يخرجوا من قريتهم وقال: إن قاتلكم المسلمون فنحن معكم ولننصرنكم وإن أخرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزقة (أى سدوا منافذ بعضها لبعض ليكون كل درب منها صالحا للمدافعة) وحصنوها، ووعدهم أن معه ألفين من قومه وغيرهم وأن معهم قريظة وحلفاءهم من غطفان من العرب، فحاصرهم النبى صلى الله عليه وسلم وانتظروا عبد الله بن أبى بن سلول وقريظة وغطفان أن يقدموا إليهم ليردوا عنهم جيش المسلمين، فلما رأوا أنهم لم ينجدوهم قذف الله فى قلوبهم الرعب، فطلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى إلا الجلاء عن ديارهم وتشارطوا على أن يخرجوا، ويحمل كل ثلاثة أبيات منهم حمل بعير مما شاءوا من متاعهم، فجعلوا يخربون بيوتهم ليحملوا معهم ما ينتفعون به من الخشب والأبواب.
فخرجوا فمنهم من لحق بخيبر، وقليل منهم لحقوا ببلاد الشام فى مدن (أريحا) وأذرعان من أرض الشام وخرج قليل منهم إلى الحيرة» (1).
فى الأمثلة السابقة- وفى غيرها- لم ينفصل تفسير القصص القرآنى عن السياق، ولم يجعل ابن عاشور للقصة القرآنية قسما خاصا بها كما يفعل كثير من المفسرين كالطبرسى فى مجمع البيان، وابن كثير فى تفسير القرآن العظيم، وكانت تتآذر وسائل كثيرة أخرى عنده لتوضيح المقصود منها، مثل الاستعانة بآيات من سور أخرى مناسبة، وأحاديث وآثار عن الصحابة والتابعين، وأقوال مفسرين ومؤرخين وعلماء، فضلا عن التوراة أو الإنجيل، وقد كان ابن عاشور فى كل ذلك بعيدا عن المبالغات والحشو والإسرائيليات،--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 28، ص 67.
وانظر أمثلة أخرى: ج 1 ص 526، ج 2 ص 303، ج 7 ص 342، ج 8 ص 101، ج 12 ص 75، ج 20 ص 33، 68، 85، 168، ج 27 ص 12، ج 30 ص 241.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
حاشدا هذه الوسائل لبيان الصدق التاريخى للقصة القرآنية وإظهار وجوه الإعجاز فيها من حيث الإخبار عن حوادثها وأشخاصها، ومن حيث تكرار بعض عناصرها فى أكثر من سورة، وفى كل مرة نجد لونا جديدا من التصريف البيانى أعجز العرب عن محاكاته، فضلا عن استخلاص العبر والحكم والحث على النظر والتأمل فى نهاية الجبابرة وجزاء المكابرين، وسير الأنبياء وما لاقوه من صنوف الغرور والعنت من أجل التوحيد والعدالة والأخلاق، وانتصار الحق، وانتصار المؤمنين به، وتثبيت قلب الرسول الكريم وقلب من آمن بدعوته.
وكان ابن عاشور فى تقديمه كل سورة تتحدث آياتها عن قصة أو أكثر مفصلة أو مجملة يذكر أغراضها وما تحويه من مثل وتذكير وإشعار، ثم يتناول تفسيرها لغة وإعرابا، ثم يسرد أحداثها وما تحويه من إخبار عن حوادث سابقة كقصة أصحاب الأخدود، وأمم غابرة كقوم تبّع وعاد وثمود، وأنبياء يدعون وملوك يستكبرون كقصة فرعون مع موسى عليه السلام، وأقوام يعاندون ويضمرون الغدر كالمنافقين، وانهيار صفوفهم وتخاذل أعوانهم ثم انتصار مسلمى صدر الدعوة المحمدية عليهم على النحو الذى رأيناه فى المثال الأخير من الأمثلة السابقة.
7 - التفسير بالناسخ والمنسوخ:
يتفق المسلمون على وقوع النسخ فى بعض آيات القرآن الكريم، كما يتفق علماؤهم على أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ فى كتاب الله، «فأول ما ينبغى لمن أحب أن يتعلم شيئا من علم هذا الكتاب الابتداء فى علم الناسخ والمنسوخ اتباعا لما جاء عن أئمة السلف رضى الله عنهم أجمعين، لأن كل من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
تكلم فى شىء من هذا الكتاب العزيز ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان ناقصا» (1).
ويقول الخوئى: «لا خلاف بين المسلمين فى وقوع النسخ، فإن كثيرا من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الإسلامية، وإن جملة من هذه الشريعة قد نسخت
بأحكام أخرى من هذه الشريعة نفسها» (2).
ويحدد ابن الجوزى المواطن التى يقع فيها النسخ فى القرآن الكريم بقوله: «والنسخ إنما يقع فى الأمر والنهى دون الخبر المحض، والاستثناء ليس بنسخ، ولا التخصيص، وأجاز بعض من لا يعتد بخلافه وقوع النسخ فى الخبر المحض، وسمى الاستثناء والتخصيص نسخا، والفقهاء على خلافه» (3).
وذكر السيوطى: «قال ابن الحصار: إنما يرجع فى النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم أو عن صحابى يقول آية كذا نسخت كذا. قال: وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر، ولا يعتمد فى النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهادا لمجتهدين، من غير نقل صحيح، ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر فى عهده (ص) والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأى والاجتهاد. قال: والناس فى هذا بين طرفى نقيض، فمن--------------------------------------------
(1) أبو القاسم هبة الله بن سلامة، الناسخ والمنسوخ، ص 4، مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبى، ط 2، 1387 هـ- 1967 م.
(2) أبو القاسم الموسوى الخوئى، البيان فى تفسير القرآن، المجلد الأول، ص 303، منشورات دار التوحيد للنشر والتوزيع، ط 2، الكويت، 1399 هـ- 1979 م.
(3) جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن الجوزى، المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ، ص 16، تحقيق د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 2، 1406 هـ- 1986 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
قائل لا يقبل فى النسخ أخبار أحاد العدول، ومن متساهل يكتفى بقول مفسر أو مجتهد والصواب خلاف قولهما» (1).
ويفهم من أقوال ابن الحصار فى الفقرة السابقة أن من شروط تحديد الآيات الناسخة والآيات المنسوخة:
1 - الرجوع فى النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 - يحكم بالنسخ عند وجود تعارض مقطوع به من علم التاريخ الذى يمكن به معرفة الآيات المتقدمة فى النزول عن الآيات المتأخرة أى (أن يكون حكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ) (2).
3 - قبول أخبار آحاد العدول (3).
4 - لا اجتهاد فى النسخ، ولا قبول لقول مفسر واحد فيه، وإنما المعتمد فى ذلك النقل والتاريخ.
وفى تفسير ابن عاشور لقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها سورة البقرة: الآية 106.
يقول عن معنى النسخ:--------------------------------------------
(1) الإتقان، ج 2، ص 32.
وانظر التسهيل فى علوم التنزيل، ابن جزى، ص 10، (الباب السابع فى الناسخ والمنسوخ).
(2) ابن الجوزى، المصفى بأكف أهل الرسوخ، ص 12.
(3) انظر محمد بن إدريس الشافعى، الرسالة، ص 404، مطابع المختار الإسلامى، ط 2، 1976 م.
وانظر: سيف الدين على بن محمد الآمدى، الإحكام فى أصول الأحكام، ج 2، ص 47، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، 1400 هـ- 1980 م.
وانظر: ابن حجر العسقلانى، فتح البارى بشرح صحيح البخارى، ج 13، ص 231، ط 1، 1384 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
«والنسخ إزالة الشيء بشيء آخر، قاله الراغب، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوض لها، نقول: نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه فى موضعه، ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذى حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذى أناره قد خلف الشعاع فى موضعه، ويقال نسخت ما فى الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر، وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص، وهو إثبات المزيل، وأما أن يطلق على مجرد إثبات فلا أحسبه صحيحا فى اللغة، وإن أو همه ظاهر كلام الراغب، وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا أخططت أمثال حروفه فى صحيفتك إذا وجدوه إثباتا محضا، لكن هذا توهم لأن يطلق النسخ على محاكاة حروف الكتاب بإطلاق مجازى بالصورة أو تمثيله بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلى إلى الكتاب المنتسخ، ثم جاءت من ذلك النسخة، قال تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1) وقال وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ (2) وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز، ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة، فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودى، بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير» (3).
ويقول فى تفسير الآية السابقة: «والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» (4).--------------------------------------------
(1) سورة الجاثية، الآية 29.
(2) سورة الأعراف، الآية 154.
(3) التحرير والتنوير، ج 1، ص 654.
(4) التحرير والتنوير، ج 1، ص 654.
وذكر هبة الله بن سلامة: «المنسوخ فى كتاب الله على ثلاثة أضرب، فمنه ما نسخ خطه وحكمه، ومنه ما نسخ خطه وبقى حكمه ومنه ما نسخ حكمه وبقى خطه» الناسخ والمنسوخ، ص 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
والمقصود بالإزالة وإثبات العوض تبعا لهذا القول هو رفع حكم شرعى سابق بحكم شرعى آخر متأخر عنه، سواء أكان حكما أخف أم مماثل أم أثقل (1) مراعاة لمصلحة العباد. وما تحتاجه الدعوة من تدرج وتأسيس.
ويقول صاحب التحرير والتنوير فى تفسير قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ سورة النحل، الآية 101.
«فيشمل التبديل نسخ الأحكام مثل نسخ قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها (2) بقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (3) لأن نسخ الأحكام إنما كثر بعد الهجرة حين تكونت الجامعة الإسلامية. وأما نسخ التلاوة فلم يرد من الآثار ما يقتضى وقوعه فى مكة فمن فسر به الآية كما نقل عن مجاهد فهو مشكل».
وقوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ … الآية وهى من سورة الإسراء، وكان نزولها فى مكة، وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ … الآية، وهى من سورة الحجر مكية أيضا، والنسخ إنما كثر فى السور المدينة حيث--------------------------------------------
(1) انظر التفسير الكبير، الفخر الرازى، ج 3، ص 232.
ومما ذكره فى تفسير قوله تعالى نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها: «إن الذى يدل على وقوعه" الأثقل" أن الله سبحانه نسخ فى حق الزناة الحبس فى البيوت إلى" الجلد والرجم"، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان … ».
(2) سورة الإسراء، الآية 110.
(3) سورة الحجر، الآية 94.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
تختلف فى مميزاتها عن السور المكية من حيث الأسلوب والخصائص والظروف، وكون الآية الثانية ناسخة للأولى فهو نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وأما نسخ التلاوة وبقاء الحكم فليس هناك- كما ذكر ابن عاشور- مما يؤيده من آثار تقتضى وقوعه، وما نقل عن مجاهد فى هذا الشأن مما يوجب التباسا فى الفهم.
ويشمل التعارض بالعموم والخصوص ونحو ذلك من التعارض الذى يحمل بعضه على بعض، فيفسر بعضه بعضا، ويؤول بعضه بعضا، كقوله تعالى:
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (1) فى سورة الشورى مع قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (2) فى سورة المؤمنين فيأخذوا بعموم وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فيزعمونه إعراضا عن أحد الأمرين إلى الأخير منهما.
وكذلك قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (3) يأخذون من ظاهره أنه أمر بمشاركتهم فإذا جاءت آيات بعد ذلك لدعوتهم وتهديدهم زعموا أنه انتقض كلامه وبدا له ما لم يكن يبدو له من قبل.
وكذلك قوله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ (4) مع آيات وصف عذاب المشركين وثواب المؤمنين.--------------------------------------------
(1) سورة الشورى، الآية 5.
(2) سورة غافر، الآية 7.
(3) سورة المزمل، الآية 10.
(4) سورة الأحقاف، الآية 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وكذلك قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (1) مع قوله تعالى لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (2) ومن هذا ما يبدو من تخالف بادئ الأمر كقوله بعد ذكر خلق الأرض ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ (3) فى سورة فصلت مع قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (4) من سورة النازعات، فيحسبونه تناقضا مع الغفلة عن محمل" بعد ذلك"، من جعل (بعد) بمعنى (مع) وهو استعمال كثير، فهم يتوهمون التناقض مع جهلهم أو تجاهلهم بالوحدات الثمانية المقررة فى المنطق.
فالتبديل فى قوله تعالى" بَدَّلْنا" هو التعويض ببدل، أو عوض.
والتعويض لا يقتضى إبطال المعوض- بفتح الواو- بل تقتضى أن يجعل شىء عوضا عن شىء. وقد يبدو للسامع أن مثل لفظ المعوض- بفتح الواو- جعل عوضا عن مثل لفظ العوض- بالكسر- فى آيات مختلفة باختلاف الأغراض من تبشير وإنذار أو ترغيب وترهيب، أو إجمال وبيان، فيجعله الطاعنون اضطرابا لأن مثله قد كان بدل ولا يتأملون فى اختلاف الأغراض» (5).
ويدفع ابن عاشور تلك الدعاوى الباطلة التى قالها المشركون، فإذا نزلت آية ما، ثم أنزل الله آية أخرى يحمل معناها تعارضا على النحو الذى ذكره مفسرنا، أبدوا سخطهم وأظهروا سخريتهم، وقالوا على ما حكت الآية--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام، الآية 164.
(2) سورة النحل، الآية 25.
(3) سورة فصلت، الآية 11.
(4) سورة النازعات، الآية 30.
(5) التحرير والتنوير، ج 14، ص 281.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
عنهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ظانين ظنا فاسدا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بهذا القرآن من عند نفسه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فالقرآن يفسر بعضه بعضا، ويؤول بعضه بعضا، وهم يجهلون اختلاف المقامات والأحوال من لين وترغيب وشدة وترهيب وعموم وخصوص، ويعتقد هؤلاء المشركون أن ذلك تناقضا، هيأ لهم ذلك جهلهم وتعلقهم بضلالهم، أو يتعمدون المكابرة أمام الحقائق ويخلطون بينها دون اعتبار لوجوه الخطاب واختلاف المرامى، وبعد أن يرد ابن عاشور هذه المطاعن يبين المقصود من" بَدَّلْنا" فى الآية الكريمة السابقة، حيث ذكر أن المعنى هو التعويض ببدل أى عوض، ولا يعنى ذلك إبطال المعوض" بالفتح" بل هو قائم وقد يكون مما نسخ خطه وبقى حكمه، أو ما نسخ حكمه وبقى خطه تبعا لمقتضيات الخطاب (1).
ومن أمثلة ما ذكره فى رفع حكم آية وبقاء تلاوتها فى قوله تعالى:
أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (2).
«قال المفسرون على أن هذه الآية ناسخة للتى قبلها فسقط وجوب تقديم الصدقة لمن يريد مناجاة الرسول- صلى الله عليه وسلم وروى ذلك عن ابن عباس واستبعده ابن عطية» (3).--------------------------------------------
(1) راجع البرهان للزركشى، ج 2، ص 15.
(2) سورة المجادلة، الآية 13.
(3) التحرير والتنوير، ج 28، ص 46.
ويقول هبة الله بن سلامة عن سورة المجادلة: «نزلت بالمدينة بإجماعهم وفيها آيات منسوخة، وهى إحدى الفضائل عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه، لأنه روى عنه أنه قال: فى كتاب الله آية-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
وفى تفسير قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (سورة الأنعام، الآية 141).
ذكر ابن عاشور: «وإنما أوجب الله الحق فى الثمار والحب يوم الحصاد؛ لأن الحصاد إنما يراد للادخار، وإنما يدخر المرء ما يريده للقوت، فالادخار هو فطنة الغنى الموجبة لإعطاء الزكاة، والحصاد مبدأ تلك المظنة، فالذى ليست له إلا شجرة أو شجرتان، فإنما يأكل ثمرها مخضورا قبل أن ييبس، فلذلك رخصت الشريعة لصاحب الثمرة أن يأكل من الثمر إذا أثمر، ولم توجب عليه إعطاء حق الفقراء إلا عند الحصاد، ثم إن حصاد الثمار، وهو جذاذها، فهو قطعها لادخارها، وأما حصاد الزرع فهو قطع السنبل من جذور الزرع ثم يفرك الحب الذى فى السنبل ليدخر، فاعتبر ذلك الفرك بقية للحصاد، ويظهر من هذا أن الحق إنما وجب فيما يحصد من المذكورات مثل الزبيب والتمر والزرع والزيتون، من زيته أو من حبه بخلاف الرمان والفواكه.--------------------------------------------
- ما عمل بها أحد قبلى ولا بعدى إلى يوم القيامة، فقيل: ما هى؟ فقال: إن رسول الله (ص) لما كثر عليه المسائل فخاف أن تفرض على أمته، فعلم الله ذلك فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأمسكوا عن رسول الله (ص) قال على رضى الله عنه: ولم أملك إذ ذاك إلا دينارا فصرفته بعشرة دراهم، فكنت كلما أردت أسأله مسألة تصدقت بدرهم حتى لم يبق معى غير درهم واحد فتصدقت به، وسألته، فنسخت الآية، وناسخها قوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا الآية» الناسخ والمنسوخ، ص 89، 90.
وانظر المصفى بأكف أهل الرسوخ، ابن الجوزى، ص 55.
وانظر معرفة الناسخ والمنسوخ، محمد بن حزم، ص 372، من هامش تنوير المقباس فى تفسير ابن عباس، الفيروزآبادى، مطبعة الحلبى- القاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وعلى القول المختار: فهذه الآية غير منسوخة، ولكنها مخصصة ومبينة بآيات أخرى وبما يبينه النبى- صلى الله عليه وسلم فلا يتعلق بإطلاقها، وعن السدى أنها نسخت
بآية الزكاة، يعنى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (1) وقد كان المتقدمون يسمون التخصيص نسخا» (2).
وعلى هذا النحو اعتبر ابن عاشور قوله تعالى كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ …
الآية غير منسوخة، إنما هى مخصصة ومبيّنة بآيات أخرى وبما قام ببيانه صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإن ما روى عن السدى فى كون هذه الآية منسوخة يرجع إلى أن المتقدمين كانوا يسمون التخصيص نسخا.
وفى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة البقرة الآية 62).
ذكر ابن عاشور:
«ومعنى من آمن بالله، الإيمان الكامل، وهو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بقرينة المقام وقرينة قوله وَعَمِلَ صالِحاً إذ شرط قبول الأعمال الإيمان الشرعى، لقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وقد عدّ عدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنزلة عدم الإيمان بالله لأن مكابرة--------------------------------------------
(1) سورة التوبة، الآية 103.
(2) التحرير والتنوير، ج 8، ص 122. ولم يذكرها هبة الله بن سلامة فى الآيات المنسوخة من سورة الأنعام .. انظر كتابه، ص 44 - 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
المعجزات القائمة مقام تصديق الله تعالى للرسول المتحدى بها يؤول إلى تكذيب الله تعالى فى ذلك التصديق، فذلك المكابر غير المؤمن بالله الإيمان الحق، وبهذا يعلم أن لا وجه الدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (1) إذ لا استقامة فى دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به عن مؤمنى أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون معنى الآية كمعنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين «ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم آمن بى فله أجران».
وأما القائلون بأنها منسوخة، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم فى أول تلقى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن ينظروا فلما عاندوا نسخها بقوله وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ لئلا يفضى قولهم إلى دعوى نسخ الخبر» (2).
وقد ذكر هبة الله بن سلامة عن هذه الآية (البقرة: 62): «والناس فيها قائلان، فقالت طائفة منهم مجاهد والضحاك وابن مزاحم هى محكمة ويقرءونها بالمحذوف المقدر، فيكون التقدير على قولهما: إن الذين آمنوا ومن آمن من الذين هادوا والنصارى والصابئين، وقال الأكثرون: هى منسوخة وناسخها عندهم: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً الآية» (3).--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران: الآية 85.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 539.
(3) الناسخ والمنسوخ، ص 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وابن عاشور على أن هذه الآية غير منسوخة كما جاءت الروايات عن مجاهد والضحاك وابن مزاحم حيث لا يقع النسخ فيما أخبر به القرآن، ويقدم ابن عاشور استثناء لوقوع مثل هذا النسخ وهو أن يكون المؤمنون من أهل الكتاب والصابئون قد آمنوا بما جاءت به الرسل دون تحريف، أو تبديل وماتوا قبل البعثة المحمدية، ويكون معنى الآية كحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يؤتى أجره مرتين، أما عن القائلين بنسخها ففيما ذكره ابن عاشور من تأويلها عندهم يمنع وقوع نسخ الخبر، وتلك محاولة للتوفيق بين الفريقين عمادها عدم قبول الأقوال إلا بعد التحليل والتعليل.
وفى قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (سورة البقرة: الآية 115).
ذكر ابن عاشور:
«وقد قيل إن هذه الآية إذن للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يتوجه فى الصلاة إلى أية جهة شاء، ولعل مراد هذا القائل أن الآية تشير إلى تلك المشروعية لأن الظاهر أن الآية نزلت قبل نسخ استقبال بيت المقدس إذ الشأن توالى نزول الآيات وآية نسخ القبلة قريبة الموقع من هذه، والموجه أن يكون مقصد الآية عاما كما هو الشأن فتشمل الهجرة من مكة والانصراف عن استقبال الكعبة» (1).
وذكر ابن سلامة أن هذه الآية محكمة والمنسوخ منها قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (2).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 683.
(2) الناسخ والمنسوخ، ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
وفى الإتقان (1) «على رأى ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ سورة البقرة: الآية 144» ويقول منّاع القطان:
«وقد قيل- وهو الحق- إن الأولى غير منسوخة لأنها فى صلاة التطوع فى السفر على الراحلة، وكذا فى حال الخوف والاضطرار، وحكمها باق كما فى الصحيحين، والثانية فى الصلوات الخمس، والصحيح أنها ناسخة كما ثبت فى السنة من استقبال بيت المقدس» (2).
وعند ابن عاشور أن مقصد الآية عام أى ليست منسوخة، وحكمها باق يؤيد ذلك ما جاء فى الصحيحين.
وابن عاشور لم يسرف فى استخدام هذا النوع من التفسير، ولم يكن من المكثرين فيه، وعند تفسيره لكثير من الآيات فى السور المختلفة، لم يتعرض لكونها ناسخة أو منسوخة، كما ذهب كثير من عوام المفسرين، وعند استخدامه لهذا التفسير لم يكن يقبل الأقوال على علاتها، إنما يقبل ما انتهى التحليل إليه، أو ما سمع بالتوفيق بين أكثر من قول، أو ما يؤيده أعلى المصادر توثيقا.
8 - التفسير بالقراءات:
يرى ابن عاشور- كما جاء فى المقدمة السادسة التى جعلها للقراءات- أن للقراءات حالتين؛ إحداهما لا تعلق لها بالتفسير بحال، وإنما هى تتصل باختلاف القراء فى وجوه النطق بالحروف والكلمات كمقادير المد والإمالات والتخفيف والتسهيل والتحقيق والجهر والهمس والغنة، وفى تعدد--------------------------------------------
(1) ج 2، ص 30.
(2) مباحث فى علوم القرآن، ص 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
وجوه الإعراب، ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها، وهو تحديد كيفيات نطق العرب: بالحروف فى مخارجها وصفاتها، وذلك غرض مهم جدا لكنه لا علاقة له بالتفسير.
وبعد ذكره لأمثال مختلفة من شذوذ بعض القراءات وما حدث حولها من اختلافات، وما فعله عثمان رضى الله عنه فى جمع المسلمين حول المصحف الإمام، يقول:
«من أجل ذلك اتفق علماء القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها فى العربية ووافقت خط المصحف- أى مصحف عثمان- وصح سند راويها؛ فهى قراءة صحيحة لا يجوز ردها، قال أبو بكر بن العربى ومعنى ذلك عندى أن تواترها تبع لتواتر المصحف ناشئ عن تواتر الألفاظ التى كتبت فيها، قلت: وهذه الشروط الثلاثة، هى شروط فى قبول القراءة إذا كانت غير متواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم، بأن كانت صحيحة السند إلى النبى ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهى بمنزلة الحديث الصحيح، وأما القراءة المتواترة فهى غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة فى العربية، ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه، ألا ترى أن جمعا من أهل القراءات المتواترة قرءوا قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (1) بطاء مشالة أى بمتهم، وقد كتبت فى المصاحف كلها بالضاد الساقطة» (2).--------------------------------------------
(1) سورة التكوير، الآية 24.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 53.
وذكر مكى بن أبى طالب عن شروط صحة القراءات «وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهى: أن ينقل عن الثقات إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ويكون وجهه فى العربية التى نزل بها القرآن شائعا، ويكون موافقا لخط المصحف». الإبانة عن معانى القراءات، ص 18.
وانظر: أبا على الحسن بن أحمد الفارسى، الحجة فى علل القراءات السبع، تحقيق على الجندى ناصف، د. عبد الحليم النجار، د. عبد الفتاح شلبى ومراجعة محمد على النجار، دار الكتاب العربى للطباعة والنشر، القاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
ومفاد هذا الكلام أن شروط القراءات التى اتفق عليها العلماء والفقهاء وهى التى صح سندها ووافقت خط المصحف والعربية ولو من جهة هى قراءة صحيحة لا يجوز ردّها، وأن تواترها تابع لتواتر الألفاظ الذى كتبت فيه كما يقول ابن عربى.
وعند ابن عاشور:
«هذه الشروط المتفق عليها بين العلماء والفقهاء وهى شروط للقراءة غير المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم وهى صحيحة السند، وإن لم تبلغ حد التواتر فهى غنية عن هذه الشروط لكون هذا التواتر يجعلها حجة فى الغربية، ومن ثم يغنيها عن شرط موافقة رسم المصحف، وساق ابن عاشور مثلا فيما أجمع عليه بعض أهل القراءات المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ بطاء مشالة حيث كتبت فى المصاحف كلها بالضاد الساقطة.
ومع هذا نستطيع القول إن هذه الشروط الثلاثة التى أجمع عليها علماء القراءات والفقهاء كان الغرض الأول لهم من ذلك هو جمع المسلمين حول قراءات بعينها فلا يتسع الخلاف بينهم، وقد راعوا فى شروطها التوسعة على الألسن. وذلك ما سعى إليه عثمان رضى الله عنه من كتابة المصاحف وتوزيعها على الأمصار، وقد قبل هذا العمل من
عثمان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم على بن أبى طالب رضى الله عنه، وقد أجمع الإمامية الاثنى عشرية المعتدلة على هذه القراءات، وكرهوا تجريد قراءة مفردة» (1).--------------------------------------------
(1) ذكر أبو جعفر الطوسى عن قراءة الإمامية الاثنى عشرية المعتدلة «إنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء، وكرهوا تجريد قراءة بعينها» التبيان فى تفسير القرآن، ج 1، ص 7، تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملى، مكتبة الأمين .. النجف الأشرف.
وانظر: أبا على الفضل بن الحسن الطبرسى: مجمع البيان فى تفسير القرآن، المجلد الأول، المقدمة ص 25، مكتبة الحياة، بيروت- لبنان، 1380 هـ- 1961 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وكان الطبرسى صاحب مجمع البيان فى تفسير القرآن يذكر فى قسم" القراءة" عند الآية المطروحة للبحث بعض القراءات عن النبى- صلى الله عليه وسلم ولكن تفسيره كله كان قائما على القراءات التى وافقت خط المصحف الإمام ووافقت العربية ولو بوجه، وصح سندها.
أما القراءات المتواترة التى استغنت على الاعتضاد بموافقة خط المصحف، فعلى الرغم مما ذكره ابن عاشور عنها فهى خارجة عن الإجماع المذكور الذى حدد الهدف منه بحصر الخلاف بين المسلمين وتوحيد صفوفهم إزاء قراءة النص الكريم، وتبقى للقراءات الأخرى وجهتها التاريخية فحسب بعد أن انتهت مرحلتها والدوافع التى أدت إليها.
ويقول ابن عاشور عن القراءات العشر التى وافقت شروط العلماء والفقهاء، والتى يقرأ بها جمهور المسلمين:
«وقد انحصر توفر الشروط فى الروايات العشر للقراء وهم:
نافع بن أبى نعيم المدنى، وعبد الله بن كثير المكى، وأبو عمرو المازنى البصرى، وعبد الله بن عامر الدمشقى، وعاصم بن أبى النجود الكوفى، وحمزة بن حبيب الكوفى، والكسائى على بن حمزة الكوفى، ويعقوب بن إحسان الحضرمى البصرى، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المدنى، وخلف البزار (بزاى فألف فراء مهملة) الكوفى، وهذا العاشر ليست له رواية خاصة، وإنما اختار لنفسه قراءة تناسب قراءات أئمة الكوفة، فلم يخرج عن قراءات قراء الكوفة إلا قليلا.
وبعض العلماء يجعل قراءة ابن محيصن واليزيدى والحسن والأعمش، مرتبة دون العشر، وقد عد الجمهور ما سوى ذلك شاذا لأنه لم ينقل بتواتر حفاظ القرآن» (1).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 24.-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
وعن علاقة القراءات بالتفسير … يقول:
«وأما القراءات فلا يحتاج إليها إلا فى حين الاستدلال بالقراءة على تفسير غيرها، وإنما يكون فى معنى الترجيح لأحد المعانى القائمة من الآية أو لاستظهار على المعنى، فذكر القراءة كذكر الشاهد فى كلام العرب، لأنها إن كانت مشهورة، فلا جرم أنها تكون حجة لغوية، وإن كانت شاذة فحجتها لا من حيث الرواية لأنها لا تكون صحيحة الرواية، ولكن من حيث إن قارئها ما قرأ بها إلا استنادا لاستعمال عربى صحيح، إذ لا يكون القارئ معتدا به إلا إذا عرفت سلامة عربيته، كما احتجوا على أن أصل الحمد لله أنه منصوب على المفعول المطلق بقراءة هارون العتكى الحمد لله بالنصب كما فى--------------------------------------------
- وذكر أبو طالب مكى أسباب استخدامه أحيانا للقراءات الشاذة فى إعراب بعض آيات القرآن: «وإنما تذكر هذه الوجوه ليعلم تصرف الإعراب ومقاييسه، لا لأن يقرأ به، فلا يجوز أن يقرأ إلا بما روى وصح عن الثقات المشهورين عن الصحابة والتابعين- رضى الله عنهم- ووافق خط المصحف» مشكل إعراب القرآن، المجلد الأول، ص 10، تحقيق ياسين محمد السواس، ط 2، دار المأمون للتراث، دمشق.
وانظر السبعة فى القراءات:
- أسانيد قراءة نافع بن نعيم (ت 169 هـ) ص 88.
- أسانيد قراءة عبد الله بن كثير المكى (ت 120 هـ) ص 92.
- أسانيد قراءة أبى عمر بن العلاء (ت 154 هـ) ص 98.
- أسانيد قراءة عبد الله بن عامر (ت 118 هـ) ص 101.
- أسانيد قراءة عاصم بن أبى النجود (ت 118 هـ) ص 94.
- أسانيد قراءة حمزة بن حبيب الزيات (ت 156 هـ) ص 97.
- أسانيد قراءة على بن حمزة الكسائى (ت 189 هـ) ص 98.
أبو بكر أحمد موسى بن العباس بن مجاهد، تحقيق دكتور شوقى ضيف، ط 2، دار المعارف، مصر، 1980 م. وانظر: النشر فى القراءات العشر، ج 1، ص 46، عن قراءات يعقوب وأبى جعفر يزيد وخلف البزاز وابن الجزرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
الكشاف، وبذلك يظهر أن القراءة لا تعد تفسيرا من حيث هى طريق فى أداء ألفاظ القرآن، بل من حيث إنها شاهد لغوى» (1).
نخلص من هذه الفقرة إلى أن قراءة بعض الآيات- فى حدود القراءات العشر- يمكن أن تفسر بقراءة أخرى ترجيحا لمعنى قائم فى الآية، أو استظهارا على المعنى ذاته، أى أنها حجة لغوية لكونها صحيحة الرواية، وإذا كانت شاذة، فحجتها لا من سبيل الرواية، وإنما من سبيل الاستعمال العربى الفصيح.
ومن خلال الأقوال السابقة ومن غيرها أيضا يتبين لنا أن استخدام ابن عاشور للقراءات كانت على النحو التالى:
- هى شاهد لغوى أيما كان نوعها سواء أكانت متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو الذى ذكره ابن عاشور، أم كانت من القراءات العشر المشهورة التى توافق خط المصحف.
- والقراءات العشر هذه فضلا عن أنها شاهد لغوى فهى مما يمكن التفسير به على أنه ترجيح لمعنى الآية أو استظهار له.
وعن بعض وجوه الخلاف التى وقعت بين القراء بسبب الرسم العثمانى، ذكر فى تفسير قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ سورة التكوير: الآية 24.
وكتبت كلمة" بضنين" فى مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه القراء.
وحكى عن أبى عبيد، قال الطبرى: هو ما عليه مصاحف المسلمين متفقة وإن اختلفت قراءاتهم به.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وفى الكشاف «هو فى مصحف أبىّ بالضاد وفى مصحف ابن مسعود بالظاء» وقد اقتصر الشاطبى فى منظومته فى الرسم على رسمه بالضاد، إذ قال:
والضاد فى" بضنين" تجمع البشر.
وقد اختلف القراء فى قراءته، فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف وروح عن يعقوب بالضاد الساقطة التى تخرج من حافة اللسان مما يلى الأضراس وهى القراءة الموافقة لرسم المصحف الإمام.
وقرأه الياقوت بالظاء المشالة التى تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وذكر فى الكشاف أن النبى- صلى الله عليه وسلم قرأ بهما، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه، لأن القراءتين ما كانتا متواترين إلا وقد رويتا عن النبى صلى الله عليه وسلم" والضاد والظاء" حرفان مختلفان والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعانى غالبا إلا نحو حضض بضادين ساقطتين وحظظ بظاءين مشالين وحضظ بضاد ساقطة بعدها ظاء مشالة وثلاثتها بضم الحاء وفتح ما بعد الحاء، فقد قالوا: إنها لغات فى كلمة ذات معنى واحد وهم اسم صمغ يقال له: خولان.
ولا شك أن الذين قرءوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة، وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائى ورديس عن يعقوب قد ردوه متواترا عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولذلك فلا يقدح فى قراءتهم كونها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر، وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما فى مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التى لم ترو متواترة كما بيّناه فى المقدمة السادسة فى مقدمات هذا التفسير.
وقد اعتذر أبو عبيدة عن اتفاق مصاحف الإمام على كتابتها بالضاد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)