ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عامًّا وخاصًّا وعَزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا … » اهـ.
وقد رد الإمام ابن رجب الحنلبي في «فضل علم السلف على الخلف» (ضمن مجموع رسائل ابن رجب: 3/ 22 - 24) على من ظن في شخص من المتأخرين أنه أعلم من السلف الصالح بكلام قوي رأيت نقله هنا لنفاسته، قال رحمه الله:
«وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم؛ لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا؛ فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم.
وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبة لهم إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة: «إنهم أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علومًا، وأقلها تكلفًا». وروي نحوه عن ابن عمر أيضًا. وفيه إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا. وقال ابن مسعود أيضًا: «إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه». فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم» اهـ.
وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمان والفقه. وأهل اليمن أقل الناس كلامًا وتوسعًا في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك. وهذا هو الفقه والعلم النافع، فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق.
فضبط ما رُوي عنهم في ذلك أفضل العلوم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحًا لكلام يتعلق من كلامهم. وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به. فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثيرٍ من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم … » اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله (3/ 31 - 32):
« … وأما مِن علمه غير نافع؛ فليس له شغل سوى التكبر بعلمه على الناس، وإظهار فضل علمه عليهم، ونسبتهم إلى الجهل، وتنقصهم ليرتفع بذلك عليهم، وهذا من أقبح الخصال وأردئها.
وربما نسب من كان قبله من العلماء إلى الجهل والغفلة والسهو، فيوجب له حب نفسه، وحب ظهورها، وإحسان ظنه بها، وإساءة ظنه بمن سلف من العلماء.
وأهل العلم النافع على ضد هذا: يسيئون الظن بأنفسهم ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء، ويقرون بقلوبهم بفضل مَن سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها.
وما أحسن قول أبي حنيفة! وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل؟ فقال: «والله ما نحن بأهل أن نذكرهم، فكيف نفضل بينهم؟ ! ».
وكان ابن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:
لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم … ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
ومَن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضلًا على مَن تقدمه في المقال وتشقق الكلام، ظن لنفسه عليهم فضلًا في العلوم أو الدرجة عند الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
لفضل خص به عمن سبق، فاحتقر من تقدمه، وأزرى عليه بقلة العلم، ولا يعلم المسكين أن قلة كلام من سلف إنما كان ورعًا وخشية لله، ولو أراد الكلام وإطالته لما عجز عن ذلك … » اهـ.
قلت: فكلام هؤلاء الأئمة يدل على أن السلف الصالح قد تفوقوا علينا في العلوم الشرعية، وقد سبقونا إلى كل باب من أبواب الخير، فلا سبيل لنا أن نصل إلى درجة علمهم وفقههم ومعرفتهم بأسرار الشريعة فضلًا عن أن نفوقهم، ولو يسر لإنسان في هذا العصر كل وسائل التقنية الحديثة، وحصل على مئات الموسوعات الإلكترونية وآلاف الكتب المجلدات فلن يصل أبدًا إلى ما وصل إليه السلف الصالح من العلوم الدينية والمعارف الشرعية، ولن يتمكن من معرفة شيء من أمور الدين لم يعرفه السلف الصالح. والله أعلم.
فيتبين من ذلك أن ما ادعاه الدكتور من عدم قيام السلف الصالح بمسألة إحصاء التسعة والتسعين اسمًا ادعاءٌ باطل. والله الموفق.
* * *
* ثالثًا: قوله: «ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد … ».
أقول هذا القول حجة عليه؛ لأنه إذا كان الأمر كذلك، فكثير من السلف الصالح والعلماء المتقدمين كانو يحفظون أضعاف أضعاف هذا العدد من الأحاديث، فإحصاء الأسماء الحسنى أيسر عليهم بكثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان يحفظ «مليون» حديث، فقد روى الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (6/ 100) عن أبي زرعة الرازي أنه قال: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
وهذا الإمام يحيى بن معين قد كتب بيده «مليون» حديث (1).
وكان الإمام أبو زرعة الرازي يحفظ ستمائة ألف حديث. وكان يقول: «أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان: قل هو الله أحد» اهـ (2).
وقد أخرج الإمام البخاري أحاديث «صحيحه» من ستمائة ألف حديث. وكان يقول: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح» اهـ (3).
وقال الإمام مسلم: «صنفت هذا «المسند الصحيح» من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة» اهـ (4).
ولو ذهبت أسرد علماء السلف الذين كانو يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث لطال المقام جدًّا، وفيما ذكرته كفاية (5).--------------------------------------------
(1) «تاريخ دمشق» (65/ 13).
(2) «تاريخ بغداد» (12/ 41، 44)، و «تاريخ دمشق» (38/ 19، 20).
(3) «تاريخ بغداد» (2/ 327، 346).
(4) «تاريخ بغداد» (15/ 122).
(5) ومَن أراد المزيد فلينظر إلى تراجم هؤلاء الأعلام في كتب الرجال: أبي داود السجستاني، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبي مسعود الرزاي، وعبدالله بن وهب، وابن الجعابي، وابن عقدة، وسليمان بن عبدالرحمن الدمشقي، وعُبيدالله بن عمر القواريري، وعلي بن عاصم، وأحمد بن صالح المصري، ومحمد بن العلاء بن كريب، وغيرهم كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
• فإذا تبين أن الأئمة المتقدمين كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث النبوية والآثار السلفية تقرر أنهم كانوا أوسع إحاطة للسنة من هذه الموسوعات الإلكترونية؛ لأن هذه الموسوعات التي اعتمد عليها الدكتور في إحصاء الأسماء التسعة والتسعين لا يبلغ ما تحتويه عشر ما حفظه هؤلاء الأئمة وذلك بشهادة الدكتور نفسه (1)، وهذا يدل دلالة واضحة أنهم كانوا أقدر على إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين منا. والله أعلم.
* * *--------------------------------------------
(1) ثم نقول: مَن الذين أوصلوا إلينا هذه الأحاديث الموجودة على الموسوعات الإلكترونية؟ أليس هم السلف الصالح رضي الله عنهم؟ ! !
هذا، مع العلم بأن هذه الموسوعات الإلكتورنية -التي اعتمد عليها الدكتور- تحتوي على كمِّ هائل من الأخطاء والتصحيفات والتحريفات، مما يجعلنا لا نثق ثقة كاملة بما تحتويه من معلومات، وستأتي زيادة توضيح لهذا الأمر (ص: 86).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
الرد على طعنه في الإمام
الوليد بن مسلم رحمه الله
قال الدكتور (ص: 8): «في نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الثالث الهجري حاول ثلاثة من رواه الحديث جمعها - أي: جمع الأسماء الحسنى التسعة والتسعين - باجتهادهم؛ إما استنباطًا من القرآن والسنة أو نقلًا عن اجتهاد الآخرين في زمانهم، الأول منهم -وهو أشهرهم وأسبقهم- الوليد بن مسلم مولى بني أمية (ت: 195 هـ) وهو عند علماء الجرح والتعديل كثير التدليس والتسوية في الحديث … » اهـ.
أقول:
نفهم من كلام الدكتور أن هذه الأسماء المشهورة بين الناس هي من اجتهاد الوليد بن مسلم أو مِن نقله عن اجتهاد بعض شيوخه، والوليد يدلس تدليس التسوية؛ فلذلك لا نقبل منه هذه الأسماء!
وهذا طعن ليس في محله؛ لأن تدليس التسوية خاص بالرواية لا بالاجتهاد (1). والوليد بن مسلم رحمه الله قد جمع هذه الأسماء باجتهاده--------------------------------------------
(1) وتدليس التسوية هو كما قال الحافظ العراقي في «التقييد والإيضاح» (ص: 96): «أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمل المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيُسقِط منه شيخَ شيخِه الضعيف، ويجعله من رواية شيخِه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل -كالعنعنة ونحوها-، فيصير الإسناد كله ثقات ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه؛ لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل» اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
هو، كما صرح بذلك العلماء ومنهم الدكتور، فطعن الدكتور في الوليد بن مسلم رحمه الله بتدليس التسوية في هذا الموضع خطأ. والله أعلم.
• وإذا افترضنا أن الوليد نقل هذه الأسماء عن اجتهاد بعض شيوخه، كما صرح بذلك بعض العلماء؛ لم يكن للدكتور أن يطعن في نقله بتدليس التسوية؛ لأن الذي يدلس تدليس التسوية يسقط شيخ شيخه وهنا نقل عن شيوخه مباشرة.
• ومما يوضح خطأ الدكتور في طعنه في الوليد بتدليس التسوية في هذا الأمر: أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان إمامًا في الفقه من أهل الاجتهاد، ولكنه مع ذلك كان ضعيفا في الحديث (1). فهل نقول: إننا لا نقبل اجتهاداته الفقهية؛ لأنه كان ضعيفا في الحديث؟ !
وكذلك حفص بن سليمان المقرئ كان ضعيفًا في الحديث (2)، ولكنه إمام في القراءة، فهل ضعفه في الحديث يمنعنا أن نقرأ بروايته عن عاصم؟ !
غاية ما في الأمر أن نقول: إن سرد الأسماء بهذه الصورة المشهورة بين الناس هي من اجتهاد الوليد بن مسلم، فنقبل منها ما ثبت في الكتاب--------------------------------------------
(1) ضعَّفه في الحديث جمع من أهل العلم، منهم: ابن المبارك والثوري ويحيى القطان وابن معين والبخاري ومسلم وأحمد والنسائي وابن عدي وابن حبان وغيرهم.
وراجع: «المجروحين» لابن حبان (2/ 405)، و «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (8/ 449)، و «تاريخ بغداد» (15/ 572 - 582).
(2) ضعَّفه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم كما في ترجمته من «تهذيب الكمال».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
والسنة ونرد ما لم يثبت. أما أن نطعن في اجتهاده بأمر لا دخل له في الاجتهاد فهذا بعيد عن الإنصاف (1).
هذا مع العلم بأن الوليد بن مسلم إمام كبير وعالم جليل من أتباع التابعين. وقد أثنى عليه كثير من الحفاظ والأئمة. وحديثه مخرج في الكتب الستة كلها.
قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما رأيت في الشاميين أعقل من الوليد بن مسلم».
وقال الإمام ابن سعد: «كان ثقة، كثير الحديث».
وقال الإمام علي بن المديني: «ما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب الوليد أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد».
وقال الإمام يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: «علم الشام عند إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم، فأما الوليد فمضى على سنته محمودًا عند أهل العلم، متقنًا صحيحًا صحيح العلم» اهـ.
وقال الإمام أبو زرعة الدمشقي سألت أبا مسهر عن الوليد بن مسلم فقال: «كان من ثقات أصحابنا. وفي رواية: من حفاظ أصحابنا» (2) اهـ.--------------------------------------------
(1) هذا مع العلم بأن التدليس -بكل صوره- ليس قدحًا في الراوي، غاية ما هنالك: أننا لا نقبل روايته التي لم يصرح فيه بالتحديث. أما إذا صرح بالتحديث فروايته مقبولة إذا كان ثقة. والأعمش والثوري مع إمامتهما وجلالتهما في الحديث كانا يدلسان تدليس التسوية.
وراجع «الكفاية» للخطيب (ص: 518 - 520)، و «تدريب الراوي» (1/ 282، 286 - 288).
(2) هذه الأقوال كلها في ترجمة الوليد من «تهذيب الكمال» (31/ 92 - 94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
الرد على الدكتور
في ادعائه الإحاطة بالسنة النبوية
قال الدكتور: (ص: 19): «إن من دوافع البحث الرئيسية أن باب الأسماء الحسنى يفتقر إلى دراسة علمية استقصائية حصرية تشمل كل ما ورد في الأصول القرآنية والنبوية ..... ولما يسر الله عز وجل الأسباب في هذا العصر وأصبح ذلك أمرًا ممكنًا بعد أن ظهرت تقنية البحث الحاسوبية، وقدرة الحاسوب على قراءة ملايين الصفحات في لحظات معدودات أقدمت على البحث وأنا لا أتوقع ما توصلت إليه من نتائج» (1).
قلت:
فهنا يزعم الدكتور أنه باستخدام تقنية البحث الحاسوبية أصبح قادرًا على عمل دراسة علمية استقصائية حصرية تشمل كل ما ورد في الكتاب والسنة.
وهذا كلام غير صحيح؛ إذ إنه لا يستطيع أحد مهما أوتي من علم أن يحيط بكل ما ورد في السنة النبوية.--------------------------------------------
(1) وقال أيضًا في أحد البرامج: «الكمبيوتر يقرأ السنة كلها في دقيقة أو دقيقتين» اهـ.
وهذا الكلام مسجل عندي بصوته وصورته. يغفر الله لي وله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
«من قال: إن السنة كلها اجتمعت عند رجل واحد. فسق، ومن قال إن شيئا منها فات الأمة. فسق» اهـ (1).
وقال أيضا في «الرسالة» (ص: 42 - 43):
«لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودا عند غيره» اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البر في «التمهيد» (8/ 68 - 69):
«أخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصة، لا ينكر على أحد جهل بعضها، والإحاطة بها ممتنعة، وما أعلم أحدا من أئمة الأمصار مع بحثهم وجمعهم إلا وقد فاته شيء من السنن المروية من طريق الآحاد، وحسبك بعمر بن الخطاب فقد فاته من هذا الضرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد من رواية مالك في «الموطأ» ومن رواية غيره أيضًا، وليس ذلك بضار له، ولا ناقص من منزلته، وكذلك سائر الأئمة لا يقدح في أمانتهم ما فاتهم من إحصاء السنن؛ إذ ذاك يسير في جنب كثير، ولو لم يجز للعالم أن يفتي ولا أن يتكلم في العلم حتى يحيط بجميع السنن ما جاز ذلك لأحد أبدًا … » اهـ.--------------------------------------------
(1) «توضيح الأفكار» للصنعاني (1/ 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (20/ 233):
«إن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الأمة ..... وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يمكن ادعاؤه قط … » اهـ.
وقال أيضا (20/ 238 - 239) بعد أن ذكر آثارا كثيرة تدل على خفاء بعض السنة على أكابر الصحابة:
(فهؤلاء كانوا أعلم الأئمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص، فخفاء بعض السنة عليه أولى، فلا يحتاج إلى بيان. فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأمة أو إمامًا معينًا فهو مخطئ خطأ فاحشًا قبيحًا).
ولا يقولن قائل: الأحاديث قد دونت وجمعت، فخفؤها والحال هذه بعيد؛ لأن هذه الداويين المشهورة في السنن إنما جمعت بعض إنقراض الأئمة المتبوعين. ومع هذا فلا يجوز أن يُدعَى انحصار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها، بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير؛ لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية، فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين. وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية» اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
قلت: يتبين من كلام هؤلاء الأئمة رحمهم الله: أنه لا يمكن لأحد أن يحيط علما بكل نصوص السنة النبوية مهما بلغت درجته في العلم والحفظ (1)، واعتبر ذلك بالإمام أحمد رحمه الله فإنه مع عظيم علمه وحفظه لما يقرب من «مليون» حديث - كما ذكرت آنفا - قد خفيت عليه أشياء من السنة.
قال الإمام ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص: 461):
«وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل - مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث - أنه قال لابنه: ما كتبتَ عن فلان؟ فذكر له أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى.
فقال الإمام أحمد بن حنبل: إنا لله، سنة من سنن رسول الله لم تبلغني.
وهذا قوله مع إكثاره وجمعه» اهـ.
فإن ادعى الدكتور أنه توفر لديه «موسوعات إلكترونية» ولم يتوفر ذلك لأئمة المسلمين المتقدمين فإحاطته بالسنة أوسع من إحاطتهم! !
قلت:
إن الموسوعات الإلكترونية التي اعتمد عليها الدكتور تحتوي على عشرات الآلاف من الأحاديث، كما ذكر ذلك الدكتور نفسه (ص: 14) ونقلته فيما سبق. والأئمة كانو يحفظون أضعاف أضعاف هذا العدد، فإحاطتهم بالسنة أوسع من إحاطة الدكتور بلا شك.--------------------------------------------
(1) إنَّ أخشى ما أخشاه أن يقول الدكتور أو أحد أتباعه: إن هؤلاء الأئمة قد قالوا هذا الكلام؛ لأنه لم يكن عندهم «كمبيوتر»! !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
كذلك فأنه يوجد عدد كبير من الكتب المخطوطة لم يطبع بعد، ولا توجد بالتأكيد على الموسوعات الإلكترونية، ولو قال قائل: إن عدد الكتب المخطوطة التي لم تطبع بعد أكثر من عدد الكتب المطبوعة. لما بعد عن الصواب إن شاء الله، ومن اطلع على فهارس المخطوطات علم ذلك.
ومن هذه الكتب المخطوطة كتاب في شرح الأسماء الحسنى، يعتمد عليه كثير من العلماء مثل: القرطبي والمناوي وغيرهما، وهو كتاب: «الإنباء في شرح الصفات والأسماء» للإمام الإقليشي (1). ومع أهمية هذا الكتاب؛ فإن الدكتور لم يطلع عليه، مع أنه أصل في الموضوع الذي يبحثه الدكتور، وقد ادعى استقصاء جميع الكتب فيه (2)! !
• كذلك فإن كثيرًا من كتب المسلمين قد فقدت على مر الزمان، بسبب عوادي الحروب والأيام وتفريط المسلمين وغفلتهم، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن كمية الكتب المفقودة تساوي أضعاف كمية الكتب الموجودة (3). هذه الكتب لم يصلنا عنها سوى أسمائها، اطلع عليها كثير من علماء المسلمين المتقدمين، ولم نطلع عليها نحن ولم يطلع عليها الدكتور كذلك.--------------------------------------------
(1) وعندي نسخة مصورة عن أصلها المخطوط في المكتبة الأزهرية.
(2) كذلك فإنه يوجد عدد كبير من الكتب المطبوعة لا يوجد على الموسوعات الإلكترونية كما هو معلوم لدى الباحثين.
(3) انظر «القواعد المنهجية في التنقيب عن المفقود من الكتب والأجزاء التراثية» للدكتور حكمت ياسين (ص: 11 - 12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
قال العلامة الدكتور محمود الطناحي في «مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي» (ص: 22):
«في مصنفات السيوطي، وفي مقدمة «الخزانة» و «التاج»، وفي أثنائهما كتب كثيرة لا نعرف لها وجودا الآن. ولا زالت الأيام تظهرنا على مخطوطات نفيسة كنا نعدها من المفقودات وكم في الزوايا من خبايا» اهـ.
وهذه قائمة ببعض هذه الكتب المفقودة:
1 - السنن للأوزاعي. … 2 - سنن أبي الحسن المصري.
3 - سنن الوليد بن مسلم. … 4 - سنن ابن عدي.
5 - سنن علي بن المديني. … 6 - السنن لإسماعيل القاضي.
7 - السنة: لابن أبي حاتم. 8 - السنة: لأبي بكر الأثرم.
9 - السنة: لأبي الشيخ. … 10 - السنة: للعسال.
11 - السنة: للطبراني. … 12 - السنة: لمحمد بن السري.
13 - السنة: للسجزي. … 14 - مسند ابن منيع.
15 - مسند بقي بن مخلد. … 16 - مسند الحسن بن سفيان.
17 - مسند عثمان الدارمي. 18 - مسند ابن زيدان البجلي.
19 - مسند قاسم بن أصبغ. 20 - مسند ابن سنجر الجرجاني.
21 - مسند مسدد بن مسرهد. 22 - مسند ابن المقرئ.
23 - مسند يحيى الحماني. … 24 - مسند ابن أبي عمر العدني (1).--------------------------------------------
(1) انتقيتها من كتاب «القواعد المنهجية في التنقيب عن المفقود من الكتب والأجزاء التراثية» (ص: 295 - 334).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
هذه أمثلة لبعض الكتب المفقودة، وقد سبق أن ذكرت أن عدد الكتب المفقودة أكثر بكثير من الكتب المطبوعة والمخطوطة، ومن هذا تعلم أن دعوى الدكتور إحاطته بالسنة النبوية دعوى مرفوضة تماما.
والدعاوى ما لم تقيموا عليها .... بينات أبناؤها أدعياء
ولقد أحصى أحد المستشرقين في كتابه «خزائن الكتب العربية في الخافقين» (1/ 97) عدد الكتب في مكتبات البلدان العربية فبلغ نحو ثلاثة ملايين مجلد ما بين مخطوط ومطبوع.
فإذا أضفنا إلى ذلك عدد الكتب المفقودة، تضاعف هذا العدد أضعافا كثيرة. وإذا سلمنا أن الدكتور اطلع على 50 ألف مجلد -كما يدعي (1) - فماذا يساوي ذلك بجانب هذه الملايين من المجلدات؟ !
ولا شك أنه يوجد في هذه الكتب كثير من الأحاديث التي لم يطلع عليها الدكتور، فكيف يدعي أنه أحاط علما بالسنة؟ !
والواقع أنه لم يحط علما إلا بجزء يسير من السنة النبوية، ولكن غره الحاسب الآلي وما عليه من موسوعات إلكترونية! !
علمت شيئا وغابت عنك أشياء ..... فانظر وحقق فما للعلم إحصاء
للعلم قسمان ما تدري وقولك لا … أدري ومن يدعي الإحصاء هَذَّاء
* * *--------------------------------------------
(1) ادعى ذلك الدكتور في لقاء معه في إحدى القنوات الفضائية. وهو مسجل عندي بصوته وصورته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
عدد الأسماء الحسنى
الثابتة في الكتاب والسنة
قال الدكتور (ص: 20): « … لكن النتيجة التي أسفر عنها البحث يتصاغر بجانبها كل جهد، فقد ظهرت مفاجأة لم تكن في الحسبان، تلك المفاجأة تتمثل في أن ما تعرف الله به إلى عباده من أسمائه الحسنى التي وردت في كتابه وفي سنة رسوله تسعة وتسعون اسما وردت بنصها، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إجمالا إلى العدد المذكور في الحديث المتفق عليه، وذلك عند تمييزها عن الأوصاف، وإخراج ما قيد منها بالإضافة أو بموضع الكمال عند انقسام المعنى المجرد وتطرق الاحتمال … » اهـ (1).
أقول:
هذا كلام عجيب! كيف جوز الدكتور لنفسه أن يجزم بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط؟ ! وما دليله على ذلك؟ هل النتيجة التي توصل إليها بواسطة «الكمبيوتر» تعد دليلا؟ ! لابد إذًا من دليل صريح من الكتاب أو السنة في أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط. {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].
والحديث المشهور الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعسة وتسعين--------------------------------------------
(1) وقال الدكتور مثل ذلك أيضًا (ص: 33، 712).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
اسما من أحصاها دخل الجنة». قد شرحه العلماء بما يدل على أن مِن أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، وليس فيه حصر للأسماء الحسنى في هذا العدد، وليس فيه أيضا حصر للأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة في هذا العدد. وعامة أهل العلم على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسمًا.
قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (22/ 482) في معرض رده على من زعم أنه لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسما:
« … وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين» اهـ.
قلت: فكلام شيخ الإسلام رحمه الله صريح في أن الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما.
وقال العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد في «معجم المناهي اللفظية» (ص: 11):
«باب الأسماء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللقرآن العظيم توقيفية لا تكون إلا بنص، وقد جاء في القرآن نحو مائة اسم لله تعالى» اهـ.
قلت: وفي السنة أسماء أخر فيكون العدد أكثر من تسعة وتسعين كما هو ظاهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
• ومما يدل على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين أن العلماء ذكروا أن الحكمة في عدم تعيين النبي صلى الله عليه وسلم للأسماء التسعة والتسعين أن يجتهد الإنسان ويدعوا بجميع الأسماء الحسنى التي استطاع أن يقف عليها من الكتاب والسنة، فيصيب العدد الموعود به فيها، وهذا ذهاب منهم إلى أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين (1).
كذلك فإن بعض العلماء قد ذهبوا إلى أن التسعة والتسعين اسما إنما تستخرج من القرآن فقط دون السنة، وهذا يدل على أنهم يذهبون إلى أن في السنة أسماء أخرى، وأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين كما هو ظاهر. ومن هؤلاء العلماء: سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل (2)، والحافظ ابن حجر (3) وغيرهم.
ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالعدد المذكور هو إحصاء تسعة وتسعين اسما من جملة أسمائه، فكل من حفظ هذا العدد من أسمائه استحق هذا الأجر، فهي تسعة وتسعون غير معينة ولا محددة (4). وهذا يدل على أن هؤلاء العلماء يذهبون إلى أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين.--------------------------------------------
(1) انظر (ص: 43) من هذه الرسالة.
(2) كما في «مجموع الفتاوى» (6/ 380).
(3) كما في «الفتح» (11/ 222)، و «التلخيص الحبير» (4/ 339).
(4) انظر «أسماء الله وصفاته» للدكتور عُمَر سليمان الأشقر (ص: 47).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (6/ 380):
«الذين جمعوا الأسماء الحسنى اعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئًا معينا، بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة. أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، كالأحد والواحد، والمعطي والمغني» اهـ بتصرف.
ومن ذلك يتضح أن أكثر أهل العلم يقولون بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما، والدكتور لم يذكر دليلا على ما ذهب إليه، ولا ذكر عالما قال بقوله! وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» اهـ.
وقد بينت فيما سبق أن الدكتور لم يحط علما بالسنة كلها فقد يطلع غيره على أحاديث لم يطلع عليها هو، ويثبت بها أسماء لله عز وجلن فيصبح أكثر من تسعة وتسعين. هذا أمر لا مفر منه.
ولا أظن الدكتور سيصر على ادعاء الإحاطة بالسنة النبوية بعد ما ذكرنا كلام الإمام الشافعي رحمه الله في تفسيق من ادعى ذلك. والله الموفق.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)