هذا وقد شرح دعوته ومنهجه ودافع عن ذلك في رسائله وكتبه وسلوكه - هو وأتباعه كذلك - بما فيه الكفاية لكل مريد للحق ومنصف للخلق، وسنتناول في هذا الكتاب جملة من النقول في ذلك.
صفاء المشرب: فإن المشارب التي تلقى منها الإمام علمه وأدبه وخلقه مشارب شرعية وفطرية وعرقية صافية تتمثل بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، بعيدًا عن الفلسفة والتصوف والكلام، وبالفطرة السليمة التي لم تحرفها المناهج البدعية ولا الشهوات ولا الشبهات، وبالبيئة الأسرية النبيلة ذات الفقه والعلم والحسب والنسب.
سلامة المنهج: لقد كان منهج الإمام في نفسه ودعوته وفي أتباعه ومع مخالفيه منهجًا سلفيًا شرعيًا نقيًا خاليًا من الشوائب، يتسم بالأصالة والثبات واليقين والوضوح والشمولية والواقعية والأهلية لإقامة مجتمع مسلم يتسم بالتدين والطهر والأصالة والحيوية والرقي والأمن.
كما كان منهج التأليف وتقرير الدين وعرضه عند الإمام وأتباعه منهجًا شرعيًا سلفيًا صافيًا يعتمد على القرآن والسنة والألفاظ الشرعية النقية خاليًا من التخرصات الفلسفية، والمصطلحات الصوفية، والمحاورات الكلامية، والتميُّعات الأدبية.
اعتماد منهج السلف الصالح: لقد اعتمد الإمام في دعوته منهج السلف الصالح في كل شيء، وبذلك تميز منهجه بالأصالة والشمول والواقعية والثبات واليقين.
وكان من ثمرة اعتماد هذا المنهج، أن قامت شعائر الدين وأصوله على أتم وجه وأكمله من التوحيد والصلاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود والقضاء والعدل والأمن، وظهور الفضائل واختفاء الرذائل، وشيوع الدين والعلم في كل بلاد وصلتها الدعوة واستقرت فيها دولتها (الدولة السعودية) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
فالأسس التي قامت عليها الدعوة هي أسس الدين وثوابت الإسلام، ولذلك آتت ثمارها اليانعة بحمد الله على صراط الله المستقيم، وعلى منهاج النبوة.
الطموح وبُعْد النظر: تميز منهج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بالطموح واليقين في إعلاء كلمة الله ونصر الدين ونشر السنة، ومعالجة أدواء الأمة من البدع والمحدثات والمنكرات، والجهل، والفرقة والظلم والتخلف.
وبُعد النظر والطموح في المنهج العلمي والعملي الذي سلكه في منهج الدعوة يتجلى ذلك بأمور كثيرة منها:
1 - تركيزه على الأصول الكبرى والأولويات كالتوحيد وفرائض الدين، ومع ذلك لم يهمل ما دون ذلك.
2 - استعداده المبكر وتقديره لما ستواجهه الدعوة من الصعاب والعقبات على وجه يدل على بُعد النظر وحسن التقدير للأمور والاستعداد لذلك.
3 - اهتمامه المبكر بالبحث عن سلطة قوية ومؤهلة لحمل أعباء الدعوة وحمايتها، وحسن اختياره للأمير محمد بن سعود بعدما خذله ابن معمر.
الجَدَارة والنجاح: كفى الشيخ مجدًا وعزًا وفخرًا أن ينصر الله به الدين ويظهر به السنة، ولم يمت بحمد الله إلا وهو قرير العين. فقد عاش ورأى ثمار دعوته وهو حي متمثلة براية السنة الخفاقة، ودولة التوحيد في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه سعود وهي ترفل بثياب العز والنصر والهيبة والقوة والأمن، واستعلاء الدين وانكماش البدع حتى قامت خلافة مترامية الأطراف في سائر جزيرة العرب. وبمجتمع إسلامي يحاكي مجتمع السلف الصالح في القرون الفاضلة ولله الحمد والمنة.
فكان بحق إمامًا مجددًا، وقد امتدت آثار دعوته إلى جميع بلاد المسلمين بل العالم كله، ولا تزال بحمد الله هذه الدعوة قائمة حيَّة.
وهي قائمة أيضًا في أتباعها أهل السنة والجماعة في بلادها وفي أي بلد كانوا، وهم بحمد الله كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
[الأمير المؤسس والدولة]
[أسرته]
الأمير المؤسس والدولة (الأمير محمد بن سعود) أسرته: الأمير محمد بن سعود بن مقرن هو المؤسس الأول لدولة الدعوة (الدولة السعودية) وقد ولد سنة (1100هـ) على الأرجح (1) (1689م) .
وقد ولد في أسرة متميزة وعريقة، جمعت بين الديانة والاستقامة، والإمارة والجاه وحسن السمعة، وهي مؤهلات قد تنبه لها الإمام محمد بن عبد الوهاب حينما خذله أمير العيينة ابن معمر.
وكانت أسرة الأمير محمد بن سعود من آل مقرن تتعاقب الإمارة في الدرعية.
[صفاته وشمائله]
صفاته وشمائله: وقد اشتهر الأمير محمد بن سعود على وجه الخصوص بحسن السيرة ورجاحة العقل والحنكة وسداد الرأي، وبالوفاء والكرم والإحسان، والاستقامة والتدين والعبادة، مع قوة العزيمة والشجاعة ورباطة الجأش (2) .
وبرهان ذلك: استعداده لاستضافة الإمام الداعية محمد بن عبد الوهاب، وقبوله لاحتضان الدعوة والتزامها والقيام بأعبائها، في تلك الظروف الحرجة والمخاطر التي تكتنف الدعوة وإمامها، والمسؤوليات التي لم يستطع ابن معمر أمير العيينة تحملها رُغْمَ ولائه أول الأمر للدعوة وحماسه في نصرتها وشروعه في تنفيذ برامجها قبل أن ترد إليه التهديدات الجادة والكثيرة من جهات عديدة أخطرها تهديد ابن غرير حاكم الأحساء.
ومع ظهور هذه المخاطر فإن ابن سعود تكفل بالنصرة للإمام وطمأنه، وقد صدق ووفَّى جزاه الله عن الإسلام والمسلمين بعامة، وعن هذه البلاد بخاصة خير الجزاء.
ولم يتوف رحمه الله إلا وقد قرت عينه بنصرة الدين ونشر السنة وقيام الدولة،--------------------------------------------
(1) انظر الدرعية العاصمة الأولى للأستاذ عبد الله بن خميس (161) ، والإمام محمد بن سعود وجهوده في تأسيس الدولة السعودية الأولى (54) للدكتور عبد الرحمن العريني.
(2) انظر الإمام محمد بن سعود للعريني (57 - 59) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وبأبناء بررة كرام أبطال ضربوا أروع الأمثلة في الديانة والأمانة والجهاد، والقيام بأعباء الدعوة والدولة بجدارة واقتدار.
وكانت وفاته رحمه الله سنة (1179هـ - 1976م) .
[مميزات سيرته ودولته]
مميزات سيرة الأمير محمد بن سعود ودولته: إن من أبرز الخصائص التي تميزت بها شخصية الإمام محمد بن سعود الفذة:
أولًا: فقهه في الدين وفهمه للعقيدة السلفية الصافية، وهذه ميزة نادرة لا تكاد توجد في أمراء ذلك الزمان.
ثانيًا: نصرته للدين، وإخلاصه لعقيدة التوحيد، حيث بذل نفسه وجاهه وماله وأولاده، وسخر كل إمكانياته كأمير وكزعيم، في خدمة الدعوة، ويدل على ذلك مبادرته في نصرته للإمام محمد بن عبد الوهاب في ذلك الوقت الحرج.
ثالثًا: وفاؤه بما عاهد عليه الإمام من نصرة الدعوة والقيام بأعبائها.
رابعًا: تأسيسه للدولة الإسلامية بكل معانيها، وإلغاؤه للحكم العشائري (1) الذي يقوم على العصبية والإقليمية الضيقة، فقد أقام الحكم على مقومات الدولة من حيث تحكيم الشرع وتحقيق الشورى، والحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء والموارد والمصارف المالية، وتطبيق الحدود.
خامسًا: جمعه لكلمة المسلمين على إمام واحد تحت راية واحدة، وسعيه الجاد لتوحيد البلاد تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد تحقق الكثير من ذلك في وقته وأكثر منه بعد وفاته.
سادسًا: نشره للعدل والأمن ورفعه الظلم، ومن ذلك إبطالهُ للضرائب والإتاوات التي تثقل كواهل الناس (2) .
سابعًا: إلغاؤه الأعراف الجاهلية والتقاليد العشائرية التي تنافي الشرع القويم، والعادات--------------------------------------------
(1) انظر الإمام محمد بن سعود دولة الدعوة والدعاة، للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ص (100) .
(2) انظر الإمام محمد بن سعود/دولة الدعوة والدعاة، للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ص (100) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
السيئة السائدة بين الناس، وكفُّ أيدي العابثين وأصحاب النهب والسلب والغارات العشائرية والقبلية التي كانت تنشر الفوضى والرعب في نفوس الناس، وتوجيه النزعة القتالية إلى الجهاد المشروع الذي يحقق الدين والعدل والأمن والاستقرار والاجتماع.
ثامنًا: عمل مع الإمام محمد بن عبد الوهاب على نشر العلم والفقه في الدين، والعناية بكتاب الله وحديث رسول لله صلى الله عليه وسلم وعلوم السلف، والعلوم الأخرى النافعة، فقد نشطت الحركة العلمية في وقته وبعده نشاطًا ملحوظًا، وكثرت الدروس والحِلَق وطلاب العلم، وما يخدم ذلك من الوسائل والأوقاف والنفقات، فكان الإمامان ينفقان على نشر العلم وطلابه بسخاء.
تاسعًا: وقد عمل الإمام محمد بن سعود على كل ما يقوِّي دولة التوحيد من القوة العسكرية والمادية والمعنوية، بإعداد الجيوش والأسلحة، وبناء الحصون والقلاع، وحفر الخنادق، وتدريب الناس والشباب بخاصّة على الفتوة والفروسية (1) .
عاشرًا: كما عمل بكل جِِدٍّ وإِخلاص على تسخير كل إمكانات الدولة التي شيدها في خدمة الدين والدعوة، فكان يعاضد الإمام محمد بن عبد الوهاب في إرسال الدعاة والمرشدين، ويبعث العلماء لشرح مبادئ الدعوة والدولة ومقاصدها، ورد المفتريات حولها.
حادي عشر: من أبرز ما عمله لنصرة الدين من الأعمال الباقية: تربيته لأبنائه وأحفاده وأبناء أُسرته، ورجال دولته على الدين والفضيلة والعقيدة النقية الصلبة، والكفاح في سبيل ذلك، وبرهان ذلك ما كان عليه ابنه عبد العزيز وحفيده سعود وإخوانهم وسلالتهم من خدمة الدين والعلم والفضيلة، ونصرة أهلها ونشر السنة، ومحاربة البدع والرذائل، والعمل بشرع الله تعالى واحترام العلماء وتقديرهم. والاهتمام بشؤون المسلمين، وتحقيق الأمن والعدل والاستقرار فجزاه الله وجزاهم جميعًا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق ص (102) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
[الفصل الأول في حقيقة الحركة الإصلاحية أو ما يسمى الوهابية وبواعثها ما ينفي المزاعم]
[المبحث الأول حقيقة الحركة الإصلاحية والدولة السعودية الأولى]
[هي الإسلام على منهج السلف الصالح]
الفصل الأول
في حقيقة الحركة الإصلاحية أو ما يسمى (الوهابية) وبواعثها ما ينفي المزاعم
المبحث الأول: حقيقة الحركة الإصلاحية والدولة السعودية الأولى: هي الإسلام على منهج السلف الصالح: من الحقائق الثابتة الجليلة أن الدعوة الإصلاحية التي قام بها المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي رحمه الله (1115 - 1206هـ) (1703 - 1792م) ونصرها الإمام المجاهد محمد بن سعود رحمه الله ت (1179هـ) (1765م) إنما هي امتداد للمنهج الذي كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة على امتداد التاريخ الإسلامي، وهو منهج الإسلام الحق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعون وأئمة الدين من الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل الحديث والفقه وغيرهم.
إذن فهذه الحركة المباركة لم تكن في حقيقتها ومضامينها ومنهجها العقدي والعلمي والعملي، إلا معبرة عن الإسلام نفسه، مستهدفة إحياء ما اعترى تطبيقه من قِبَل كثير من المسلمين من غشاوة وجهل وإعراض، بتصحيح العقيدة، وإخلاص العبادة، وإحياء السنة، ومحاربة الشركيات والبدع والمحدثات في الدين.
يقول الأستاذ / عبد الرحمن الرويشد في كتابه «الوهابية حركة الفكر والدولة» مؤكدًا أصالة الفكرة الوهابية وأنها ليست مذهبًا جديدًا، إنما هي إحياء للدين الحق: «ليست الفكرة الوهابية السلفية ديانة جديدة أو مذهبًا محدثًا كما أشاع ذلك خصومها، وإنما هي ثمار جهود مخلصة تنادي بالعودة إلى نموذج بساطة الإسلام والاستمداد في التشريع من نبعه الصافي، كما تدعو إلى حركة تطهير شاملة لكل ما أدخل على المعتقد الديني من شرك وبدع وزيغ وضلال أدت كلها إلى تشويه حقائق الإيمان وأفسدت رواء الدين، وأبعدت أبناءه عن قوة التزامه معتقدًا وسلوكًا (1) .
[تسميتها بالوهابية وبيان الحق في ذلك]
تسميتها بالوهابية وبيان الحق في ذلك: إطلاق (الوهابية) على هذه الدعوة الإصلاحية انطلق أولًا من الخصوم، وكانوا يطلقونه على سبيل التنفير واللمز والتعيير، ويزعمون أنه مذهب مبتدع في الإسلام أو مذهب خامس.--------------------------------------------
(1) الوهابية حركة الفكر والدولة للأستاذ عبد الرحمن الرويشد ص (10، 11) ط2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
ولم يكن استعمال (الوهابية) مرضيًا ولا شائعًا عند أصحاب هذه الحركة وأتباعهم، ولا عند سائر السلفيين أهل السنة والجماعة، وكان كثير من المنصفين من غيرهم والمحايدين يتفادى إطلاق هذه التسمية عليهم؛ لأنهم يعلمون أن وصفهم بالوهابية كان في ابتدائه وصفًا عدوانيًا (1) إنما يقصد به التشويه والتنفير وحجب الحقيقة عن الآخرين، والحيلولة بين هذه الدعوة المباركة وبين بقية المسلمين من العوام والجهلة وأتباع الفرق والطرق، بل وتضليل العلماء والمفكرين الذين لم يعرفوا حقيقة هذه الدعوة وواقعها.
ولقد صار لقب (الوهابية) وتسمية الحركة الإصلاحية السلفية الحديثة به هو السائد لدى الآخرين من الخصوم وبعض الأتباع والمؤيدين المحايدين (تنزلًا) .
وهو الوصف الرائج عند الكثيرين من الكتَّاب والمفكرين والمؤرخين والساسة، والمؤسسات العلمية، ووسائل الإعلام إلى يومنا هذا، بل تعدى الأمر إلى التوسع في إطلاق الوهابية على أشخاص وحركات منحرفة عن المنهج السليم، وتخالف ما عليه السلف الصالح وما قامت عليه هذه الدعوة المباركة، وهذا بسبب تراكمات الأكاذيب والأساطير التي نسجت حول الدعوة وأهلها بالباطل والبهتان.
أما أتباع هذه الحركة فهم لا يرون صواب هذه التسمية (الوهابية) ولا ما انطوت عليه من مغالطات وأوهام، لاعتبارات مقنعة كثيرة؛ شرعية وعلمية ومنهجية وموضوعية وواقعية، تتلخص فيما أشرت إليه في التعريف من أنها تمثل تمامًا الإسلام الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك سبيل الهدى، وإذن فحصره تحت مسمى غير الإسلام والسنة خطأ فادح وبدعة محدثة ومردودة.
فالدارس لهذه الدعوة المباركة بإنصاف وموضوعية سيتوصل - حتمًا - إلى أنها إنما تنادي بالرجوع إلى الإسلام الصافي، وأنها امتداد للدين الحق (عقيدة وشريعة ومنهاج حياة) والمتمثل - بعد حدوث الافتراق في الأمة الإسلامية - بالتزام نهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعين ومن سلك سبيلهم وهم السلف الصالح أهل السنة والجماعة.
وإذا كان الأمر كذلك؛ أعني أن الدعوة هي الإسلام والسنة التي جاء بها النبي--------------------------------------------
(1) انظر: الوهابية حركة الفكر والدولة للأستاذ عبد الرحمن الرويشد ص (5، 6) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
- صلى الله عليه وسلم وما عليه سلف الأمة. . . فلا معنى لإفرادها باسم أو وصف (كالوهابية) أو غيره، لكن قد ترد على ألسنة علماء الدعوة ومؤيديها أو غيرهم بعض الأوصاف الشرعية الصحيحة لها أو لأتباعها والتي لا تتنافى مع رسالتها مثل: دعوة الشيخ: الدعوة، الدعوة الإصلاحية، دعوة التوحيد، السلفية، وقد يوصف أهلها بالسلفيين والموحدين، وأهل التوحيد، وأهل السنة، والحنابلة، والنجديين. ونحو ذلك من الأوصاف الشرعية الحسنة، أو المقبولة.
ومن فضل الله على أتباع هذه الدعوة المباركة أن لقب (الوهابية) من الخصوم في كثير من الأحيان يحمل معانٍ إيجابية ويعتز بها أتباعها وعموم أهل السنة، وإن قصد به خصومهم اللمز والسبَّ.
وذاك - على سبيل المثال: حين يطلقونها على من يقيم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أصل من أصول الإسلام وشعائره العظيمة، ومن أكبر خصائص الأمة المسلمة، ومن خصال الخيرية لهذه الأمة كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] [سورة آل عمران، من الآية: 110] .
وحين يطلقون (الوهابية) كذلك على الأخذ بالكتاب والسنة والتمسك بالدين وتوحيد الله تعالى، ونبذ الشركيات والبدع، وهذه صفة مدح وتزكية يفرح بها المؤمنون.
وحين يطلقون (الوهابية) على اقتفاء منهج السلف الصالح الذي هو سبيل المؤمنين، وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذه تزكية لا تقدر بثمن.
والناظر في مفاهيم الناس حول ما يسمونه (الوهابية) يجد الكثير من الغبش والخلط والتناقض والاضطراب.
فالوصف السائد للوهابية عند أغلب الخصوم ومن سار في ركابهم يقصد به: كل من لا يعمل بالبدع ولا يرضاها، وينكرها ولا يقرها.
وقد يقصد بـ (الوهابية) كل مذهب غريب وشاذ.
وآخرون يطلقون (الوهابية) على كل من كان على مذهب أهل السنة والجماعة، مقابل الشيعة أو مقابل الفرق الأخرى. وقد يخصصه بعضهم بالاتجاهات السلفية، وأهل الحديث، وأنصار السنة ونحوهم.
وقد توسعت بعض وسائل الإعلام والاتجاهات الغربية ومن دار في فلكها بإطلاق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
(الوهابية) على كل مسلم ينزع إلى التمسك بشعائر الدين وأحكامه وربما ترادف عندهم عبارة (أصولي) أو متزمت أو متشدد، والمتمسك بالدين عندهم: متشدد.
وبعض المؤسسات والدوائر الغربية ومن تأثر بها صارت عندهم (الوهابية) ترادف: التطرف، والإرهاب والعنف، والعدوانية. ونحو ذلك، وهذا تصور خاطئ وحكم جائر (1) .
[الوهابية وأحداث سبتمبر بأمريكا]
الوهابية وأحداث (11 سبتمبر) : وفي الآونة الأخيرة وبعد أحداث (11 سبتمبر) في أمريكا وتداعيتها كثرت الأساطير والأوهام حول الوهابية، إلى حد أن بعض خصوم الدعوة والحاقدين على المملكة العربية السعودية وأهلها، من المسلمين وغير المسلمين رموها بأنها هي التي وراء هذه الأحداث، وقد تلقف هذه الأسطورة بعض الإعلاميين، والكتّاب والساسة.
وهذه التناقضات في التعاريف كافية في الدلالة على أن الناس لا يزالون في أمر مريج يتخبطون في مواقفهم وأحكامهم على هذه الدعوة الإصلاحية وأتباعها ودولتها، وأن غالبهم لا يعرف حقيقتها، أو أن الأهواء والتعسف والظلم والتقليد والعشوائية والجهل هي التي تسيطر على مواقف الناس وأحكامهم على هذه الدعوة وأهلها ودولتها.
إن الدعوة الإصلاحية بأي اسم سمَّاها الناس، أو وصف وصفوها به، فهي على كل الأحوال: كيان حي يمثل الإسلام، والسنة النقية الصافية، كما جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وكما فهمها الصحابة والسلف الصالح، وهي بريئة مما اتهمت به كل البراءة كما سيأتي بيانه.--------------------------------------------
(1) كما يطلق (الوهابية) و (الوهبية) على بعض فرق الخوارج القديمة لا سيما في شمال أفريقية والمغرب.
فالوهابية: نسبة إلى عبد الوهاب الرستمي أحد زعماء الخوارج قديمًا (الدولة الرستمية) والوهبية: نسبة إلى عبد الله بن وهب الواسبي أحد زعماء الخوارج الحرورية الأوائل. وكلاهما كانت قبل ظهور دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وقد وقع اللبس لدى كثيرين بهذا.
وانظر: رسالة: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية للدكتور: محمد بن سعد الشويعر. ص (4) 1413هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
[حقيقة الدعوة كما شهد بها المنصفون]
حقيقة الدعوة كما شهد بها المنصفون (1) وإنه لمن المفيد أن أسوق كلام بعض الشهود من غير النجديين الذين عايشوا هذه الدعوة ودولتها المعاصرة وعلماءها وأهلها عن كثب ومنهم: الأستاذ (حافظ وهبة) إذ يقول تحت عنوان: (ما هي الدعوة الوهابية؟) : «لم يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نبيًّا كما ادعى نِيْبَهر الدانمركي، ولكنه مصلح مجدد داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة، ولا آراء خاصة وكل ما يطبق في نجد من الفروع هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل (2) وأما في العقائد فهم يتبعون السلف الصالح. ويخالفون من عداهم، وتكاد تكون عقائدهم وعباداتهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة من فروع الدين. وهم يرون فوق ذلك أن ما عليه أكثر المسلمين من العقائد والعبادات لا ينطبق على أساس الدين الإسلامي الصحيح.
وشاهد آخر وهو الدكتور منير العجلاني إذ يقول مجيبًا على التساؤل:
(ما هي صفة الحركة الوهابية؟) «لقد تساءل غير واحد من المؤلفين هذا السؤال، وكانت الأجوبة مختلفة. . . فبعضهم يرى أنها حركة دينية خالصة، تريد الرجوع بالإسلام إلى صفائه الأول، وأنها لذلك كافحت الشرك في كل ألوانه وأنكرت البدع التي أحدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وبعضهم يرى أنها حركة سياسية، غايتها فصل نجد والبلاد العربية عن الخلافة العثمانية، وإقامة حكومة عربية مستقلة، وأن الدين لم يكن إلا وسيلة لتحقيق هذا الغرض.
وآخرون يرونها مزيجًا من الدين والقومية؛ لأنها كافحت في الميادين لتحقيق غايات دينية وقومية، وأَلَّفت حكومة، وأوجدت نظامًا مبنيًا على الإسلام، ضمن الإطار السلفي.
ويقول المستشرق الفرنسي «هنري لاوست» : إن روح الحركة الوهابية ومعناها لم يتحددا في وضوح كامل.--------------------------------------------
(1) سيأتي الكلام عن الشهادات تفصيلًا في فصل مستقل.
(2) قد صرح إمام الدعوة وعلماؤها أنهم مع أخذهم بمذهب الإمام أحمد بن حنبل فهم مع الدليل وإن خالف المذهب، ومؤلفاتهم وفتاواهم على هذا إلى اليوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
يقال حينًا إن الوهابية حركة دينية غايتها إعادة الإسلام إلى صفائه الأول. وتعرف حينًا آخر بأنها حركة تطهير، يغلب عليها التشدد، وترفض - كالبروتستانتية - عقيدة تقديس الأولياء، وتكافحها كفاحًا لا هوادة فيه.
وكل هذا إنما هو محاولة لتعريف الوهابية ببعض صفاتها الثانوية المتفرعة عنها، كما رآها أعداؤها، أو كما أظهرها الغلاة من أتباعها. . .
ولا سبيل إلى فهم الحركة الوهابية وتعريفها تعريفًا صحيحًا، إلا بالرجوع إلى كتاب «السياسة الشرعية» ، لابن تيمية، ومتى فعلنا ذلك استطعنا أن نعرف الوهابية بأنها: حركة إصلاح وتجديد، سياسية ودينية، ترمي إلى إنشاء دولة إسلامية على الأسس التي أوردها ابن تيمية، في كتاب «السياسة الشرعية» .
وحسبنا أن نقرأ المجموعات التي نشرتها الحكومة العربية السعودية باسم: «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» حتى ندرك تمامًا أن الأفكار الوهابية مستمدة من «السياسة الشرعية» و «الحسبة» لابن تيمية، و «السياسة الحكمية» ، لابن القيم الجوزية.
رأينا (1) وعندنا أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عودة إلى الإسلام في أول أمره ومطلع فجره، ومتى قلنا ذلك كفينا أنفسنا عناء الجدل العقيم.
ذلك أن من دعا إلى الإسلام الأول، فإنما يدعو إلى الإسلام كما كان يرى في المدينة، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في عهود الخلفاء الراشدين» .
إلى أن قال: «وحركة محمد بن عبد الوهاب هي حركة تجديد وتطهير: تجديد وإحياء لما أهمله المسلمون من أمور الإسلام وأوامره، وتطهير للإسلام مما أدخلوه عليه من الشركيات والبدع!
ولم تكن دعوة محمد بن عبد الوهاب دعوة «فيلسوف» معتزل في غرفته، ولكنها كانت دعوة زعيم مصلح، يكافح دون عقيدته، ويعمل لها بلسانه ويده، وبكل قلبه، وبكل عقله، وبكل جهده.--------------------------------------------
(1) لا يزال الحديث للعجلاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
إن دعوة محمد بن عبد الوهاب ليست «نظرية» أو كتابًا ألفه ليقرأه الناس، ولكنها منهاج رسمه، وقام وراءه يدعو إلى العمل به، بالموعظة أولًا، ثم بالقوة. . . قوة دولة الإسلام التي قامت على أساس الشرع وحده.
فمنهاج الشيخ ليس إصلاحًا دينيًا خالصًا، بالمعنى الذي يفهمه الأوروبيون اليوم؛ لأنهم يفرقون بين الدين والدنيا، ويجعلون الدين صلة خاصة بين العبد وخالقه، لا يُحمل الناس على اتباعه بالقوة، ثم هم يفرقون بين الدين (أو الشرع) وبين القانون، ويقولون إن الدولة تلزم الأفراد بالقانون الذي تضعه هي لهم، ولكنها لا تلزمهم بالشرع، بل قد يخالف قانونها الشرع! .
إن الإسلام وحدة، دين ودنيا، ودعوة الشيخ لذلك، دعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية» (1) .
ويقول الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم: «يطلق بعض الكتاب على «الدعوة السلفية» اسم «المذهب» ، كما يطلق عليها البعض الآخر اسم «الوهابية» ، والحقيقة أن استعمال هذين الوصفين للدعوة غير دقيق، فهي ليست بمذهب جديد في الإسلام، حتى يصح إطلاق لفظ المذهب عليها، بل إن صاحب الدعوة نفسه كان حريصًا على أن يؤكد للناس أنه لا يدعوهم إلى مذهب جديد في الإسلام، وذكر في رسائله قائلًا: «فإني لم آت بجهالة، بل أقولها، ولله الحمد والمنة وبه القوة إنني هداني ربي إلى الصراط المستقيم، دينا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا، وما كان من المشركين، ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو غيره. . . بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم» (2) .
«أما وصف الدعوة بالوهابية، فقد أطلقه عليها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتى يبرهنوا للناس أن مبادئه التي يدعو إليها بدعة جديدة خارجة على مبادئ الإسلام، بل إن أعداء الدعوة من الترك، ومن جاراهم غالوا في ذلك ووصفوا أتباع الدعوة بالروافض والخوارج،--------------------------------------------
(1) تاريخ البلاد العربية السعودية (1 - 242) .
(2) من رسالة الإمام إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف. انظر: الدرر السنية (1) ، وقد وقع بعض النقص في نقل الدكتور عبد الرحيم وأكملته من الدرر السنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
حتى إن الوثائق الرسمية المتبادلة بين محمد علي والباب العالي تنعت الأمير السعودي الذي يعمل على نشر مبادئ الدعوة السلفية باسم «الخارجي» (1) (2) .
ويقول محمد جلال كشك: «ودعوة التوحيد التي نادى بها الشيخ (3) تقبلها العلماء في شتى بلدان العالم الإسلامي، أو قل: لم يستطع أحد منهم أن يرفضها، بل على العكس ركز خصومها على اتهامها بأنه «لا جديد فيها» واهتموا بمناقشة الشكليات، وافتراء الاتهامات، بينما أعلن أكثر من عالم وفقيه أو حتى مستشرق انطباقها على مبادئ الإسلام الصحيحة.
كذلك ذهب ابن بشر إلى أن الشريف غالب وافق على أفكار الشيخ لولا أن الحاشية حذرته بأن الوهابيين إنما يريدون ملكه وليس ضميره، «فارتعش قلبه وطار» .
ومحمد بن عبد الوهاب، اهتم اهتمامًا كبيرًا، هو وورثته من بعده، بتأكيد أنه لا جديد في دعوته، وأنه لم يأت بمذهب خامس، وهذا صحيح بالطبع، وإن كان الحرص على نفي تهمة المذهب الخامس «أمر مبالغ فيه؛ لأن المذاهب في حد ذاتها، ليست أديانًا منزلة، وإنما هي اجتهادات وهم رجال ونحن رجال» .
لقد ظل هذا الحرص على نفي شبه المذهبية الجديدة يلازم رجال الحركة في المسجد والدولة، إلى حد اتقاء كلمة «الوهابية» والإصرار على أن «محمد بن عبد الوهاب» ليس أكثر من تلميذ أو فقيه من فقهاء المذهب الحنبلي «المعترف» به، فلماذا انفرد هو بذلك الأثر الذي أحدثه، وبتلك القدرة على تفجير طاقات غيرت تاريخ المنطقة؟» .
«فهو لا يدعو «إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم» ، «أدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه. إن أتانا منكم كلمة من الحق، لأقبلنها على الرأس والعين ولأضربن الجدار بكل ما خالفها» .--------------------------------------------
(1) من الباب العالي إلى محمد علي، دفتر (1) معية تركي، ص (4) ، وثيقة (2) يناير (1808م) ، ذي الحجة (1222هـ) (د. عبد الرحيم) .
(2) الدولة السعودية الأولى للدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم (1
، 41) .
(3) يعني الإمام محمد بن عبد الوهاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
«وهكذا فتح الشيخ باب الاجتهاد على مصراعيه، وكتب إلى الشريف غالب يقول: «فإن كانت المسألة إجماعًا فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد، فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد» .
لا شك أنه كان أكثر تقدمية وانفتاحًا من المتكلم عن شيوخ مكة، بل وأكثر قربًا لروح الإسلام في الحوار المشهور بين علماء الوهابية وعلماء مكة. فقد قال الشيخ الحنفي المذهب: أنا لا أقبل إلا ما قاله إمامي أبو حنيفة لأنني مقلد له فيما قاله، ولا أقبل أن تقول لي: قال رسول الله أو قال ذو الجلالة؛ لأن أبا حنيفة أعلم مني ومنك بقولهما» .
وهكذا نرى أننا نظلم الشيخ ونظلم دعوته، بل نظلم السلفية والسلفيين عندما نتحدث عنهم بالمفهوم السوقي الشائع» .
«فالدولة السعودية، أو الثورة الوهابية كانت ضد التخلف العثماني، كانت محاولة للإفلات من السفينة العثمانية الغارقة، والتي لم يبق بها إلا طابور انكشاري يعترض طريق كل من يحاول سد خروق السفينة» .
«لم يحس أحد في القاهرة ولا مكة ولا حتى الأستانة بسقوط بخارى وسمرقند والقوقاز، مع أنها أعرق في تاريخ الإسلام وحضارتها من بلجراد وسالونيك والأستانة ذاتها، وشعوبها مسلمة مائة بالمائة منذ القرن الأول الهجري. . . ولكن هذه العواصم تنبهت مذعورة على مدفعية الأساطيل الأوروبية عند الشواطئ العربية. . . وبدأ الحديث عن «انقلاب المطبوع» والبحث عن تفسير لظاهرة انتصار الكفار على المؤمنين أو اختلال الناموس كما قالوا! .
«وطرح السؤال بعنف: ما العمل؟ كيف نواجه هذا التحدي؟ وكانت أول إجابة طرحت في العالم العربي، وما زالت آثارها حية إلى اليوم، هي المنهج السعودي، الذي طرحه «محمد بن عبد الوهاب» وتبناه «محمد بن سعود» وهو «لا ينتصر آخر هذا الدين إلا بما انتصر به أوله»
فاجأ ابن عبد الوهاب الجميع بإعلان أنه لا خطأ في الناموس. . . لا خطأ في قوانين الكون، فالكفار لم يهزموا المؤمنين، بل هزموا كفارًا عادوا للشرك فخسروا الدين والدنيا!» .
«فإن مظاهر الوثنية كانت قد تفشت في أنحاء العالم الإسلامي، ليس فقط في الاعتقاد بالمشايخ والأولياء، وأصحاب الطرق، بل حتى في الاعتقاد ببركة أحجار وأشجار،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وكان في مصر شجرة اسمها «أم الشعور» يتبرك بها العامة ويعتقدون بوجود روح داخلها، وكان العامة يعلقون قطعة من ثيابهم، أو ثياب غرمائهم في مسامير بوابة المتولي، طلبًا للمعاونة أو التنكيل بالخصوم. كما كان العامة في مصر يوجهون شكاويهم كتابة للإمام الشافعي المتوفى قبل أكثر من عشرة قرون! ويعتقدون أنه يقرأها، ويقضي فيها. . . فهو «قاضي الشريعة» كما يلقبه العامة في مصر» (1) .--------------------------------------------
(1) السعوديون والحل الإسلامي لمحمد جلال كشك (87 - 108) باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
[المبحث الثاني بواعث قيام الدعوة وأهدافها الكبرى]
[تحقيق التوحيد]
المبحث الثاني
بواعث قيام الدعوة الإصلاحية وأهدافها الكبرى قامت الدعوة الإصلاحية في نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومناصرة الإمام محمد بن سعود في الوقت الذي كانت أحوج ما تكون إليه في جميع النواحي الدينية والدنيوية، وكانت مبررات الدعوة وبواعثها الشرعية منها والواقعية متوافرة، ومن أهم هذه البواعث والدواعي:
1 - تحقيق التوحيد: إن أول هذه الدواعي وأعظمها لقيام الدعوة الإصلاحية: مسألة التوحيد ومجانبة الشرك، وهي القضية الكبرى بين الأنبياء وخصومهم، وكذلك بين الدعاة والمصلحين وخصومهم، ألا وهي تحقيق ما أمر الله تعالى به لجميع المكلفين {أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] (1) فقد قامت هذه الدعوة استجابة لأمر الله بإقامة الدين، بتحرير العبودية لله وحده، وتعظيم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وإخلاص العبادة له سبحانه دون سواه، والنهي عن الشرك وذرائعه، وكانت هذه هي الغاية الأولى في هذه الدعوة المباركة.
[تنقية مصادر التلقي]
2 - تنقية مصادر التلقي: تعددت مصادر التلقي عند أهل الأهواء والبدع، ولم يخلصوا تلقي الدين عن الكتاب والسنة، فكان من أهداف هذه الدعوة الإصلاحية، إعادة الناس إلى مصادر الدين الحق (القرآن والسنة) وبفهم السلف الصالح وآثارهم الصافية.
[نشر السنن وإظهارها ونبذ البدع]
3 - نشر السنن وإظهارها، ونبذ البدع ومظاهرها: في العقيدة والعبادات والأعياد وغيرها.
[القيام بواجبات الدين]
4 - القيام بواجبات الدين وفرائضه العامة: من الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، تحقيقًا للخيرية التي وصف الله بها هذه الأمة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا} [آل عمران: 110] [سورة آل عمران، من الآية: 110]--------------------------------------------
(1) سورة النحل، من الآية: 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
والنصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم وإقامة الحدود، والعدل بين الناس.
[تحكيم شرع الله]
5 - تحكيم شرع الله تعالى كما أمر الله: فقد أعرض كثير من المسلمين، لا سيما أهل البدع وكثير من العامة، وأهل البادية، عن العمل بشرع الله في أكثر أحوالهم الدينية والدنيوية حيث سادت البدع والمحدثات والتقاليد والأعراف والأحكام الجاهلية، وتحاكم كثير من الناس إلى غير شرع الله، وكثر لجوء الناس إلى الكهان والمشعوذين والسحرة والدجالين، فأصابهم ما توعد الله به من أعرض عن ذكره، من ضنك المعيشة كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] [سورة طه، من الآية: 124] .
[نشر العلم ومحاربة الجهل]
6 - نشر العلم ومحاربة الجهل والتخلف: تميز العصر الذي ظهرت فيه الدعوة بشيوع الجهل والتقليد الأعمى بين المسلمين، فكثر الإعراض عن تعليم العلوم الشرعية، وعن التفقه في الدين، وسادت الأمية والتخلف في أكثر مظاهر الحياة الفردية والجماعية، مما جعل قيام الدعوة ضرورة لنشر العلوم الشرعية ووسائلها والفقه في دين الله، وأخذ العلم من منابعه الأصلية: القرآن والسنة وآثار السلف الصالح، مع الأخذ بالعلوم الدنيوية النافعة.
[تحقيق الجماعة ونبذ الفرقة]
7 - تحقيق الجماعة ونبذ الفرقة: لقد وقع أكثر المسلمين في وهدة الفرقة والشتات، والتنازع، التي أصيب بها المسلمون من جراء كثرة الأهواء والبدع والجهل والإعراض عن الدين، واتباع سبل الغواية والشهوات والشبهات، وما نتج عن ذلك من الجهل والذل والهوان والتفرق والفشل الذي حذر الله منه {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] [سورة الأنفال، من الآية: 46] . فكان لا بد من إصلاح أحوال الأمة بالعقيدة والشرع المطهر، الذي به تكون الجماعة والاستقامة والعزة.
[تحقيق الأمن والسلطان]
8 - تحقيق الأمن والسلطان: إن أعظم ما يحتاجه المسلمون عامة - ونجد وجزيرة العرب بخاصة - بعد التوحيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
وفرائض الدين: الأمن والسلطان، وهما متلازمان فلا يمكن إقامة الدين والعدل إلا بالأمن، ولا أمن إلا بسلطان، وهذا ما أدركته الدعوة وإمامها، فقد ساد ضعف السلطان، وانفلات الأمن - حيث بدأت الدولة العثمانية في مرحلة الضعف - سيما في جزيرة العرب، ونجد بخاصة، وكانت الضرورة تقتضي قيام ولاية شرعية تحفظ للناس أمنهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وتقوم بالعدل والقضاء بين الناس، وتقيم الحدود وتنشر العلم والخير وتدفع الشر والظلم، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما أمر الله تعالى.
[رفع التخلف والبطالة]
9 - رفع التخلف والبطالة: اتسم العصر الذي قامت فيه الدعوة الإصلاحية، وما سبقه بالتخلف والبطالة، مما استلزم ضرورة النهوض بالمجتمع اجتماعيًا واقتصاديًا، والسعي إلى رفع أسباب التخلف والفقر والبطالة والتواكل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
[المبحث الثالث حال نجد وما حولها يقتضي ضرورة قيام الدعوة]
المبحث الثالث: حال نجد وما حولها يقتضي ضرورة قيام الدعوة: وليس أصدق في وصف حال نجد وما حولها من أهلها لا سيما العلماء والباحثين الذين عنوا بهذا الأمر، وعلى رأسهم إمام الدعوة الذي أعلن دعوته الإصلاحية من هذا المنطلق - أعني تشخيص الأمراض التي يعيشها المجتمع النجدي وسائر الأمة - فقد وصف الإمام نفسه الواقع الذي يعيشه كثير من المسلمين في نجد وغيرها، وما شاع بينهم من بدع وخرافات ومظالم وجهالات، وكان هذا الواقع هو السبب والباعث لقيام الإمام بدعوته الإصلاحية، وكثيرًا ما كان يخاطب الناس من هذا المنطلق، فقال محاورًا لمخالفيه ومبينًا لهم وجود عظائم المخالفات قال: «منها - وهو أعظمها - عبادة الأصنام عندكم، من بشر وحجر؛ هذا يذبح له؛ وهذا ينذر له؛ وهذا يطلب إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات؛ وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر؛ وهذا يزعمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة ولو عصى الله!
فإن كنتم تزعمون: أن هذا ليس هو عبادة الأصنام والأوثان المذكورة في القرآن، فهذا من العجب؛ فإني لا أعلم أحدًا من أهل العلم يختلف في ذلك، اللهم إلا أن يكون أحد وقع فيما وقع فيه اليهود، من إيمانهم بالجبت والطاغوت؛ وإن ادعيتم أنكم لا تقدرون على ذلك، فإن لم تقدروا على الكل، قدرتم على البعض؛ كيف وبعض الذين أنكروا عليّ هذا الأمر، وادَّعوا أنهم من أهل العلم، ملتبسون بالشرك الأكبر، ويدعون إليه، ولو يسمعون إنسانًا يجرد التوحيد، لرموه بالكفر والفسوق؛ ولكن نعوذ بالله من رضى الناس بسخط الله.
ومنها: ما يفعله كثير من أتباع إبليس، وأتباع المنجمين والسحرة والكهان، ممن ينتسب إلى الفقر، وكثير ممن ينتسب إلى العلم من هذه الخوارق التي يوهمون بها الناس، ويشبهون بمعجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، ومرادهم أكل أموال الناس بالباطل؛ والصد عن سبيل الله، حتى إن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعي العلم: أنه من العلم الموروث عن الأنبياء، من علم الأسماء، وهو من الجبت والطاغوت، ولكن هذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (1) .--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (3456) ، ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
ومنها: هذه الحيلة الربوية التي مثل حيلة أصحاب السبت أو أشد، وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع؛ إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإما إلى إجماع أهل العلم؛ فإن عاند دعوته إلى مباهلة، كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض، وكما دعا إليها سفيان، والأوزاعي، في مسألة رفع اليدين، وغيرهما من أهل العلم؛ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم» (1) .
وقد شخَّص أحد علماء الدعوة الواقع ووصف حال الأمة أثناء ظهور الدعوة وقبلها في بلدان نجد وكذلك في أكثر البلاد الإسلامية المجاورة، وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إذ يقول: «كان أهل عصره ومصره - يعني الإمام محمد - في تلك الأزمان، قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد، والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأحاديث الكهان، والطواغيت مقبولة، قد خلعوا ربقة الدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة بغير الله، والتعلق على غير الله، من الأولياء، والصالحين، والأوثان، والأصنام، والشياطين.
وعلماؤهم، ورؤساؤهم على ذلك، وبه راضون، قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات عن الارتفاع إلى طلب الهدى، من النصوص والآيات، يحتجون بما رأوه من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلقة، والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية، وكثير منهم يعتقد النفع والضر، في الأحجار، والجمادات، ويتبركون بالآثار، والقبور {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19] [سورة الحشر، من الآية: 19] ، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] [سورة الأعراف، الآية: 33] .--------------------------------------------
(1) الدرر السنية (1، 54) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)