غزوة تبوك(1) كما عرفت - والمريسيع قبلها اتفاقًا، فكيف ينسخ المتقدِّم المتأخِّر؟
(وثانيًا): بأنه لو سُلِّم تأخر آية المائدةِ، فلا منافاةَ بينَ المسح والآيةِ؛ لأنَّ قولَه تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ}(2) مطلقٌ، وقيَّدتهُ أحاديثُ المسحِ على الخفِّ، أوْ عامٌّ وخصَّصتْهُ تلكَ الأحاديثُ. وأمَّا ما رُوي عنْ عليٍّ عليه السلام فهوَ حديثٌ منقطعٌ، وكذا ما رُوِيَ عن ابن عباسٍ، معَ أنهُ يخالفُ ما ثبتَ عنهمَا منَ القولِ بالمسحِ.
وقد عارضَ حديثَهما ما هوَ أصحُّ منهما، وهو حديثُ جريرٍ البجليِّ(3)؛ فإنهُ لما رُوِيَ أنهُ رأى رسولَ اللَّهِ يمسحُ على خُفَّيهِ، قيلَ لهُ: هلْ كانَ ذلكَ قبلَ المائدةِ أوْ بعدَها؟ قالَ: وهلْ أسلمتُ إلَّا بعدَ المائدةِ؟ وهوَ حديثٌ صحيحٌ.
وأمَّا أحاديثُ التعليم فليسَ فيها ما ينافي جوازَ المسحِ على الخفينِ، فإنَّها كلَّها فيمنْ ليسَ عليهِ خُفَّانِ، فأيُّ دلالةٍ على نفي ذلكَ، على أنهُ قدْ يقالُ: قد ثبتَ في آيةِ المائدةِ القراءةُ بالجرِّ لأرجلِكمْ عطفًا على الممسوحِ وهوَ الرأسُ، فيحملُ على مسحِ الخفينِ كما بيَّنَتْهُ السنةُ، ويتمُّ ثبوتُ المسحِ بالسنَّةِ والكتابِ، وهوَ أحسنُ الوجوهِ التي تُوَجَّهُ بها قراءةُ الجرِّ.

‌‌[ما يشترط للمسح على الخفَّين]
إذا عرفتَ هذا، فللمسحِ [عند القائلينَ به](4) شرطانِ:--------------------------------------------
(1) تبوك: موضع بين وادي القُرَى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عُذرة؛ وقال أبو زيد: تبوك بين الحِجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم .... " "معجم البلدان" (2/ 14).
وكانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع، "السيرة النبوية" لابن هشام (4/ 215).
(2) سورة المائدة: الآية 6.
(3) أخرجه البخاري (1/ 494 رقم 387)، ومسلم (1/ 227 رقم 272)، وأبو داود (1/ 107 رقم 154)، والترمذي (1/ 155 رقم 93)، والنسائي (1/ 81)، وابن ماجه (1/ 180 رقم 543)، وابن خزيمة (1/ 94 رقم 186)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 81، 82)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (3/ 191)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 270)، والطيالسي (ص 92 رقم 668)، وأحمد (4/ 358)، والدارقطني (1/ 193 رقم - 5)، وعبد الرزاق (1/ 194 رقم 756)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 108)، وابن أبي شيبة (1/ 176) واستدركه الحاكم (1/ 169) لزيادة وقعت عنده.
(4) زيادة من النسخة (أ).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)