إلى أن قال: «ومن البديهي المعلوم أن الصحابة تفرقوا بعد النبي [صلى الله عليه وسلم] ، واختلفوا، وأوقدوا نار الفتنة، حتى وصل بهم الأمر إلى القتال والحروب الدامية، التي سببت انتكاس المسلمين وتخلفهم، وأطمعت فيهم أعداءهم» .
وجوابه: أنه ليس في هاتين الآيتين مطعن على أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فيهما حث الله تعالى الصحابة على الجهاد، وذلك عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في غزوة تبوك بغزو الروم، وكان ذلك في زمن عسرة وفاقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مع شدة الحر وبعد السفر، فشق ذلك على بعضهم، فنزلت الآيات في الترغيب في الجهاد في سبيل الله، والتحذير من التثاقل عنه فاستجاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربهم.
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض}(1) : «وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو
الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك» .(2)
ولاشك أن هاتين الآيتين تضمنت نوع عتاب من الله عز وجل لبعض من ثقل عليهم الخروج في الجهاد، وهذا قطعاً لا يرد على عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لله ورسوله بالمسارعة في الخروج في سبيل الله، وهم غالب الصحابة وأكثرهم.
قال ابن كثير في تفسير الآية: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك» .(3)
قلت: ومعلوم أنه لم يتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أحد من أصحابه من غير أهل الأعذار، إلا ثلاثة نفر كما دل على ذلك--------------------------------------------
(1) سورة التوية آية 38.
(2) تفسير الطبري 6/372.
(3) تفسير ابن كثير 2/357.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)