Arabic source text

📘 মানহাজুল ইমামিত তাহির বিন আশুর ফিত তাফসীর (নাবিল আহমদ সকর)

📘 منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير (نبيل أحمد صقر)

📘 মানহাজুল ইমামিত তাহির বিন আশুর ফিত তাফসীর (নাবিল আহমদ সকর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مع وجود الاختلاف فيها بين الضاد والظاء فى القراءات المتواترة، بأن قال «ليس هذا بخلاف الكتاب لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما فى المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى فهذا قد يتشابه ويتدانى» أهـ
يريد بهذا الكلام أن ما رسم فى المصحف الإمام ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة، أى أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب.
وهاهنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس. ولا أرى للاعتذار عن ذلك لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما وهى التى قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان بن عفان، وأو كلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين.
وإذ تواترت قراءة" بضنين" بالضاد الساقطة و" بظنين" بالظاء المشالة علمنا أن الله أنزله بالوجهين وأنه أراد كلا المعنيين (1).
والمعنى الأول يقول عنه ابن عاشور:
«ومعنى" ضنين" بالضاد الساقطة، فهو البخيل الذى لا يعطى ما عنده، مشتق من الضنّ، بالضاد مصدر ضن، إذا بخل، ومضارعه بالفتح والكسر …
أى ما صاحبكم ببخيل أى بما يوحى إليه، وما يخبر به عن الأمور الغيبية طلبا للانتفاع بما يخبر به بحيث لا ينبئكم عنه إلا بعوض تعطونه» (2).
والمعنى الثانى يقول عنه ابن عاشور:
«وأما معنى" ظنين" بالظاء المشالة فهو فعيل بمعنى مفعول، مشتق من الظن بمعنى التهمة، أى مظنون، ويراد أنه مظنون به سوء، أى أن يكون كاذبا فيما يخبر به عن الغيب» (3).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 161 - 162.
(2) المصدر السابق، ج 3، ص 162.
(3) التحرير والتنوير، ج 3، ص 163.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

أى أن معنى" ضنين" وهى القراءة التى توافق خط المصحف الإمام" البخيل"، ومعنى" ظنين" وهى من القراءة التى لا توافقه" الكذاب".
والمعنيان يتوافقان، فهما ينفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بخيلا فيما أخبر به من الغيب إلا بمقابل كما يفعل الكهان والعرّاف الذين كانوا يزعمون أنهم يتلقون الأخبار عن الجن، وهم فى ذلك كاذبون.
وذكر ابن عاشور فى قوله تعالى:
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (سورة النجم: الآية 50).
«وقرأ الجمهور" وثمودا" بالتنوين على إطلاق اسم جد القبيلة عليها.
وقرأ عاصم وحمزة بدون تنوين على إرادة اسم القبيلة» (1).
وهما قراءتان توافقان خط المصحف، والتفسير بالقراءة الأخرى منهما ترجيح لمعنى قائم فى الآية المذكورة.
وفى قوله تعالى:
رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ سورة الطلاق: الآية 1.
وذكر ابن عاشور:
«وقرأ الجمهور" مبيّنة" بكسر الياء التحتية، أى هى تبين لمن تبلغه أنها فاحشة عظيمة فإسناد التبيين إليها مجازيا باستعارة التبيين للوضوح، أو تبيين لولاة الأمور صدورها من المرأة، فيكون إسناد التبيين إلى الفاحشة مجازا عقليا--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 27، ص 154.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

وإنما المبين ملابسها وهو الإقرار والشهادة فيحمل فى كل حالة على ما يناسب معنى التبيين.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم مبينة بفتح التحتية، أى كانت فاحشة ببنتها الحجة، أو بينها الخارج ومحمل القراءتين واحد.
ووصفهما بمبينة إما أن يراد به أنها واضحة فى جنس الفواحش. أى فاحشة عظيمة وهذا المقام يشعر بأن عظمها هو عظم ما يأتيه النساء من أمثالها عرف وإما أن يراد به مبينة الثبوت للمدة التى تخرج» (1).
فقراءة الجمهور" مبيّنة" بكسر الياء التحتية وهو ما عليه المصحف الإمام، هى تبين ولى الأمر الذى يقيم الحد بعد الإقرار والشهادة.
والقراءة الأخرى" مبيّنة" بفتح الياء التحتية أى إن كانت فاحشة بينتها الحجة، وهى قراءة توافق خط المصحف، والتفسير بها هنا هو استظهار للمعنى المقصود من الآية.
وذكر فى قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (سورة الإسراء: الآية 31).
«وقرأ الجمهور" خطئا"- بكسر الخاء وسكون الطاء بعدها همزة- إى إنما- وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر" خطا" بفتح الخاء وفتح الطاء- والخطأ ضد الصواب، أى أن قتلهم محض خطأ ليس فيه ما يعذر عليه فاعله.
وقرأ ابن كثير" خطاء" بكسر الخاء وفتح الطاء وألف بعد الطاء بعده همزة ممدودا، وهو فعال من خطئ إذا أجرم، وهو لغة فى خطء، وكأن الفعال--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 28، ص 300، 301.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

فيها للمبالغة، وأكد" إن" لتحقيقه ردا على أهل الجاهلية إذا كانوا يزعمون أن وأد البنات من السداد، ويقولون: دفن البنات من المكرمات، وأكد أيضا بفعل" كان" لإشعار" كان" بأنه كونه إنما أمرا مستقرا» (1).
والقراءة الأولى ما عليه المصحف الإمام، وما قرأه الآخرون وهو مما يوافقه يمكن التفسير به على أن يكون ترجيحا لما تقصده الآية.

‌‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:
لم يسلم كثير من كتب التفسير من الاستعانة بالإسرائيليات خصوصا المواطن التى أجمل فيها القرآن أخبار الأمم الماضية والحوادث الغابرة وسير الأنبياء والمرسلين وأحوال الناس معهم.
ومن أمثال هذه الكتب تفسير الطبرى والثعلبى (2) والبغوى (3) وابن كثير والزمخشرى (4) والسيوطى وغيرهم، على اختلاف فى تقبلها، أو التنبيه على زيفها، أو
الالتفات إلى عدم جدوى الكثير منها.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 15، ص 89.
انظر أمثلة أخرى: ج 13، ص 230، 250. ج 14، ص 116، 136، 152، 167. ج 15، ص 36، 69، 89. ج 28، ص 86، 254، 289، 355. ج 30، ص 149، 161، 176، 184، 230، 333، 339، 466، 538.
(2) انظر د. محمد حسين الذهبى: الإسرائيليات فى التفسير والحديث، ص 131، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 3، 1406 هـ- 1986 م. وذكر الذهبى عن تفسير الثعلبى المسمى" الكشف والبيان عن تفسير القرآن": «هذا التفسير لا يزال مخطوطا إلى اليوم، ومنه نسخة غير كاملة بمكتبة الأزهر الشريف فى أربع مجلدات كبار وهو يجرى على طريقة التفسير بالمأثور دون ذكر الأسانيد وكان أبرز الجوانب فى تفسير الثعلبى هو الجانب القصصى الإسرائيلى» المصدر السابق، ص 125.
(3) انظر د. محمد إبراهيم الشريف البغوى الفراء وتفسيره للقرآن الكريم ص 475" الإسرائيليات عند البغوى وأثر الثعلبى فيها"، مطبعة المدينة- القاهرة، 1406 - 1986 م.
(4) انظر د. مصطفى الصاوى الجوينى: منهج الزمخشرى فى تفسير القرآن وبيان إعجازه"، ص 161 وما بعدها، دار المعارف بمصر، 1959 م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

وقد ترجع أسباب الاستعانة بهذه الإسرائيليات عند هؤلاء المفسرين إلى ما ذكره ابن الصلاح: «لا يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فى الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام لبيان ضعفها فيما سوى صفات الله، وأحكام الشريعة من الحلال والحرام، وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعبادات» (1).
ومهما يكن من أمر فإن رجال العلم الإسلامى ونقاده قد نبهوا كثيرا إلى ما تحمله هذه الإسرائيليات من خرافات وأباطيل، يقول جولد تسيهر:
«التفسير الذى يرفضه الجادون من الناس بدا فى تحذير أحمد بن حنبل مقترنا فى مجموعة واحدة من الأساطير المحفوفة بالأسرار والخرافات عن الحروب وميادين التصورات الاختيارية مما يعوزه السند المؤيد الذى يتطلبه العلم الدينى الإسلامى منذ عهده المبكر من قديم، شرطا فى المعرفة الجديرة بالوثوق» (2).
ويقول ابن حزم عن موقف المسلمين من هذه الإسرائيليات وعن الذين نقلت عنهم من بنى إسرائيل:
«فما نزل القرآن والسنة عن النبى- صلى الله عليه وسلم بتصديقه--------------------------------------------
(1) أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى المعروف بابن الصلاح (ت 643 هـ) علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح، ص 39، مطبعة السعادة، القاهرة 1326 هـ.
ويقول ابن خلدون: «إن هذه الإسرائيليات ليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى فيها الصحة التى يجب العمل بها، وتساهل المفسرون فى مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات» مقدمة ابن خلدون، ص 349، ط مصطفى محمد.
وانظر صحيح البخارى بشرح السندى، ج 3، ص 99 - 100، باب" قالوا اتخذ الله ولدا"، دار إحياء الكتب المصرية، القاهرة، عيسى البابى الحلبى.
(2) اجنتس جولد تسيهر، مذاهب التفسير الإسلامى، 75، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، مكتبة الخانجى، القاهرة، 1374 هـ- 1955 م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

صدقنا به، وما نزل النص بتكذيبه، أو ظهر كذبه كذّبنا به، وما لم ينزل نص بتصديقه أو تكذيبه، وأمكن أن يكون حقا أو كذبا، لم نصدقهم ولم نكذبهم، وقلنا ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقوله، كما قلنا فى نبوة من لم يأتنا باسمه نص» (1).
ولم يلجأ ابن عاشور إلى الإسرائيليات فى تفسيره، واستعان بأقوال من التوراة والإنجيل فى تفصيل ما أجمل من قصص الأنبياء فى القرآن الكريم.
وقد رأينا موقفه من أحاديث فضائل السور ورفضه لها، وموقفه من الأحاديث الضعيفة ونقده للسند أو المتن واعتماده على أوثق مصادر الأحاديث وخصوصا صحيح البخارى وصحيح مسلم، كما رأينا استعانته بأقوال الصحابة والتابعين فى الحدود التى قبلها نقاد العلم الإسلامى أو علماء الأصول.
كذلك رأينا عدم إسرافه فى الاستعانة بأسباب النزول أو المنسوخ من الآيات، ورأيناه كذلك لم يلجأ إلى الحشو والمبالغة فى التفسير بالقصص، واعتمد فى تفسيره بالقراءات على الصحيح أو المشهور منها، أما الشاذ منها فكنت شاهدا لغويا فحسب.
فما هى الضوابط التى وضعها عند استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل؟
وقد تعيننا الأمثلة التالية على معرفة هذه الضوابط، ذكر فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (سورة البقرة: الآية 67).--------------------------------------------
(1) أبو محمد على بن أحمد بن حزم الظاهرى (ت 456 هـ) " الفصل فى الملل والأهواء والنحل"، ج 1، ص 216، المطبعة الأدبية، 1317 هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

«تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بنى إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات فى المسألة والإلحاح فيها، إما للتعصى من الامتثال، وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لا قصد إليه.
قيل إن أول هذه القصة هو المذكور بقوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها (1) الآيات، وإن قول موسى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ناشئ عن قتل النفس المذكورة، وإن قول موسى قدم هنا لأن خطاب موسى عليه السلام لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم فى تلقى التشريع وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤا والإعنات فى المسألة، فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم، هكذا ذكر صاحب الكشاف والموجهون لكلامه، ولا يخفى أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضى إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منهما بقوله:" وإذ" مع بقاء الترتيب، على أن المذام قد تعرف بحكايتها والتنبيه عليها بقوله أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ وقوله وَما كادُوا يَفْعَلُونَ.
فالذى يظهر لى أنهما قصتان أشارت الأولى وهى المحكية هنا إلى أمر موسى إياهم بذبح بقرة، وهذه هى القصة التى أشارت إليها التوراة فى السفر الرابع، وهو سفر التشريع الثانى (تثنية) فى الإصحاح 21 أنه «إذا وجد قتيل لا يعلم قاتله فإن أقرب القرى إلى موقع القتيل يخرج شيوخها ويخرجون عجلة من البقرة لم يحرث عليها ولم تنجر بالنير فيأتون بها إلى واد دائم السيلان لم يحرث ولم يزرع ويقطعون عنقها هنالك ويتقدم الكهنة من بنى لاوى فيغسل شيوخ تلك القرية أيديهم على العجلة فى الوادى ويقولون لم تسفك أيدينا هذا الدم ولم تبصر أعيننا سافكه فيغفر لهم الدم» (2) أ. هـ--------------------------------------------
(1) سورة البقرة: الآية 72.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 564.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

وفى قوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا سورة آل عمران: 38.
ذكر ابن عاشور:
«عد هذا فى فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأن أبا التريبة يكسب خلقه وصلاحه مرباه.
وزكرياء كاهن إسرائيلى اسمه زكرياء من بنى أبيا بن باكر بن بنيامين من كهنة اليهود، جاءته النبوءة فى كبره وهو ثانى من اسمه زكرياء من أنبياء بنى إسرائيل وكان متزوجا امرأة من ذرية هارون اسمها" اليصابات" وكانت امرأته نسيبة مريم كما فى إنجيل لوقا، قيل: كانت أختها، والصحيح أنها كانت خالتها، أو من قرابة أمها، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحبار بنى إسرائيل حرصا على كفالة بنت حبرهم الكبير، واقترعوا على ذلك كما يأتى، فطارت القرعة لزكرياء، والظاهر أن جعل كفالتها للأحبار لأنها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربى تربية صالحة لذلك» (1).
وعن اسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم والتبشير بدعوته على لسان عيسى عليه السلام، ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ سورة الصف: الآية 6.
«ويصح اعتبار" أحمد" تفضيلا حقيقيا فى كلام عيسى عليه السلام،--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 235.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

أى مسماه أحمد منى، أى أفضل، أى فى رسالته وشريعته، وعبارات الإنجيل تشعر بهذا التفضيل، ففي إنجيل يوحنا فى الإصحاح الرابع عشر «وأنا أطلب من الأب (أى من ربنا) فيعطيكم (فارقليط) آخر ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه» ثم قال: وأما الفارقليط الروح القدس الذى سيرسله الأب (الله) باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم (أى فى جملة ما يعلمكم أن يذكركم بكل ما قلته لكم) وهذا يفيد تفضيله على عيسى بفضيلة دوام شريعته المعبر عنها بقول الإنجيل: «ليثبت معكم إلى الأبد» وبفضيلة عموم شرعه للأحكام المعبر عنه بقوله «يعلمكم كل شىء».
والوصف ب" أحمد" على المعنى الثانى فى الاسم: أن سمعته وذكره فى جيله والأجيال بعده موصوف بأنه أشد ذكر محمود وسمعة محمودة. وهذا معنى قوله فى الحديث: «أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة» وأن الله يبعثه مقاما محمودا.
ووصف" أحمد" بالنسبة إلى المعنى الثالث فى الاسم رمز إلى أنه اسمه العلم يكون بمعنى" أحمد"، فإن لفظ محمد اسم مفعول من حمد المضاعف الدال على كثرة الحامدين إياه كما قالوا: فلان ممدح، إذا تكرر مدحه من مادحين كثيرين.
فاسم" محمد" يفيد معنى: المحمود حمدا كثيرا ورمز إليه بأحمد.
وهذه الكلمة الجامعة التى أوحى الله بها إلى عيسى عليه السلام أراد الله بها أن تكون شعارا لجميع صفات الرسول الموعود به صلى الله عليه وسلم، صيغت بأقصى صيغة تدل على ذلك إجمالا بحسب ما تسمح اللغة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

بجمعه من معانى. ووكل تفصيلها إلى ما يظهر من شمائله قبل بعثته وبعدها ليتوسمها المتوسمون ويتدبر مطاويها الراسخون عند المشاهدة والتجربة.
جاء فى إنجيل متى فى الإصحاح الرابع والعشرين قول عيسى «ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرا ولكن الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة
الملكوت هذه فى كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يكون المنتهى»، ومعنى يكرز: يدعو وينبئ، ومعنى يصير إلى المنتهى: يتأخر إلى قرب الساعة.
وفى إنجيل يوحنا فى الإصحاح الرابع عشر «إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر يثبت معكم إلى الأبد». و (فارقليط) كلمة رومية، أى بوانية تطلق بمعنى المدافع أو المسلح، أى الذى يأتى بما يدفع الأحزان والمصائب، أى يأتى رحمة، أى رسول مبشر، وكلمة أخرى صريحة فى أنه رسول مثل عيسى.
وفى الإصحاح الرابع عشر «والكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للذى أرسلنى وبهذا كلمتكم وأنا عندكم (أى مدة وجودى بينكم) وأما (الفارقليط) الروح القدس الذى سيرسله الأب باسمى، فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته (ومعنى" باسمى" أى بصفة الرسالة) لا أتكلم معكم كثيرا لأن رئيس هذا العالم يأتى، وليس له فى شىء ولكن ليفهم العالم أنى أحب الأب وكما أوصانى الأب أفعل».
وفى الإصحاح الخامس عشر منه: «ومتى جاء الفارقليط الذى سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذى من عند الأب ينبثق فهو يشهد لى» (1).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 28، ص 184 إلى 186.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

«وقد ورد فى سفر التكوين من التوراة ذكر امرأة نوح مع الذين ركبوا السفينة وذكر خروجها من السفينة بعد الطوفان ثم طوى ذكرها لما ذكر الله بركته نوحا وبنيه وميثاقه معهم فلم تذكر معهم زوجته. فلعلها كفرت بعد ذلك أو لعل نوحا تزوج امرأة أخرى بعد الطوفان لم تذكر فى التوراة» (1).
وعند تحديد ضوابط الاستعانة بمثل هذه الأقوال من التوراة والإنجيل من خلال الأمثلة السابقة فقد ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً … الآية، ما تعرضت له الآية من ذكر قصة من قصص بنى إسرائيل، ثم نوّه بما جاء فى الكشاف والموجهين لكلامه، وأن تقديم جزء القصة لا يقتضى إلا تفكيكها إلى قصتين، الأولى وهى المحكية فى هذه الآية وهى التى أشارت إليها التوراة فى السفر الرابع" سفر الخروج" ثم نقل ابن عاشور نصها.
وفى المثال الثانى كان عن ثانى ما اسمه زكريا من أنبياء بنى إسرائيل وزوجته" اليصابات" كما فى إنجيل لوقا.
وفى المثال الثالث كان عن تبشير عيسى عليه السلام ببعثة الرسول- صلى الله عليه وسلم وما سيكون لدعوته وشريعته من بقاء ومكانة، كما جاء فحوى عبارات الإنجيل سواء إنجيل يوحنا أم إنجيل متى.
وفى المثال الأخير كان النقل من التوراة عن انطواء ذكر امرأة نوح، وتعليل ابن عاشور لهذا الانطواء.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 28، ص 374، 375.
وانظر أمثلة أخرى: ج 1، ص 430. ج 2، ص 306، 486. ج 6، ص 173. ج 7، ص 70، 311. ج 13، ص 48. ج 16، ص 84، 214. ج 17، ص 126. ج 23، ص 259.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

واستعانة ابن عاشور ببعض ما جاء من التوراة والإنجيل كانت من قبيل تفصيل ما أجمل من القصص القرآنى، وليس لهذه الأقوال من خطر سواء فى العقيدة أم التشريع، كما أنها ليست من قبيل الحشو والاستهواء اللذين نراهما فى الإسرائيليات التى زجّها بعض المفسرين فى كتبهم وقبولها دون تحقيق.
ومهما يكن من أمر فقد أكثر العلماء من التنبيه على خطورة المرويات الإسرائيلية فى كتب التفسير أيا ما كانت اتجاهات أصحابها، وأنسب ما نستطيع التذكير به فى هذا الأمر هو قول الشيخ أحمد محمد شاكر عن مرويات بنى إسرائيل: «إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شىء، وذكر ذلك فى تفسير القرآن وجعله قولا، أو رواية فى معنى الآيات، أو فى تعيين ما لم يعيّن فيها، أو فى تفصيل ما أجمل فيها شىء آخر، لأن فى إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذى لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لقول الله تعالى، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم (1) فأى تصديق لروايتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها موضع التفسير والبيان» (2).
ومن ثم يمكن القول إن ابن عاشور لم يقع فى شرك الإسرائيليات وأكاذيبها، وكانت استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل فى الحدود التى تلقى بعض الأضواء على أحداث تاريخية لم يدر حولها خلاف يذكر، أو تمس العقيدة الإسلامية ولا أحكامها، وكانت بعيدة عن الرغبة فى استهواء القراء وجمع الأقوال فحسب، كما يفعل بعض المفسرين الذى استهوتهم هذه الإسرائيليات.
…--------------------------------------------
(1) انظر صحيح البخارى، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل.
(2) عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير، اختصار وتحقيق أحمد محمد شاكر، ج 1، ص 15، دار المعارف، مصر، 1956 م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

تلك هى مقومات التفسير بالرواية عند ابن عاشور فى تفسيره" التحرير والتنوير"، ولم يكن فيها مقلدا يقبل الروايات أو الأقوال دون إعمال العقل، وإنما كان واعيا بقيمة كتب التراث الإسلامى فى ميدان التفسير الذى يمثل جانبا مهما من ضمير الأمة وتاريخها، يتعامل مع هذا التراث بتفتح فكرى، يأخذ منه ما يأخذ، ويرفض منه ما
يرفض، يأخذ من أعلى مصادره توثيقا، وما يتطابق مع الفكر النيّر بعد تحقيق وتحليل، ويرفض ما دون ذلك معللا أسباب الرفض، مقتنعا بالمحتوى الأصيل من هذا التراث، مبتعدا عن سلطان التعوّد والقبول بلا مناقشة.
إن محاولة تصفية جانب كبير من التراث الإسلامى من شوائب كثيرة علقت به تمت فى" التحرير والتنوير" بنجاح لا يمكن إنكاره، ولعل الاسم الذى اختاره ابن عاشور لتفسيره هذا يؤكد عزمه على ذلك بعد وضوح الهدف أمامه، حيث اعتمد تحقيق هذا الهدف على عقل مستنير استطاع به صاحبه النفاذ إلى هذا التراث والإلمام بالتيارات المختلفة التى صاحبت تسجيله، والاتجاهات المتضاربة التى اختلفت عليه ليخرج لنا بأصفى ما يمكن الخروج به من النصوص والمأثورات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

‌‌الباب الثالث منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالدراية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

‌‌تمهيد:
من المقرر الثابت أن تكون القواعد التالية أمام من يفسر القرآن بالرأى:
- إن مجال الرأى فيما لا نص فيه سواء من القرآن أم من السنة الصحيحة، أم ما أجمع عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- العلم الصحيح بما فى القرآن من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام، والمبين والمبهم، والمقطوع والموصول، والفرائض والأحكام.
- أن تتوفر له الخبرة اللازمة بالأسانيد والمتون ليعرف الصحيح منها والسقيم.
- أن يكون ملما بتاريخ الفقه وأصوله واختلاف أئمة المذاهب الفقهية وأصحابهم، فأعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.
- العلم بلغة العرب «المفردات والترادف والاشتراك اللغوى والاشتقاق والإعراب والصرف والشعر» والقراءات والبلاغة وعلومها" الفصاحة والبيان والبديع".
- أن يكون منزها عن آراء العوام، بعيدا عن جعل تفسير كتاب الله لحزب أو هوى.
- أن يتمتع بالذوق الكريم، والموهبة اللازمة، والخشوع التام، صادق الرغبة فى الاستعانة بنور الله تعالى (1).--------------------------------------------
(1) راجع- إن شئت-
- البرهان فى علوم القرآن، الزركشى، ج 1، ص 13.
- البحر المحيط، ابن حيان الأندلسى، ج 1، ص 7، مكتبة النصر الحديثة، الرياض.
- مقدمة فى أصول التفسير، ابن تيمية، ص 29، منشورات مكتبة الحياة، بيروت- لبنان، 1980 م.
- التفسير والمفسرون، د. محمد حسين الذهبى، ج 1، ص 280، دار القلم، بيروت- لبنان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

‌‌التفسير بالرأى عند ابن عاشور:
فى المقدمة الثالثة من المقدمات العشر التى تصدرت" التحرير والتنوير" كتب ابن عاشور عن التفسير بغير المأثور، ومعنى التفسير بالرأي، حيث طرح سؤالا طويلا فى أول هذه المقدمة … قال:
«إذ قلت: أراك بما عددت من علوم التفسير تثبت أن تفسيرا كثيرا لم يستند إلى مأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، وتبيح لمن استجمع من تلك العلوم حظا كافيا، وذوقا ينفتح له بهما من معانى القرآن ما ينفتح عليه أن يفسر من آى القرآن بما لم يؤثر عن هؤلاء، فيفسر بمعان تقتضيها العلوم التى يستمد منها علم التفسير، وكيف حال التحذير الواقع فى الحديث الذى رواه الترمذى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» (1).
والحديث الذى رواه أبو داود والترمذى والنسائى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «من تكلم فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»، وكيف محمل ما روى من تحاشى بعض السلف عن التفسير بغير توقيف؟ فقد روى عن أبى بكر الصديق أنه سئل عن «الأبّ فى قوله: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (2)، فقال:
«أى أرض تقلنى، وأى سماء تظلنى، إذ قلت فى القرآن برأيى»، ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبى إحجامهما عن ذلك» (3).--------------------------------------------
(1) انظر سنن الترمذى، ج 2، ص 157،" أبواب التفسير" وذكر فى موضع آخر: «قال أبو عيسى:
هكذا روى عن بعض أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شدّدوا فى هذا، فى أن لا يفسر القرآن بغير علم».
أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، الجامع الصحيح، ج 5، ص 200، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، ط. الحلبى.
(2) سورة عبس: الآية 31.
(3) التحرير والتنوير، ج 1، ص 28، المقدمة الثالثة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

‌‌وذكر فى الإجابة عن ذلك:
«قلت: أرانى كما حسبت أثبت ذلك وأبيحه، وهل اتسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معانى القرآن إما رزقه الذين أوتوا العلم من فهم كتاب الله؟ وهل يتحقق قول علمائنا: «إن القرآن لا تتقضى عجائبه» إلا بازدياد المعانى باتساع التفسير؟
ولولا ذلك لكان التفسير مختصرا فى ورقات قليلة، وقد قالت عائشة:
«ما كان رسول الله يفسر من كتاب الله إلا آيات معدودات علمه جبريل إياهن» (1).
ويقول معللا الأسباب التى أدت إلى عدم الركون إلى التفسير بالمأثور فحسب:
«لو كان التفسير مقصورا على بيان معانى مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزرا، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة، فمن يليهم فى تفسير آيات القرآن وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم، قال الغزالى والقرطبى: لا يصح أن يكون كل ما قاله الصحابة فى التفسير مسموعا من النبى- صلى الله عليه وسلم لوجهين:
أحدهما: أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه من التفسير إلا تفسير آيات قليلة، وهى ما تقدم عن عائشة.
ثانيهما: أنهم اختلفوا فى التفسير على وجوه مختلفة لا يمكن الجمع بينها وسماع جميعها» (2).
ثم يتساءل:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

«وهل استنباط الأحكام التشريعية من القرآن فى خلال القرون الثلاثة الأولى من قرون الإسلام إلا من قبيل التفسير لآيات القرآن بما لم يسبق تفسيرها به قبل ذلك؟ وهذا الإمام الشافعى يقول: تطلبت دليلا على حجية الإجماع فظفرت به فى قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» (1).
ويقول عن المحاذير التى جعلت أمام من يفسر القرآن بالرأى:
«وأما الجواب عن الشبهة التى نشأت من الآثار المروية فى التحذير من تفسير القرآن بالرأى فمرجعه إلى خمسة وجوه» (2).
وهذه الوجوه تدور حول ألا يكون المراد بالرأى هو القول عن مجرد خاطر دون الاستناد إلى نظر فى أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، وألا يتدبر المفسر القرآن حق تدبره، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأى دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير، أو أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن وفق رأيه ويصرفه عن المراد، أو يفسر القرآن برأى مستند إلى ما تقتضيه اللفظة، ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما فى ذلك من تضييق على المتأولين، وأخيرا أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة فى التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك.
ويقول عن موقف التابعين فى التفسير، وعن بعض المفسرين الذين التزموا بالآثار المروية، وعن بعضهم الآخر الذين نحوا بتفاسيرهم إلى التفسير بغير المأثور:--------------------------------------------
(1) سورة النساء: الآية: 115.
وانظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 30.
(2) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

«إن التابعين قالوا أقوالا فى معانى القرآن لم يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد، وقد اختلفت أقوالهم فى معانى آيات كثيرة اختلافا ينبئ إنباء واضحا بأنهم إنما تأولوا تلك الآيات من أفهامهم كما يعلمه من له علم بأقوالهم، وهى ثابتة فى تفسير الطبرى ونظرائه، وقد التزم الطبرى فى تفسيره أن يقتصر على ما هو مروى عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث فى كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب، وحسبه بذلك تجاوزا لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور وذلك طريق ليس بنهج، وقد سبقه إليه بقى بن مخلد ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبرى فيه معاصروه، مثل ابن حاتم وابن مردويه والحاكم، فلله در الذين لم يحبسوا أنفسهم فى تفسير القرآن على ما هو مأثور مثل الفراء وأبى عبيدة من الأولين، والزجاج والرّمانى ممن بعدهم، ثم الذين سلكوا طريقهم مثل الزمخشرى وابن عطية» (1).
وهذه ضوابط استخلصها ابن عاشور من المراحل المتعاقبة لتاريخ التفسير التى تنوعت فيها أدوات المفسرين واتجاهاتهم، خصوصا أصحاب الاتجاهات الإخبارية والنزعات الحزبية، أو الإشارات الصوفية أو القصصية، وأقحموا فى التفسير ما لا خير فيه، وجاءوا بالموضوعات والإسرائيليات، وابتعدوا عن أصالة العربية ومقاصد الشريعة، وضيقوا معانى الآية، واستباحوا لأنفسهم أن يقولوا دون علم أو تأويل صحيح.
أما هؤلاء الذين خلصت نياتهم وسلمت قلوبهم واكتملت أدواتهم وقدراتهم والذين عرفهم تاريخ التفسير من صحابة وتابعين ومفسرين فلهم أن يقولوا بما هداهم الله إليه، وقد راح ابن عاشور وفق هذه الضوابط التى انتهى إليها فى (التفسير بالرأى) يفسر آيات الكتاب الكريم، يستعين أولا بمقومات--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 33.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

التفسير بالمأثور يتصدرها تفسير القرآن بالقرآن فيما يحمل بعض آياته على بعض، ثم بما صحّ من أحاديث وآثار، ثم راح بعد ذلك يكشف بعض أبعاد الآية وإيحاءات ألفاظها مستغلا خصائص العربية وإمكاناتها فى هذا الكشف من حيث تركيب المفردات وصياغة الجمل والفوارق الإعرابية، وما يمثل العرب فى سننهم وكلامهم.
ولا يتوقف (التفسير بالرأى) عند ابن عشور عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الاستعانة بأقوال أئمة المذاهب الفقهية وأصحابهم، وأقوال الفلاسفة وأصحاب الدراسات البيانية، وآراء أصحاب العلوم الحديثة فى بيان معنى الآية، أو ما يمكن أن يكون معناها.
ومقومات التفسير بالرأى عند ابن عاشور:
‌‌أولا: الشعر.
ثانيا: اللغة:
أ- الألفاظ
ب- الأعراب
ثالثا: الاستعانة بعلوم البلاغة
رابعا: الاستعانة بأقوال فقهاء الأمصار فى تفسير آيات الأحكام
خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة

أولا: الشعر:
احتل الشعر مكانة بارزة فى التحرير والتنوير، وقد مرّ بنا فى الباب الأول من هذه الدراسة بعض أسماء الشعراء الذين ذكرهم ابن عاشور فى تفسيره، والواقع أن الشعراء الذين احتج ابن عاشور بأشعارهم كانوا من الكثرة التى يصعب حصرها، ووجدنا- على سبيل المثال- فى المجلد الأول" 848 ص"

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)