والآن .. نعود إلى أصل مسألتنا (أعنى اتباع معهود العرب في تلقى الخطاب) ..
وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" إنه لا بدّ في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين؛ وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم" (1).
ويقول الإمام الشافعي في هذا أيضا:" إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيه" (2).
ومن الضروري في تحديد معهود الخطاب معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها المصاحبة لنزول القرآن الكريم؛ إذ إنّ كثيرا من الألفاظ إذا أريد تفسيرها بمجرد لغة العرب من غير الرجوع إلى هذه العادات توقع المفسّر أو المستنبط للقرآن الكريم في الغلط والجهل.
يقول الشاطبي:" لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن والسنة من معرفة عادات العرب في أقوالها، ومجاري عاداتها حالة التنزيل من عند الله والبيان من رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الجهل بها موقع في الشّبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة" (3).
ومن ذلك قوله تعالى في بيانه الإلهي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [سورة آل عمران: 130] .. فإن ظاهر الآية يوهم تقييد الربا المحرم بها إذا كان أضعافا مضاعفة؛ لكن إذا علم أن الغالب من عادات العرب--------------------------------------------
(1) الموافقات، 2/ 82.
(2) الرسالة، ص 51.
(3) الموافقات، 3/ 351.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
التعامل بالربا المضاعف، وأن الرجل منهم كان يربي أجل، فإذا حلّ قال للمدين:
زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فيفعل .. وهكذا عند محل كل أجل كان يستأصل ما له بالدين الطفيف .. أقول: إذا علم هذا؛ علم أن الآية جاءت مراعاة لعاداتهم، وتنديدا بشنيع معاملاتهم. فليس الربا مخصوصا بالمضاعف .. بل هو حرام قليله وكثيره، والقيد لبيان الواقع كما يقولون.
ومن ذلك قوله تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [سورة النحل: 50]، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [سورة الملك: 16]، وأشباه ذلك .. فإنها جري على معتادهم من اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرّين بألوهية الواحد الحق .. فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه؛ تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض من الأوثان، فلا يكون فيه دليل البتة على إثبات الجهة لله سبحانه.
ومن ذلك قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [سورة النجم: 49] .. فعين هذا الكوكب مع أنه رب الكواكب كلها؛ لأن العرب عبدته، وهم خزاعة، ابتدع لهم ذلك أبو كبشة.
هذا. ولقد صوّر الشاطبي طرفا من معهود العرب في لسانها في التراوح بين المعاني والألفاظ والأساليب، فقال:" ومن معهودهم: ألا ترى الألفاظ تعبدا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضا، فليس أحد الأمرين عندها بملتزم؛ بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحا في صحة كلامها واستقامته" (1).--------------------------------------------
(1) الموافقات، 2/ 82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
واستدل على ذلك بأدلة:
أولا: خروج العرب في كثير من كلامها على أحكام القوانين المضطردة، والضوابط المستمرة.
ورده صاحب" سبل الاستنباط" بأن العرب كانت تخرج في كلامها- شعرا ونثرا- عما هو الكثير الغالب في أنماط الصياغة .. أما البيان القرآني؛ فليس فيه خروج عن كل أنماط اللسان العربي ومذاهبه في القول. وما قد يظن أنه خروج هو في حقيقته اصطفاء لنهج من العربية يتنافى مع فيض دلالي، وقصد بياني (1).
ثانيا: استغناء العرب ببعض الألفاظ عمّا يرادفها أو يقاربها.
ولا يعدّ ذلك اختلافا ولا اضطرابا إذا كان المعنى المقصود على استقامته، والكافي من ذلك: نزول القرآن على سبعة أحرف (2).
استدلاله- رحمه الله بأن ثمّة ألفاظا تفي بحق ما أقيمت مكانه في البيان العالي إبداعا أو إعجازا مسلّم في بعض وجوه البيان الإبداعي، لكنه لا يكون البتة في البيان القرآني. فما يكون لكلمة اقتضاها السياق المقالي أو المقامي في أفقه أن تفي غيرها بما تفيض هي به من صنوف الدلالة والهدى على لاحبه، فليس في معجم البيان القرآني مترادفات البتة، لا في مفرداته ولا تراكيبه (3). ولو أنك--------------------------------------------
(1) سبل الاستنباط، د. محمود توفيق سعد.
(2) الموافقات، 2/ 83.
(3) سبل الاستنباط، ص 428.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
أدرت ألفاظ اللغة على موضع لفظة واحدة من القرآن الكريم بحثا عن بديل ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
أما دعواه دلالة نزول القرآن على سبعة أحرف على وفاء كلمة مكان أخرى؛ فهي دعوى غير مسلّمة. ولسنا هنا في صدد بيان أقوال العلماء في المراد من السبعة الأحرف ..
ولكنّ الذي ينبغي التّنبّه إليه أن المقصود بالحرف هو الوجه من وجوه القراءات، وهي لا تخرج عن سبعة أوجه على ما ذهب إليه الإمام أبو الفضل الرازي وغيره:
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث .. وذلك كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [سورة المعارج: 32]. قرئ:
" لأماناتهم" جمعا، و" لأمانتهم" إفرادا.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سورة سبأ: 19] .. وقرئ:" ربّنا بعّد".
الثالث: وجوه الإعراب: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [سورة البقرة: 282] .. قرئ بفتح الراء وضمها.
الرابع: الزيادة والنقص: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [سورة الليل: 3] .. قرئ:
" والذكر والأنثى".
الخامس: التقديم والتأخير: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [سورة ق: 19]. قرئ:" وجاءت سكرة الحق بالموت".
السادس: القلب والإبدال: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [سورة البقرة: 259] .. قرئ:" ننشرها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
السابع: اختلاف اللغات من فتح، وإمالة، وترقيق، وتفخيم وتحقيق، وتسهيل .. وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى [سورة طه: 9] .. قرئ بالفتح والإمالة في" أتى" ولفظ" موسى" (1).
والخلاصة: أن القراءات السبع هي بعض أحرف القرآن السبعة لا كلها، وأن القراءات العشر المشهورة بين أيدي الناس اليوم هي جميع الأحرف السبعة التي أنزل الله عليها القرآن. وإن شئت قلت: الأحرف السبعة هي القراءات العشر .. بلا أدنى فرق (2).
فالأحرف السبعة هي القراءات العشر المتواترة. وكل قراءة متواترة ذات معنى لا يكون هو معنى غيرها من القراءات الأخرى المتواترة، وإلا .. لكان من العبث (الذي ينزّه عنه العقلاء. فضلا عن الله الحكيم) أن تنزل قراءات قرآنية متعددة كل واحدة منها هي عين الأخرى في المعنى.
ثالثا: استدلاله بأن العرب قد تهمل بعض أحكام اللفظ؛ وإن كانت تعتبره على الجملة (3).
رابعا: استدلاله بأن الممدوح من كلام العرب عند أرباب العربية ما كان بعيدا عن تكلف الاصطناع، وأن شأن الشاعر العربي إذا اشتغل بالتنقيح اختلفوا في الأخذ عنه. وإذا كان كذلك؛ فلا يستقيم للمتكلم في كتاب الله، أو--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان، 1/ 148.
(2) انظر في تحقيق هذه المسألة: الإحسان في علوم القرآن، د. إبراهيم خليفة.
(3) الموافقات، 2/ 84.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
سنة رسوله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب، وليكن شأنه الاعتناء بما شأنه أن تعتني العرب به، والوقوف عند ما حدّته (1).
وكان مقتضى هذا الدليل، والذي قبله أن يأتي الشاطبي من الكتاب والسنة بما فيه إهمال بعض أحكام اللفظ، أو ما رمى به الكلام على عواهنه، هكذا يقول الشيخ دراز .. لكنّ الشاطبي رتب على هذين الدليلين نتيجة لا علاقة لها بهما، فقال:
" لا يستقيم في كتاب الله، أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب".
وتعقبه صاحب" سبل الاستنباط":" بأن حديثه في فقه النص على معهود العرب في بيانها، فأدخل فيه ذم التكلف في الفهم. والواقع أن ثمّ تناقضا بين التكلف والفهم .. إنهما لا يلتقيان؛ لأن الفهم ينبثق من النص، والتكلف يسقط عليه من خارجه" (2).
وبعد ذلك كله فإنّا نقول: إن كل ما ذكرناه هنا، يتلخص في أن عربية القرآن تعني أنه يفهم من خلال معهود العرب في تلقي الخطاب أيام التشريع.
هذا ما أكده المفسرون والأصوليون. قال صاحب" المنار":" على المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر النزول" (3).
فمن غفل عن ذلك وأخذ ألفاظ القرآن دون مراعاة أوضاع اللغة عند العرب زلّ فهمه، وجانب الصواب. ودونك .. فانظر ما يسمى ب" التأويل--------------------------------------------
(1) الموافقات، 2/ 84، 85.
(2) سبل الاستنباط، ص 433.
(3) تفسير المنار، 1/ 21، 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
الباطني" قديما، و" القراءة المعاصرة" حديثا مما لا يخضع لدلالات اللغة العربية، وأصولها البيانية، على ما سيأتي بيانه.
إن من السّبل السديدة لفهم القرآن الكريم التحصن بحصن قواعد اللغة العربية، وأوجه دلالاتها كما أراده الشارع الحكيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
(3) أنواع معاني العربية ومراتبها
ومن معهود العرب في الخطاب- كما يذكر الشاطبي- أن للغة العربية دلالتين:
الأولى: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة، دالة على معان مطلقة ..
وهي الدلالة الأصلية، وهذه تشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين، ولا تختص بأمة دون أخرى، وهي التي يمكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى، ومنها صح تفسير القرآن، وبيان معناه للعامة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه.
والثانية: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة، دالة على معان خادمة ..
وهي الدلالة التابعة للدلالة الأصلية. وهذه الدلالة يختص بها لسان العرب .. " فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أمورا خادمة لذلك بحسب المخبر، والمخبر عنه، والمخبر به، ونفس الإخبار، في الحال والمساق، ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء، والإيجاز والإطناب، وبحسب الكناية عنه، والتصريح به، وبحسب ما يقصد في مساق الإخبار، وما يعطيه مقتضى الحال .. إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها. فمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست هي المقصود الأصلي، ولكنها من مكملاته ومتمماته، وبطول الباع في هذا النوع يحسن مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر".
" ومن هذه الجهة في الدلالة لا يمكن ترجمة كلام من الكلام العربي بكلام العجم على حال .. فضلا عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
والدلالة في هذه الجهة كوصف من أوصاف الدلالة في الجهة الأولى، سواء أكان وصفا من الأوصاف الذاتية أو غير الذاتية" (1).
وبيان ذلك: أن للغة العربية دلالة أصلية تحصل من مجرد نسبة الفعل إلى الفاعل، أو الخبر إلى المبتدأ، فالمعنى الأصلي في قوله تعالى مثلا: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [سورة البقرة: 179]: أن من قتل نفسا بغير حق يقتل؛ وذلك حفظا لحياة الناس، فالقصاص زاجر عن قتل النفس بغير الحق، فكل عارف بمدلولات الألفاظ يدرك هذا المعنى.
وللغة دلالة أخرى ثانوية، وهي ما يبحث عنها في علم البلاغة، ويسميها البلاغيون" مستتبعات التراكيب" وهي خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام.
وإذا كان للقرآن باعتباره ألفاظا لغوية دلالة أصلية، وأخرى تابعة (هي مظهر بلاغته، وملاك إعجازه)؛ فإن ترجمته بالنظر إلى المعنى الثانوي غير ميسورة، قال الزمخشري في" الكشاف":" إنّ في كلام العرب- خصوصا القرآن- من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان".
أما الذي يمكن نقله إلى لغة أخرى؛ فهو المعنى الأصلي، حيث لا تقصر اللغات الأجنبية عن تأديتها. هذا ما قرره الشاطبي في مسألة ترجمة القرآن.
ويعلق الأستاذ الجليل الشيخ محمد الخضر حسين- رحمه الله على ما قاله الشاطبي بقوله:" وترجمة المعاني الأصلية وحدها، وتسميتها" ترجمة للقرآن"، يوهم أن المترجم أخذ معاني القرآن من أطرافها، ونقلها إلى اللغة الأجنبية، كما يقال في ترجمة غيره: ترجمة طبق الأصل.--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، 2/ 66، 68 بتصرف، وسبل الاستنباط، ص 417، 418.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
أما المفسّر؛ فإنه يتكلم بلهجة المبيّن لمعنى الكلام على حسب فهمه، فكأنه يقول للناس: هذا ما أفهمه من الآية. أما المترجم؛ فإنه يتكلم بلهجة من أحاط بمعنى الكلام، وصبّه في ألفاظ لغة أخرى.
والعمل الذي يصان به القرآن من تحريف أو وهم يتسرب إليه من طريق الترجمة أن يترجم تفسيره" (1).
شبهتان وردّهما:
إنه على الرغم من اتفاق العلماء المعتبرين على الالتزام بفهم القرآن الكريم من خلال معهود العرب في الخطاب .. فإن ثمّة مغالطتين تثاران حول هذه القاعدة:
المغالطة الأولى، مؤداها: إذا كان القرآن قد ورد على معهود العرب في الخطاب؛ فلم كانت الحاجة إلى التفسير؟
والجواب: صحيح أن القرآن كله نزل على معهود العرب بلا ريب؛ لكنّ دلالات الألفاظ على معانيها تتعدد وجوهها ومناحيها في لغة العرب، فهناك الحقيقة والمجاز والمشترك. فليس كل نص تكون دلالته بعبارته .. بل قد تكون بالمنطوق والمفهوم، أو بالإشارة والاقتضاء.
وهناك الدلالات التي تتفاوت درجاتها من حيث القوة والضعف: كالمحكم والمفسّر، والنص، والظاهر والخفي، والمشكل والمجمل.
وهناك الدلالات التي ينقسم اللفظ فيها إلى: خاص وعام، ومطلق ومقيد، وغير ذلك مما هو من معهود العرب في الخطاب، ومن ثمّ تكون منافذ الاجتهاد منفتحة أمام المفسر.--------------------------------------------
(1) انظر: بلاغة القرآن، للخضر حسين، 68، 69.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
ويجيب كذلك عن هذه المغالطة السيوطي- رحمه الله بقوله:" إنّ القرآن إنما نزل بلسان عربي، في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه.
أما دقائق باطنه؛ فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر، مع سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر، كسؤالهم لمّا نزل قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [سورة الأنعام: 82]، فقالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟! ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك، واستدل عليه بقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان: 13]، وكسؤال عائشة إياه عن الحساب اليسير فقال:" ذلك العرض"، وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود، وغير ذلك مما سأل عنه آحاد منهم. ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه، وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر؛ لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير" .. ثم يقول:" وأما القرآن .. فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا أن يسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك متعذر، إلا في آيات قلائل، فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل" (1).
أما المغالطة الثانية؛ فمؤداها: الدعوة إلى عزل الاستخدام اللغوي القرآني عن المعهود من لغة العرب، وعن السنّة النبوية كذلك، وتبني المعهود الغريب والحديث ونقله في فهم القرآن الكريم (2).
والجواب: لا يخفى أن القرآن الكريم بيان الله لمراده التشريعي، نزل بلسان عربي مبين- على ما سبق- ولما كانت المعاني المودعة في البيان القرآني ذات--------------------------------------------
(1) الإتقان في علوم القرآن، ط. الحلبي، 2/ 174.
(2) انظر: العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، محمد أبو القاسم حاج حمد، 1/ 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
دقة وغور؛ كانت الحاجة في تفسيره واستنباط الأحكام منه تحتاج إلى دقة وأناة كذلك، فليس الأمر ضربة لازب، بل له قواعد وضوابط وسبل، تستمد من حقيقة هذا الوحي وما أودع فيه من مراد الله، ومن خصائص اللسان الذي نزل به. ومن ثمّ .. قرر أهل التفسير والأصول واللغة أنه لا يجوز لأحد أن يفسر ذلك البيان من دون فقه ذلك اللسان العربي؛ لأن القرآن- كما قلنا- لم يخرج عن معهود العرب في لغتهم من حيث الألفاظ المفردة، والجمل المركبة، وقوانينها العامة.
ومن ثمّ .. فتفسير النص القرآني بما لا يكون معهودا من لغته كذب. فمثلا:
لو فسرت" النجدين" في قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [سورة البلد: 8، 9، 10] بأن النجدين- كما يقول أحد أصحاب" القراءة المعاصرة"- أعضاء بمعنى الثديين؛ فإنك تكون كذبت على لغة العرب، وبالتالي على القرآن الذي نزل على لغة العرب، ويترتب على ذلك القول بقصور أفهام العرب عن إدراك تامّ لمعاني القرآن أو عدم إدراكها بالمرة.
فتحميل النص ما لا يحتمل من الدلالة اللغوية كذب في بيان المراد الإلهي منه.
ثم إن تنزيل القرآن على غير معهود العرب سوف يجرد القرآن من الإعجاز من وجهه البياني، وهو أهم وجوه الإعجاز، إن لم يكن هو الوجه الوحيد.
ومن العجيب أن صاحب هذه الدعوة يسقط البيان النبوي للقرآن الكريم، مع أن السنّة هي بيان القرآن بنص القرآن، وهي تأخذ حجيتها من إقرار القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يأمرنا ولا ينهانا إلا بالذي يأمرنا به الله عز وجل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
ويترتب على ذلك- أعني إسقاط السّنة- التشكيك في صحة التطبيقات المبنية على المفاهيم التي استفادها الصحابة الكرام، أو المسلمون عبر القرون من القرآن الكريم، كما أن هذا القول سيجعل القرآن قاموسا لنفسه دون حاجته إلى مرجعية أخرى في فهمه- كالبيان النبوي- كما أنه سيجعل القرآن كذلك كتابا نظريّا تتحدد معانيه بمحدود طيّاته.
فإن قلت: إن لغة القرآن التي جاءت على معهود العرب خاضعة في ألفاظها واستعمالاتها لسنة التطور طالما هي متداولة في التاريخ، وهذا يعني تعرض ألفاظها للتحول إلى معان جديدة لم تكن مقصودة في زمن التنزيل.
قلت: نحن لا نغفل جوانب الاستفادة من ذلك التطور واستثماره في الفهم، شريطة أن يختزن اللفظ العربي المعنى الذي يراد أخذه من اللفظ. فإذا كان اللفظ بحسب معناه اللغوي أو العرفي يتسع لذلك؛ فلا إشكال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
(4) مناسبات النزول
القرآن الكريم هو الكلام العربي الذي سما- كما قلنا آنفا- إلى أعلى درجات البلاغة. والبلاغة: هي مطابقة الكلام لمقتضيات الأحوال. فلا بد لمعرفة معاني القرآن على الحقيقة من معرفة هذه المقتضيات والمناسبات التي اقترن نزول الآيات بها.
فمناسبات النزول، بما أنها مقتضيات الأحوال التي نزل بعض آيات القرآن الكريم استجابة لها، تلقي ضوءا على وجوه الإعجاز البياني. فضلا عن أنها من عناصر الاسترشاد والاستيضاح التي تعين على فهم المراد من الآية الكريمة. ومن ثمّ .. قرر الشاطبي أن معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أن علم المعاني والبيان (الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب) إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين .. وغير ذلك، فلفظ الاستفهام- مثلا- واحد، ولكنه يختلف إلى: حقيقي، وإنكاري، وتوبيخي، وتعجبي. ولفظ الأمر واحد، ولكنه يختلف معناه إلى ما هو: للطلب، أو للتهديد، أو للإباحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وليست القرائن الدالة على هذا كلها في القرآن، بل أكثرها قرائن خارجية مستوحاة من أسباب النزول، ومقتضيات الأحوال (1).
وتوضيح هذا الذي يقوله الشاطبي يتجلى في أن كلا من علم المعاني والبيان موضوعة مسائلهما للاقتدار على معرفة معاني القرآن، والاستشراف على مقاصده، فضلا عن معرفة كلام العرب، والوقوف على أغراضها في مخاطباتها.
وإنما كان علم المعاني والبيان بهذه المثابة؛ لأن فقه مسائلهما يدل على الأسباب التي تجعل الكلام مطابقا لمقتضى الحال.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو" البلاغة". ومن ثمّ .. فلا يفهم الكلام الذي يجيء على نهج البلاغة إلا بمعرفة الحال التي صدر كلام البليغ قاصدا لمطابقتها، وذلك .. أن الكلام يكون واحدا، ثم يختلف باختلاف الخطاب المستعمل فيه، وباختلاف المتكلم، وباختلاف السامع كذلك.
فمعرفة مقتضيات الأحوال أمر لا بدّ منه في معرفة معاني القرآن العظيم المعجز، وإدراك مقاصده البعيدة. وما أسباب النزول إلا إعلام بالحال والمناسبة التي نزلت فيها الآيات الكريمة، فهي كاشفة لمعاني القرآن، معينة على بيان مقاصده، وصحة دلالته، وتفهّم أسرار بلاغته.
الأمر الثاني- وهو مبني على الأول: أن الجهل بأسباب النزول موقع في الجهل بمعاني القرآن، ومؤدّ إلى الشّبه والخلاف في معناه (2).--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 347.
(2) الموافقات، 3/ 348.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ويدل على ذلك جملة وقائع ظهرت أثناء نظر الصحابة للقرآن، وإرادة فهمهم مجرى خطابه. ومن ذلك ما نقله الشاطبي أن مروان بن الحكم أشكل عليه قوله تعالى:
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [سورة آل عمران:
188]، فأرسل إلى ابن عباس يقول له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي ويحب أن يحمد بما لم يفعل معذّبا؛ لنعذّبن أجمعون! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شيء من التوراة فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وفرحوا بما فعلوا، وأحبوا أن يحمدهم الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه الأخبار الكاذبة .. ثم قرأ قول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [سورة آل عمران: 187].
فهذا السبب يظهر أن المقصود من الآية تعذيب المنافقين الكاتمين لأحكام الله، لا ما فهمه مروان بن الحكم.
ومن ذلك: ما روي أن عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود يخبر عمر أن قدامة شرب فسكر، فقال له عمر: ومن يشهد على ذلك؟ فقال: أبو هريرة. فقال عمر: يا قدامة .. إني جالدك. فقال:
والله .. لو شربت- كما يقولون- لما كان لك أن تجلدني. قال عمر: ولم؟!
قال: لأن الله يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [سورة المائدة: 93] .. قال قدامة: فأنا من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا .. شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين، وحجة على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الباقين .. فعذر الماضين: أن الله أنزل هذه الآيات قبل أن تحرّم عليهم الخمر، وحجة على الباقين: لأن الله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة المائدة: 90] .. ثم قرأ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر. فقال عمر: صدقت.
وسر الغلط- كما يقولون- أن قدامة بن مظعون غفل عن موضع نزول الآية الأولى، وأنها كانت فيمن مات من الصحابة قبل نزول الآية في تحريم الخمر.
هكذا يقول الشاطبي في" الموافقات" في هذا الموضع، وسلمه له شارحه العالم الجليل الشيخ عبد الله دراز، وكذلك غيرهما من الكاتبين في علوم القرآن، قديما وحديثا.
غير أن الأستاذ الجليل الدكتور محمد سعاد جلال تعقبهم بأن" هذه المسألة ليست من قبيل الجهل بمعرفة السبب؛ لأن المراد بالسبب (الذي تنزل بعض الآيات جوابا عليه) إنما هو سبب محدد. أما هذه الواقعة؛ فلا يعدو الحال أن تكون الآية الأولى نزلت في تاريخ سابق عامة في جميع المؤمنين، وفي جميع أجزاء الزمان الذي كانوا فيه، بحيث لو لم تنزل الآية الثانية لما أمكن القول بأن الآية الأولى جاءت موضوعة على سبب خاص. وإنما هذه الواقعة ترد إلى قاعدة العام، وتخصيص العام. ذلك .. أن كلمة" فيما طعموا" تنحلّ إلى كلمتين:" ما" الموصولة، وهي تفيد العموم. و" طعموا" صلتها المفسّرة لمعناه. ومعنى" طعموا":
تناولوا. والمعنى الكلي للجملة: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح في أي شيء تناولوه، ولو كان هو الخمر، لمن كان متصفا بالإيمان والتقوى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
والإحسان. فهذه قضية عموم الآية الذي استشهد قدامة به، وأجابه ابن عباس بأن هذا العموم ليس جاريا على إطلاقه، ولكنه عموم دخله التخصيص بالآية الثانية، فكأنه قال: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ..
إلا إن كان خمرا؛ فاجتنبوه" (1).
هذا .. ومن فوائد معرفة أسباب النزول: معرفة مقاصد الأحكام التي اشتملت عليها الآيات التي نزلت على أسبابها، ووجه الحكمة فيها. وبذلك يدفع المفسر الشّبه عن القرآن الكريم، ويستطيع المجتهد استنباط علل الأحكام كما في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [سورة النساء: 43] .. فإن سبب النزول يبين أن الحكمة هي المنع من حصول التخليط في الصلاة، والتغيير في القرآن.
وأخيرا .. فإن مما ينبغي التنبه له أن سبب النزول مجرد معين على فهم الآيات القرآنية التي نزلت على أسباب، وليس السبب منشئا للآيات، ولا هو العلة في الإنزال أو التشريع.
فالوقائع مناسبات للنزول، وظرف زمان نزلت فيه الآية، فالعلاقة بين الواقعة والنص القرآني لا تعدو علاقة الاقتران، ولا تدخل أبدا في باب" العلة العقلية" التي يلزم من وجودها وجود المعلول، ومن انتفائها انتفاؤه.
أما قول بعض الحداثيين بأن: القرآن كله نزل على أسباب، وهذه الأسباب أسباب تاريخية منقضية تجاوزها الواقع والتاريخ، وهي علة الحكم. والمعلولات- أي الأحكام القرآنية- منقضية بانقضاء العلل، ومن ثمّ .. يقررون رفض إطلاق--------------------------------------------
(1) مقدمة في التعريف بعلم أصول الفقه والفقه، للدكتور محمد سعاد جلال، ص 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
" التشريع القرآني" وخلود أحكامه، وذلك منذ طوى التاريخ صفحة أسباب النزول من الوجود ..
أقول: كل ذلك زور من القول قد استوفينا الرد عليه في كتابنا:" أسباب النزول: تحديد مفاهيم، ورد شبهات".
كما أنبّه إلى أن الأصل في الصيغ التي يفيد ظاهرها العموم" التعميم"؛ إذ ذلك هو المتبادر من الصيغة عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، فما زلنا نعلم بالبداهة أن الصيغ العامة والمطلقة (عن قيود الزمان والمكان والأحوال والأشخاص) لا تصلح للدلالة على أكثر من المعنى الذي وضعت له، ولا سلطان للعصور أو الظروف في تغيير شيء من قانون هذه الدلالة أو تضييق شيء من عمومها.
فالأسباب- كما قلنا- تعين على حسن تفهّم الآيات التي نزلت مقترنة بها، من غير أن تكون ذات سلطان على دلالته العامة، فتحدّها وتمنع امتدادها؛ إذ وظيفة السبب- كما قلنا- وظيفة كشف وإبانة عن حركة المعنى في النظم، وهادية لمسالك الفهم، وليست مانعة طلاقة المعنى، وشمول سلطانه على ما يستحدث.
فالقول بحصر الدلالة فيما جاءت به أسباب النزول وأد لدلالة النص، وهي دعوى يتسلل منها إلى بيان أن نصوص القرآن لا تتجاوز دلالتها زمن الوحي. وهذا ما نبّه إليه الأصوليون وعلماء القرآن من أن" العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" .. فاحذر ما يقوله ملاحدة هذا العصر، عبيد يهود، من أن ارتباط الآيات بأسباب نزولها يرفع عنا التكليف بما فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
فإن قيل: بل الخلاف قائم في هذه القاعدة .. فإن من علماء الأصول من قال بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
وعند هذا أقول: هيا بنا نلق الضوء على هذه القاعدة مبينين وجه الحق في هذه المسألة الأصولية، وهي أن اللفظ الوارد على سبب: هل يكون حكمه على قدر ذلك السبب؟
وفي الجواب عن هذا السؤال يقول الأصوليون: إن ذلك اللفظ المذكور، إما أن يكون قضية تامة مستقلة بنفسها بحيث يمكن الابتداء بها لو لم يوجد سبب، وإما أن يكون عبارة تابعة للسبب غير مستقلة بنفسها، كنعم أو لا.
فأما غير المستقل؛ فلا خلاف في أن حكمه على وفق سببه .. إن عامّا؛ فعام، وإن خاصّا فخاص. ومثاله أن يسأل سائل: أيحل الوضوء بماء البحر؟
فيقال:" نعم". فهذا حكم يعم السائل وغيره؛ لأن السؤال كان عامّا وقد جاء على وفقه. وإن قال السائل: أيحل لي الوضوء بماء البحر؟، فقيل له:" نعم"؛ فهذا حكم خاص يخص السائل بصيغته؛ لأن السؤال كان كذلك، وإن تعداه إلى غيره من المكلفين؛ فإنما يتعدى بالقياس أو بنص آخر من النصوص الدالة على أن أحكام الشريعة أصلها العموم ما لم يقم دليل التخصيص.
وأما المستقل .. فإن كانت صيغته خاصة؛ فالحكم خاص حتى ولو كان السبب عامّا،، كأن يسأل سائل: أيحل الوضوء بماء البحر؟ فيجاب:" يحل لك الوضوء بماء البحر".
وإن كانت صيغته عامة .. فهل يعم حكمها حتى ولو كان السبب خاصّا؟
مثاله أنه- عليه الصلاة والسلام سئل عن بئر بضاعة التي كانت تلقى فيها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)