الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم (عبد الراضي عبد المحسن)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
الكتاب: الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم
المؤلف: د. عبد الراضي محمد عبد المحسن
الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
عدد الصفحات: 144
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وبعد:
لعلّ أطروحة صمويل هنتنجتون التي دوَّت فى الهزيع الأخير من القرن الميلادي المنصّرم، كانت أمثل تعبير عن حقيقة ما يعتور عالمنا المعاصر من صراع حضاري ذي جوهر دينيّ.
ولم يكن سيل الكتابات الغربية التي تجعل من الإسلام وأمته وحضارته وعالمه عدوّ الغرب الحاليّ والمستقبليّ الذي يمثل امبراطورية الشر بعد زوال المعسكر الشيوعي، إلا تجسيداً لأحد أبعاد ذلك الصراع الضاري (1) .
وهذا الجانب الملتهب من جوانب الصراع وإن كان هو المستحوذ على غالب الاهتمام، إلا أن هنالك جوانب أخرى تماثله فى الأهمية، بل قد تفوقه فى الخطورة؛ لأن المستهدف فيها هو القلوب النابضة والعقول المحركة للقاطرة البشرية.--------------------------------------------
(1) يأتى فى مقدمة تلك الكتابات دراسة بعنوان Christianity and Islam للكاتب البريطاني Edward Mortimer وأخرى بعنوان Islam and Marxism للعالم الأنثروبولوجي Ernest Gellmer، وقد نشرت الدراستان كملف خاص عن الإسلام في مجلة ((International Affairs B:67. 1 Junuary 1991)) وشهادة ثالثة جاءت على لسان سياسي بارز ومسؤول كبير كان يشغل منصب رئيس المجلس الوزاري الأوربي ووزير خارجية إيطاليا ((جيانى ديميكليس)) عندما برر سبب وجود حلف الأطلنطي بعد زوال المواجهة مع حلف وارسو، بأن المواجهة مع العالم الإسلامي هى مبرر بقاء الحلف.
راجع: د. محمد عمارة، استراتيجية التنصير في العالم الإسلامي، ص 28، مركز دراسات العالم الإسلامي. مالطة، ط1، 1992م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
ومن تلك الجوانب حرب المعتقدات ومعركة الثقافة، التي تأتى فى مقدمتها الغارة التنصيرية على القرآن الكريم. تلك الغارة الشرسة التي استهدفت أصالة القرآن الكريم بوصفه كلام الله المنزل على خاتم رسله محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكانت الدافع إلى هذه الدراسة بفعل ماخلَّفته من افتراءات وشبهات ودعاوى روجتها الجدليات التنصيرية، فقد كانت هذه الافتراءات قوية الأثر إلى الحد الذي انخدع له بعض الدارسين (1) .
ولم تكن الردود على تلك الافتراءات تدانيها في الأثر، في الوقت الذي كان ينبغي أن تكون الردود أقوى حتى لا تبقي مجالا للشكوك أو الشبهات.
وربما يعود ذلك فى جانب منه إلى عدم التخصص المنهجي للدارسين، حيث جاءت هذه الردود عرضاً فى سياقات مختلفة من الحديث عن الإسلام أو الفكر الإسلامي وعلاقته بالغرب من غير المتخصصين، وقد مثَّل ذلك التناول الثانوي ثاني أسباب قصور تلك الردود.
بينما يتطلب هذا النوع من الدراسات إلماماً بجوانب معرفية عديدة، مثل: تاريخ الأديان، المعتقدات الدينية لدى أهل الكتاب، مضمون الكتب المقدسة، مناهج النقد العلمي: كالمنهج المقارن ومنهج نقد النصوص، والنقد الشكلي والنقد التاريخي.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحصين المسلم المعاصر وتزويده بنظرة نقدية للفكر التنصيري حول القرآن الكريم، وتاريخ الجدل ضد أصالته، ومسالك--------------------------------------------
(1) منهم على سبيل المثال فيما يخص موضوعنا: طه حسين ـ محمد خلف الله ـ محمد أركون ـ نصر أبو زيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2)
المنصرين فى جدلياتهم ضد أصالة القرآن الكريم بما يتمكن معه المسلم المعاصر من الفكاك من أسر الأطروحات التى قدمها التنصير خلال مراحل ارتقائه التاريخي منذ نشأته حتى يومنا هذا.
كما تهدف الدراسة من جانب آخر إلى توجيه الدعاة إلى الله بين غير المسلمين إلى الردود والشواهد العقلية والنقلية، والبراهين العلمية، والحقائق التاريخية التي تعينهم في الدعوة إلى كتاب الله، وتمكنهم في الوقت نفسه من تصحيح المفاهيم المغلوطة التي روّجها المنصِّرون حول القرآن الكريم بغرض صرف الناس عنه.
وقد جاءت الدراسة فى خمسة مباحث، وفق الخطة التالية:
المبحث الأول: حقيقة التنصير
ـ مفهوم التنصير
خطورة التنصير في مجال القرآن الكريم
ـ ضرورة مواجهته
المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
1 ـ صرف الأنظار بعيداً عن القرآن
2 ـ موقف القرآن من كتب أهل الكتاب ومعتقداتهم
3 ـ إبطال المعجزة القرآنية
المبحث الثالث: تاريخ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
أـ دور التأسيس (جدليات المشرقيين)
1 ـ يوحنا الدمشقي
2 ـ تيودور أبو قرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
3 ـ بارشولوميو الرهاوي
4 ـ عبد المسيح الكندي
5 ـ بولس الأنطاكي
6 ـ ابن كمونة اليهودي
ب ـ الجدل البيزنطي
جـ ـ مرحلة الأندلس
د ـ مرحلة الحروب الصليبية
1 ـ بطرس المحترم
2 ـ روجر بيكون الراهب الفرنسيكاني
3 ـ وليم الطرابلسي
4 ـ ريموند مارتني
هـ مرحلة التنصير المؤسَّسي
المؤسسة الأولى: التبشير
المؤسسة الثانية: الاستشراق
المبحث الرابع: مسالك الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
المسلك الأول: ترجمة القرآن
المسلك الثاني: البحوث التنصيرية حول القرآن
المسلك الثالث: إصدار الدوريات والقواميس ودوائر المعارف المتخصصة
المسلك الرابع: ترويج المزاعم وإثارة الشبهات
المبحث الخامس: تفنيد مزاعم الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
1 ـ دلائل تهافت الدعوى الأولى ((القرآن تلفيق من اليهودية والنصرانية)) :
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
أولا: شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم
ثانيا: تاريخ كتب العهدين القديم والجديد
ـ النسخة العربية
ـ تعدد نسخ العهد القديم والجديد
ثالثا: إعجاز النظم القرآني
رابعاً: الاختلاف بين اليهودية والمسيحية والإسلام فى أصول الإيمان
خامساً: أثر القرآن والتوراة والإنجيل فى الارتقاء بجوانب الحضارة الإنسانية
الجانب الأول: الأخلاق
الجانب الثاني: المجتمع
الجانب الثالث: العلم
سادساً: تأثير الإسلام في اليهودية والنصرانية
2 ـ دلائل تهافت الدعوى الثانية ((القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل)) :
الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي فى التوراة والإنجيل
الدليل الثاني: تباين أهداف القصص في القرآن والتوراة والإنجيل
الدليل الثالث: القصص الذي انفرد به القرآن
الدليل الرابع: نتائج المقارنة بين القصص المتناظر في القرآن والتوراة والإنجيل
أـ رواية خلق العالم
ب-الطوفان
ج-قصة يوسف
مصادر ومراجع البحث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
المبحث الأول: حقيقة التنصير
مفهوم التنصير
…
المبحث الأول: حقيقة التنصير
التنصير يطلق على النشاط الذي تمارسه أفراد وهيئات ومنظمات أجنبية في الأراضي الإسلامية ضد العقيدة والمجتمع في الإسلام.
وقد طرحت الكلمة ترجمة للمصطلح الأوربي Missions بديلاً عن كلمة ((التبشير)) (1) ، وهو ما نختلف معه، وذلك لأسباب تتعلق بصحة ترجمة اللفظ وبمفهومه، وهي: ـ
1 ـ الترجمة الصحيحة لكلمة Mission هي (التبشير بالدين المسيحي ـ المأمورية ـ البعثة) وليس التنصير (2) .
2 ـ الهدف النهائى لذلك النشاط الهدام ليس إدخال المسلمين فى النصرانية، كما سيتبين لنا فيما يأتي.
3 ـ لا مسوغ لعدم الرضا عن مصطلح التبشير خشية ظلاله الحسنة، لأن التبشير قد عبّر به القرآن الكريم عن الحسن والطيب، وعبرَّ به كذلك عن السوء والشر ومالا تحمد عقباه،كما قال تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (آل عمران / 21) وكقوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً}--------------------------------------------
(1) راجع هذا الاتجاه لدى: محمد عثمان بن صالح، النصرانية والتنصير أم المسيحية والتبشير، ص: 69، مكتبة ابن القيم، المدينة المنورة 1410هـ ـ 1989م ـ د. علي النملة، التنصير، ص: 17، 1413هـ ـ 1993م بدون بيانات ـ د. عبد العزيز العسكر، التنصير ومحاولاته في الخليج العربي، ص: 14، مكتبة العبيكان، ط1، الرياض 1414هـ ـ 1993 م ـ د. علي جريشة، الاتجاهات الفكرية المعاصرة، ص: 27.
(2) Goetz schregle ، Deutsch - Arabisches Woerterbuch، S: 830 London - Beirut 1977.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} (النحل / 58 ـ 59) وكقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (لقمان/7) . فالعبرة بمضمون البشارة وليس بظلال المصطلح.
4 ـ أن المستهدف بهذه الإرساليات والبعثات الدينية ليس المسلمين وحدهم، بل إن التبشير يمارس ضد طوائف النصارى الشرقيين من أرمن وقبط وأرثوذكس (1) .
5 ـ كثير من أفراد البعثات التبشيرية قد انضم إليها لتحقيق أغراض ومآرب شخصية، مثل: السياحة والتجارة وغير ذلك (2) .
6 ـ التبشير هو إحدى مؤسسات التنصير وليس كلَّ التنصير؛ مما يجعل من قصر مصطلح التنصير على العمل التبشيري وتخصيصه به تمويهاً على المستهدفين بالتنصير وتحويل أنظارهم بعيداً عن نشاط المؤسسات التنصيرية الأخرى، التي ربما يفوق تأثيرها الهدَّام تأثير التبشير.
7 ـ أن كلَّ مبشِّر منصِّر، لكن ليس كلُّ منصِّر مُبشِّراً
أما عن مفهوم التنصير فى البيئة الإسلامية فقد صيغ المفهوم وتحددت وظيفته فيما يؤدي إلى إخراج المسلمين من دينهم وليس بالضرورة إدخالهم في النصرانية (3) .
وهذا المفهوم الحديث للتنصير يلمس أحد أبعاد العمل التنصيرى، لكن هناك أبعاد أخرى لحقيقة التنصير لا يمكن الوقوف عليها إلا بإدراك طبيعة--------------------------------------------
(1) د. علي النملة، التنصير، ص 15.
(2) د. فروخ ـ الخالدي، التبشير والاستعمار في البلاد الإسلامية، ص 49، 50، المكتبة العصرية. بيروت 1986م.
(3) د. فروخ ـ الخالدي، التبشير والاستعمار، ص 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
الصراع الكوني بين الديانات الكبرى من أجل استحقاق شرف ريادة الإنسانية وقيادتها، تلك القيادة التي تستمد مشروعيتها من امتلاك الحقيقة المطلقة المؤسَّسة على الوحي.--------------------------------------------
(1) يصرح المنصرون برغبتهم فى إقصاء الإسلام؛ فالمنصر جسب يود أن يمحو الإسلام من العالم، ويصرح غيره بأن الغاية من عملهم هي: ((القضاء على الأديان غير النصرانية)) .
راجع: فروخ، الخالدي، مرجع سابق، ص 36، 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
خطورة التنصير في مجال القرآن الكريم
…
ولمَّا كان الإسلام قد أثبت صدق دعواه امتلاك الحقيقة المطلقة والقدرة على قيادة الإنسانية باختلاف أجناسها وشعوبها وتطلعاتها وآمالها، وذلك بما أنجزه فى حيز التطبيق الفعلي لذلك الاستحقاق، حيث استطاع في قرن ونصف من الزمان أن يجمع تحت رايته أكثر من ثلثي المسكونة من بيض وسود، وعرب وعجم، وبربر وترك وهنود وقوقاز، سوّى بينها فى الحقوق والواجبات، وصهرها في بوتقة ألَّفت أزهى عصور التاريخ: حضارة وعلماً وأخلاقاً.
فإن تلك القدرة الهائلة للإسلام قد أذهلت أهل الكتاب الذين قعدت بهم دياناتهم عن تبوّء تلك المنزلة أو ما يدانيها، على الرغم من الفترة الزمنية السحيقة التي قرعت العالم فيها نواقيس اليهودية والنصرانية.
لهذا أدرك أهل الكتاب خسارتهم معركة التحدي الكونية، بسبب فقد ديانة العهد القديم والعهد الجديد المقومات الذاتية اللازمة لقيادة الإنسانية والارتقاء بها حضارياً وأخلاقياً، فعمدوا إلى سلوك طريق آخر يستهدف إقصاء الإسلام (1) عن الحلبة الكونية نهائياً؛ حتى يتسنى لهم قيادة السفينة وامتلاك مقدراتها بما يدّعون من حقٍّ إلهى مقدس.--------------------------------------------
(1) يصرح المنصرون برغبتهم فى إقصاء الإسلام؛ فالمنصر جسب يود أن يمحو الإسلام من العالم، ويصرح غيره بأن الغاية من عملهم هي: ((القضاء على الأديان غير النصرانية)) .
راجع: فروخ، الخالدي، مرجع سابق، ص 36، 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
ضرورة مواجهته
…
فكانت المواجهة مع الإسلام والصراع ضده هي السبيل لتحقيق ذلك الهدف، وقد اتخذ ذلك الصراع شكلين أساسيين هما الحروب العسكرية التدميرية، وحرب العقيدة والفكر التي تسعى للنيل من: الإسلام، ونبيِّه، وكتابه، ومعتقداته، وشرائعه، ونُظُمه؛ بهدف زعزعة عقيدة المسلم وتشكيكه في دينه، مما يقود إلى الخروج من الإسلام وليس بالضرورة الدخول فى النصرانية (1) .
ويكشف لنا هذا الغرض النهائي من حرب العقيدة والفكر سرَّ المشاركة الفعالة لليهود في الصراع ضد الإسلام جنبا إلى جنب مع النصرانية رغم كراهيتهم واحتقارهم لها، إذ إن المسلم الذى يخرج عن دينه لن يصلح للإنسانية في شيء فيكون خروجه نكاية من اليهودية فى الإسلام، فإذا اعتنق النصرانية فذلك نكاية من اليهودية في الإسلام والنصرانية معاً. قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ} (البقرة: 109) .
وعلى ذلك يكون الصراع ضد الإسلام عملاً يهودياً نصرانياً مشتركاً تنوعت فيه الأدوار وتوزعت التخصصات ما بين: الخبراء، وشركات الأعمال، والمؤسسات، والإرساليات، والجيوش، ووزارات الخارجية،--------------------------------------------
(1) راجع فى هدف الإرساليات والوعاظ من النصارى واليهود:
ـ مصطفى الخالدى ـ عمر فروخ، التبشير والاستعمار فى البلاد الإسلامية، ص 46.
ـ إبراهيم الجبهان، ما يجب أن يعرفه المسلم من حقائق عن النصرانية والتبشير، ص 27، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد. الرياض 1404هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
ووكالات الاستخبارات، وأساتذة الجامعات، والمراكز والمعاهد العلمية، والمستشرقين، وصانعي السياسة (1) .
وهذا الصراع الذي يؤلف جوهر الغارة التنصيرية على العالم الإسلامي (2) ، يجعل من حصرنا فعاليات التنصير فى نشاط الإرساليات التبشيرية فهماً قاصراً لطبيعة التنصير وأبعاده وأدواته، فما هذا النشاط إلا أحد آليات التنصير، ولذلك فإن تخصصه وحده باسم التنصير وصرف الهمم تجاهه وحده واستنزاف الجهد في تتبع وسائله وممارساته، ليكون وجها ثانياً من وجوه القصور فى فهم طبيعة الغارة التنصيرية في جانبها العقدي، فهذا الجانب يشتمل على: جدليات، ودعاوى، ومزاعم، وشبهات مثارة من قِبَل دوائر تنصيرية عديدة إلى جانب الإرساليات التبشيرية ووعاظها، منها: الاستشراق، وكالات الاستخبارات، وسائل الإعلام، مراكز البحوث والمعاهد العلمية.
من جهة ثانية فإن أخطر نتاج الغارة التنصيرية الذي يجب أن يكون محل الاهتمام عبر دوائر التنصير المختلفة هو الجدليات التي استهدفت أصالة القرآن الكريم؛ نظراً للتلازم بين القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى:--------------------------------------------
(1) بتصرف من: إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 300، بترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت ط2: 1984 م.
(2) ربما يكون الأستاذ عبد الرحمن الميداني قد وقف على الطبيعة الشمولية لعداء أهل الكتاب للإسلام، ذلك العداء المتمثل في الصراع ضد الإسلام بما أسماه: أجنحة المكر الثلاثة: الاستعمار ـ التنصير ـ الاستشراق.
راجع كتابه: ((أجنحة المكر الثلاثة)) ، دار العلم، دمشق ط 5، 1407هـ ـ 1986 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت/53) .
فالضمير فى ((أنه الحق)) كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((يرجع إلى القرآن، فإذا كان القرآن حقا لزم كون الرسول الذى جاء به صادقاً يجب التصديق بما أخبر وإطاعة ما أمر واجتناب ما نهى)) (1) .
وتكمن خطورة الجهد التنصيري في هذا المجال ليس فقط فيما يستهدفه، بل في كثرة المؤسسات والمنظمات التنصيرية التي تقوم به وتنوعها ما بين علمية وثقافية ودينية واجتماعية، فقد أثمر ذلك الجهد الهائل عن نجاح، إن لم يكن في تحقيق المسعى بتحويل المسلمين عن دينهم، فقد تمثل في تنشئة طبقة من المثقفين المتعاطين لمنتجات الفكر التنصيري الثقافية والعقدية، وإسهام هذه الطبقة في حقل الجدل التنصيري ضد القرآن الكريم ربما يكون أكبر بسبب ما لها من سلطة فكرية وحضور ثقافي ومكانة علمية برّاقة، مكنتها من القيام بدور المخبر الثقافي والنائب المحلّي للفكر التنصيري في بلاد العالم الإسلامي.
ومثل هذا الجهد التنصيرى الضخم يتطلب لمواجهته عملا جماعياً منظماً لا يفي به بحث هنا أو مقال هناك. إن متابعة هذا النشاط الواسع لا تقوم به إلا مؤسسات، ونحن نفتقد حتى يومنا هذا مؤسسة متخصصة في هذا النشاط والرد على جدلياته.--------------------------------------------
(1) ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (4 / 250) وانظر (4 / 21 ـ 22) مطبعة المدني، مصر، بدون ترقيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
صرف الأنظار بعيدا عن القرآن
…
المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
تتعدد دوافع الجدل التنصيري ضد القرآن الكريم، فمنها دوافع خاصة بأهل الكتاب ومنها دوافع عامة لكل خصوم القرآن من كتابيين وغيرهم. ومن تلك الدوافع التي يمكن رصدها:
1 صرف الأنظار بعيداً عن القرآن
وقد كان ذلك هدفاً لمشركي مكة، وسعوا إلى تحقيقه بوسائل عدة منها: صدُّ الناس عن القرآن، والتصفيق والصفير عند تلاوته وإثارة المزاعم والشكوك حوله.
وكان ظن المشركين أن ذلك مجلبة للغلبة والنصر، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت/26) .
وهذا ما اعتقده المنصرون تماما، يقول المنصرِّ وليم جيفورد بالكراف: ((متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه)) (1) .--------------------------------------------
(1) جلال العالم، دمروا الإسلام وأبيدوا أهله، ص 63، مكتبة الصحابة جدة ـ مكتبة التابعين، القاهرة. 1994م. والمعنى نفسه كرره المبشر وليم موير: ((إن سيف محمد والقرآن هما أكثر أعداء الحضارة والحرية والحقيقة الذين عرفهم العالم عناداً حتى الآن)) إدوار سعيد، الاستشراق، ص 168، مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
والمقصود بالحضارة التي حال القرآن بين المسلمين وبينها فيما أشار إليه المنصِّر هي الحضارة ذات المفهوم الغربي للكون والحياة، ذلك النموذج الذي أكد ((جيانى ديميكليس)) رئيس المجلس الوزاري الأوربي على ضرورة فرضه وإلا فالحرب هي الخيار (1) .
ولاشك أن المناعة الذاتية الجبارة التي خلقها القرآن في المسلمين قد حالت بينهم وبين الاندحار الحضاري أو السقوط المدوي أمام التكالب الأممي لجحافل التتار والصليبيين في الماضي وأمام الغزو الاستعماري في العصر الحديث، وكذلك جعلت من إمكان تنصير المسلمين مرهونة بإبعادهم عن القرآن وصرف أنظارهم عنه، وقد تجلّى انكشاف تلك الحقيقة الثمينة في تأكيد غلاد ستون أحد موطدي دعائم الامبراطورية البريطانية في الشرق الإسلامي: ((مادام هذا القرآن موجوداً فلن تستطع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان)) (2) .--------------------------------------------
(1) د. محمد عمارة، استراتيجية التنصير، ص 29. مرجع سابق.
(2) محمد أسد، الإسلام على مفترق الطرق، ص 41، دار العلم للملايين، بيروت، 1987م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
2 ـ موقف القرآن الكريم من كتب أهل الكتاب ومعتقداتهم.
حدد القرآن الكريم بوضوح وجلاء موقفه من الكتب السابقة، متمثلا في:
أ - الهيمنة عليها، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} (المائدة/48) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
ب - أفضليته وكماله، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ} (الزمر/23) ، وترجع أفضلية القرآن على غيره من الكتب إلى كماله من جهتين: أولاهما: تبيانه لكل شيء، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام/38) ، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل/89) ، والثانية: إرشاده إلى غاية ما يصبو إليه الإنسان وما يحقق له كمال الدنيا والدين، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء/9) .
جـ – كشف التحريف والتبديل الواقع فيها: بالإخفاء والكتمان: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} (الأنعام/ 91) ، أو بالنسيان: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} (المائدة/14) ، أو بالوضع: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة/79) ، أو بالتغيير المتعمد: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة/75) .
ورفض القرآن زعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، وبكَّتهم وذم أخلاقهم وفضح خطيئاتهم بما يعنيه ذلك من طعن فى مشروعية امتلاك حق مقدس فى قيادة البشرية. قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} (المائدة/18) .
وأنكر عليهم دعواهم صلب المسيح؛ {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (النساء: 157 ـ 158) .
وكفّر الذين قالوا ببنوة المسيح وألوهيته: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (التوبة/30) .
وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (المائدة/17) .
وقد كان هذا الموقف القرآني الدقيق من العهدين القديم والجديد ومعتقداتهما جداراً صلباً أمام نجاح الفكر التنصيري أو ما يرتبط به من رؤى حضارية فى اختراق الحياة الروحية أو صمود العقيدة الإسلامية، مما دفع بدهاقنة العمل التنصيري إلى التساؤل بعد أربعة عشر قرنا من بدء الغارة التنصيرية (1) :
ـ هل من الممكن حقا إقناع المسلم بأن النصارى لم يزوِّروا الكتاب المقدس؟ أو أنهم ليسوا مشركين؟ أو أن المسيح هو أكثر من كونه ابن مريم كما هو مذكور فى القرآن؟ أو أن صلب المسيح وبعثه قد تم فعلا؟.--------------------------------------------
(1) التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي (الترجمة الكاملة لأعمال مؤتمر كلورادو التبشيري) ص 188، 203، دون بيانات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
ـ هل الإسلام بوصفه ديناً قائماً على الكتاب (القرآن) يعقِّد عملية قبول النصرانية أو ييسِّرها؟ وبأية وسيلة؟
ـ كيف يمكننا التغلب على النصوص القرآنية التي تكذب بعض الأجزاء المهمة من رؤية العهد الجديد؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
3 ـ إبطال المعجزة القرآنية
لما كان القرآن الكريم هو دليل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الأكبر، وبرهانها الساطع وحجتها البالغة وأخص آياتها. وأظهر علاماتها بسبب اجتماع الوحي المدَّعى والدليل المعجز الذي تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم العالم إنسه وجنّه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (الإسراء/88) .
لذلك فقد أدرك المنصرون أن القرآن أقوى أسلحة المسلمين وأمضاها في صراعهم ضد جحافل التنصير، فعملوا جاهدين على إبطال فاعلية هذا السلاح، بتحجيم قيمته، من مضمونه، ونفي أصالته، تمهيداً لمحاولة سلب محمد صلى الله عليه وسلم شرف النبوة بحجة: ((عدم وجود معجزة تؤيد نبوته)) (1) .
وقد حدد الواعظ التنصيري ((جون تاكلى)) هذا الباعث من الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم، قائلا: ((يجب أن نستخدم كتابهم--------------------------------------------
(1) تيودور أبو قرة / ميمر في وجود الخالق والدين القويم، ص 85، بتحقيق: اغناطيوس ديك. بيروت 1982م.
وانظر Adel The odore Khoury ، Der theologi sche Streit der B.yzantiner mit dem Islam ، S: 38 - 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)