماد الصحابة على تفسير القرآن بالشّعر، وأطلق عليها (مسائل نافع ابن الأزرق) وهي--------------------------------------------
(1) خزانة الأدب: 1/ 3 - 4/.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
أسئلة قدّمت إلى ابن عباس، فأجاب عليها مستشهدا بشعر العرب، وتتجاوز (187) مسألة، منها:
1 - قال نافع لابن عباس:
أخبرني عن قول الله تعالى: (أَلَدُّ الْخِصامِ) (1) فقال ابن عباس: الجدل: المخاصم في الباطل.
فقال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس: أما سمعت قول مهلهل:
إن تحت الأحجار حزما وجودا … وخصيما ألدّ ذا مغلاق
2 - قال نافع:
أخبرني عن قوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (2).
قال ابن عباس: النقير: ما في شقّ النواة، ومنه تنبت النخل.
قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس: أما سمعت قول الشاعر:
وليس الناس بعدك في نقير … وليسوا غير أصداء وهام
3 - قال نافع لابن عباس:
أخبرني عن قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) (3).
قال ابن عباس: الوسيلة: الحاجة.
قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك.
قال ابن عباس: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول:
إن الرجال لهم إليك وسيلة … إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
4 - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا) (4).--------------------------------------------
(1) البقرة: 204.
(2) النساء: 124.
(3) المائدة: 35.
(4) مريم: 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
قال ابن عباس: رحمة من عندنا.
فقال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس: نعم، أما سمعت طرفة بن العبد يقول:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
5 - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) (1).
قال ابن عباس: سلّطنا.
قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس: أما سمعت قول لبيد:
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا … يوما يصيروا للهلك والنّفد
6 - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (2).
قال ابن عباس: السفينة الموقورة.
قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:
شحنّا أرضهم بالخيل حتى … تركناهم أذل من الصراط
7 - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (وَدُسُرٍ) (3).
قال ابن عباس: الدسر: الذي تخرز به السفينة.
قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس: أما سمعت قول الشاعر:
سفينة نوتيّ قد احكم صنعها … منحّتة الألواح منسوجة الدسر--------------------------------------------
(1) الإسراء: 16.
(2) الشعراء: 119.
(3) القمر: 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
8 - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (1).
قال ابن عباس: غير منقوص.
قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس: أما سمعت قول زهير:
فضل الجواد على الخيل البطاء فلا … يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا
إلى غير ذلك من بقية المسائل التي استشهد ابن عباس في إجاباته عنها بأبيات من الشعر (2).
…--------------------------------------------
(1) القلم: 3.
(2) للتوسع يراجع: الإتقان في علوم القرآن: 1/ 175 - 190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
الباب الثالث تطبيقات عملية من تفسير الصحابة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
الفصل الأول التفسير المأثور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قام أحد الباحثين بجمع ما ورد عن عمر رضي الله عنه من كتب التفسير وكتب الأحاديث، فكان كتابا جامعا، عنوانه: (التفسير المأثور عن عمر بن الخطاب) للدكتور إبراهيم بن حسن، نأخذ منها ما يلي:
1 - في قول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (1).
أخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عمر رضي الله عنه قال:
ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجّهت قبل البيت (2).
2 - في قول الله تعالى: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (3).
أخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمر رضي الله عنه أنه قال:
يا أهل مكة! اتقوا الله في حرمكم هذا، أتدرون من كان ساكن--------------------------------------------
(1) البقرة: 115.
(2) الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي: 1/ 109.
(3) البقرة: 126.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)